بينما كانت الأم تصارع مرض رضيعتها داخل الشقة، كان أطفالها الأولاد الثلاثة لا يلهون فقط، بل يكتبون فصلا مرعبا في حياتهم وحياتها، ويحولون «المرتبة» التي وضعتها على النافذة للتهوية إلى منصة للإعدام ولإنهاء حياتهم، قصة بدأت بمقطع مصور وانتهت في قسم الشرطة، لكنها تركت سؤالا صادما.. هل أصبحت كاميرا الهواتف وسيلة لتوثيق الكوارث بدلا من منعها؟.
بدأت الحكاية من مقطع فيديو استمر بضعة دقائق، لكنه حبس أنفاس كل من رآه، وتسببب في ذعر كل من شاهده، وباتت الألسنة تدعو «يارب استرها».
المقطع الذي التقط مشهد لثلاثة أطفال إخوة في عمر الزهور، حيث كانوا يجلسون على مرتبة وضعتها أمهم على أحبال الغسيل في شقة بطابق مرتفع بمحافظة الإسكندرية، كاد أن ينتهي بكارثة ليس فقط لوالديهم بل للمجتمع كله، لولا تدخل العناية الإلهية ويقظة الأجهزة الأمنية.
وتتجلى قسوة المشهد وخطورته في مقطع الفيديو، بلقطات متتالية، لا يمكن للقلوب الضعيفة تحملها، حيث غلب النعاس أصغر الأطفال الثلاثة، ومال على أخيه ونام لثواني معدودة على حافة المرتبة المهتزة، وما إن استيقظ حتى بدأ باللعب والقفز فوق المرتبة بعفوية قاتلة، غير مدرك أنه على حافة الهاوية وأن بضع سنتيمترات تفصله عن الموت.
لم يتوقف الخطر عند هذا الحد، بل كان الشقيقان الأكبر يتبادلا الأماكن مع بعضهما فوق المرتبة، في مشهد مرعب جعل كل من يشاهده يضع يده على قلبه، فكانت كل حركة وقفزة لكل طفل تهدد حياته وتمثل احتمالا كبيرا للسقوط للهاوية لولا رحمة الله.
قامت الأجهزة الأمنية بفحص الفيديو فور نشره على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، وتمكنت من تحديد العنوان وقامت بضبط الأم، والتي كشفت كواليس المشهد الأكثر رعبا في حياتها وحياة كل من شاهده، حيث وضعت «المرتبة» على النافذة بغرض التهوية، ولكنها انشغلت برعاية ابنتها الرابعة الرضيعة، واستغل الأطفال انشغالها وغافلوها وجلسوا يلعبون على المرتبة في وضع شديد الخطورة دون إدراك منهم، مشيرة إلى أنها لم تكن تعلم بوجودهم في هذا الوضع الخطير.
مفاجأة التحقيقات هي أنها لم تتوقف عند الأم فقط، بل شملت أيضا السيدة التي وقفت دقائق تصور المقطع، حيث أنها مقيمة بالعقار المقابل لعقار الأطفال، وتم ضبطها لسببين أولهما عدم الإبلاغ الفوري والاكتفاء بالتصوير للنشر على السوشيال ميديا بدلا من إخطار النجدة، والسبب الثاني هو السلبية حيث لم تتخذ أي إجراء فعلي لمحاولة إنقاذ الأطفال من الخطر المنتظر لهم في وقتها.
بدورها اتخذت وزارة الداخلية كافة الإجراءات القانونية اللازمة حيال الواقعة، وعرض الأطفال على النيابة العامة لمباشرة التحقيقات، واتخاذ الإجراءات القانونية حيال الأم والمصورة، مع التنبيه على ضرورة رعاية الأطفال وحمايتهم من المخاطر، ليكون هذا الحادث درسا في أهمية الرقابة الأسرية وضرورة الإيجابية المجتمعية بدلا من الاكتفاء بالتريند.
خلف المشهد الكارثي المرعب للأطفال، تبرز حقائق قانونية لا تجامل في حياة الأطفال، حيث تنص المادة 96 من قانون الطفل المعدل 126 لسنة 2008، على أنه يعد الطفل معرضا للخطر إذا وجد في حالة تهدد سلامة التنشئة الواجب توافرها له، في عدة أحوال، منها حالات الإهمال أو عدم التحرز التي قد تؤدي سلامته إلى الهلاك، ويواجه الشخص المسئول عن رعاية الطفل عقوبة الحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية، أو بإحداهما، خاصة إذا ترتب على هذا الإهمال خطر حقيقي كما ظهر في فيديو الإسكندرية.
انتهت الواقعة، وبقي الدرس للجميع، فلم تكن مجرد فيديو عابر، بل كانت تحذيرا لكل أم وأب لمراجعة إجراءات الأمان بالمنزل، وتنبيه كل من يمتلك كاميرا أن الأرواح أغلى بكثير من «التريند».
اقرأ أيضا | الداخلية تكشف ملابسات جلوس أطفال على «شباك» طابق مرتفع بعقار في الإسكندرية

«ساقية تونة الجبل» .. حكاية أقدم وأضخم خزان مياه في مصر
مسلة إسطنبول.. حكاية أثر مصري هاجر من الكرنك إلى قلب الإمبراطورية البيزنطية
أصوات من الماضي.. ذاكرة الشعب على شرائط كاسيت







