يوميات الأخبار

بورصة الدماء

د. محمود عطية
د. محمود عطية


«الذين وضعوا مبالغ ضخمة -أحدهم هدد بخسارة 900 ألف دولار- حاولوا إجبار الصحفى على تغيير تقريره ليقول إن ما سقط هو «شظايا» وليس «صاروخًا» لكى يربحوا الرهان»

السبت:

إنه عالم مجنون مجنون

فى الستينيات اتحفتنا هوليود بفيلم تحت عنوان «عالم مجنون مجنون مجنون»، وأظن العنوان يصلح لوصف ما يجرى من انحطاط سلوكيات البعض فى أمريكا هذه الأوقات، حيث تتم «مراهنات مالية» على أرواح الأبرياء، فى «العالم الرقمي» على الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، رهانات على «توقعات» الحرب للتربح بملايين الدولارات ،»سوق أوراق مالية» حية، حيث يراهن المقامرون خلف شاشاتهم على عدد القتلى، وتوقيت الغارات، وسقوط العواصم.

بدأت المراهنات على منصات مثل (Polymarket و Kalshi) وهى أسواق مراهنات شهدت تدفقات مالية مرعبة تجاوزت نصف مليار دولار مع بداية التصعيد العسكرى فى فبراير ومارس 2026. وأصبح السؤال الأكثر رواجًا على المراهنة: «هل ستُقصف طهران قبل فجر الخميس؟»، وكأننا نراهن على نتائج مباريات كرة القدم أو سباقات الخيول.

وخلف كل «نعم» أو «لا» يضغط عليها المراهن، هناك عائلات تحت القصف، وأطفال فى الملاجئ، ومصير مجهول لشعوب بأكملها. إن تحويل المأساة الإنسانية إلى «أصل مالي» يمثل انحدارًا أخلاقيًا غير مسبوق، حيث يتمنى المراهن وقوع الكارثة ليربح رهانه، ويصبح الدمار بالنسبة له مجرد «مكسب رقمي» فى محفظته الإلكترونية.

والأمر لا يتوقف عند غياب الأخلاق، بل يمتد إلى فساد أمنى وسياسي. لقد رصد المحللون تحركات مريبة لمحفظات إلكترونية ضخمة راهنت بملايين الدولارات قبل ساعات قليلة من الهجوم الأمريكى الإسرائيلى فى 28 فبراير. هذا التطابق الزمنى يطرح سؤالًا مرعبًا: هل أصبح القادة أو الضباط يسربون خطط الحرب للمقامرين لتحقيق أرباح جانبية؟، عندما تمتزج «أسرار الدولة» بـ «أرباح المنصات»، يصبح القرار العسكرى رهينة للمصالح المالية، وقد تُطال أمد الحرب أو تُعجل لمجرد إرضاء كبار المراهنين.

ففى واقعة يتم التحقيق فيها حاليا تعرض الصحفى «إيمانويل فابيان» (مراسل «تايمز أوف إسرائيل») لتهديدات بالقتل من قبل مراهنين لأنه نشر تقريرًا عن سقوط صاروخ إيرانى فى منطقة مفتوحة قرب القدس فى 10 مارس، وقواعد الرهان على المنصة كانت تنص على أن «الإصابة المباشرة» فقط تحتسب، أما «شظايا الاعتراض» فلا تحتسب. المراهنون الذين وضعوا مبالغ ضخمة -أحدهم هدد بخسارة 900 ألف دولار- حاولوا إجبار الصحفى على تغيير تقريره ليقول إن ما سقط هو «شظايا» وليس «صاروخًا» لكى يربحوا الرهان.. وفى إسرائيل، تم اعتقال جندى احتياط ومدنى للاشتباه فى استخدامهما معلومات سرية لتوجيه مراهنات مالية على توقيت الضربات.

إن خطر هذه الظاهرة يكمن فى «تطبيع المأساة». فعندما يصبح موت البشر مجرد احتمالية إحصائية فى سوق الرهان، نفقد تعاطفنا الإنساني. لم تعد الحرب مأساة تستوجب الإيقاف، بل أصبحت «عرضًا مستمرًا» يستوجب الاستثمار.

الثلاثاء:

افتكرونى كل سنة مرة

تحيرنى أحيانا الذاكرة المصرية، ولا أفهم لماذا تتغافل عن الاحتفال بذكرى أهم من تغنى الشعب بكلماته فى ثورة 1919 وكان أحد قواها الناعمة، وتنسى تكريمه بشكل رسمى يليق بمكانته الفنية والوطنية، وكان من أهم فنانى ومثقفى النصف الأول من القرن العشرين، وفى الوقت الذى تتردد كلماته يوميًا فى المدارس والمؤسسات، وحياته بما فيها من تحولات فنية ونفسية كان يمكن أن تكون كنزا ثمينا لمؤلفى المسلسلات والدراما عموما.
إنه الشيخ يونس القاضى (1888-1969)، الذى أمتهن حرفة الصحافة، وكان شاعرا غنائيا كبيرا وملحنا وكاتبا بارزا كتب أكثر من (58) عملًا مسرحيًا، ويُعد من رواد المسرح الغنائى المصري، ومعظم أعماله كانت مرتبطة بالأحداث الوطنية والاجتماعية. كما أنه أول من تولى مهمة رقيب على المصنفات الفنية فى الإذاعة المصرية بين عامى (1928و1937)، ومن المصادفات العجيبة أن أول قرار له كان إلغاء إذاعة أغانيه.. وهى الأغانى التى كتبها فى بداياته تحت ما كان يُسمى وقتها «الأغانى الجريئة» أو «الخفيفة»، وكان نجما فى هذا اللون من الأغانى ذات الطابع المرح التى كانت تُعرض فى الملاهى والمسارح الشعبية فى أوائل القرن العشرين. وهذا اللون من الغناء كان شائعًا فى تلك الفترة، وكان يُعتبر جزءًا من الترفيه الجماهيري.

ومع نضجه الفنى ونمو إحساسه الوطنى وبغضه للاحتلال الإنجليزى تحول ذلك المثقف الكبير إلى رمز وطنى وثقافي، فقد ساهم فى تشكيل هوية مصر الفنية والسياسية فى ذلك الوقت بارتباط كلماته بأعمال سيد درويش مثل «آه يا بلح زغلول» التى كانت أغنية وطنية مرتبطة بثورة (1919)، والبلح هنا يرمز للزعيم سعد زغلول ووسيلة للتعبير عن دعم الشعب له فى مواجهة الاحتلال البريطانى حين نفى الزعيم، وأغنية «اهُو ده اللى صار»، التى تعبّر عن التغيير الاجتماعى والسياسى فى مصر، و»يا عزيز عيني» التى عبرت عن معاناة العمال والفلاحين، و»أنا هويته وانتهيت»، و»زورونى كل سنة مرة».

وارتبط بالزعيم مصطفى كامل واستلهم كتابة نشيد «بلادى بلادى لك حبى وفؤادي» من خطب الزعيم مصطفى كامل ولحنه وأداه سيد درويش، وأصبح النشيد الوطنى لمصر فيما بعد، ومازال يخلّد اسمه فى وجدان المصريين، وهذه الأعمال جعلت اسمه جزءًا من الذاكرة الوطنية المصرية، ورسّخت مكانته كأحد أهم شعراء الأغنية فى القرن العشرين.

والشيخ يونس ابن قرية النخيلة التابعة لمركز أبو تيج، لم يكتف بملازمة مصطفى كامل وسيد درويش بالكلمة الوطنية، بل شارك فى تأسيس جمعيات وطنية بالأزهر لمقاومة الاحتلال البريطاني. ولا أفهم لماذا لا نحتفل بذكرى ذلك الرجل الذى نتغنى بكلماته فى نشيدنا الوطنى ولا نتذكر كفاحه بإثارة الوعى بكتاباته التى مازالت تعيش بيننا ونتغنى بها ونرددها يوميا؟
 

الخميس:

وبقى الرصيف وحيدًا

يؤرقنى دائما مصير «الرصيف» فى القاهرة والمدن الكبرى، وكتبت استفسر عن مصيره المجهول عدة مرات ولا من مجيب!، فهل سيصبح حكرا على الباعة وبعض المحلات والأكشاك التى ترص بضائعها على الرصيف أمام محلاتها وأكشاكها والمقاهى الصغرى والكبرى التى تحتل المتخللات بين العمارات؟!

يبدو أن «الأحياء» لا تسمعنى بعدما تخلت عن الرصيف، وتركته وحيدا، وهجرته شرطة المرافق، فاستباحته الإشغالات من كل صنف ولون، وقذفت بالمشاة من فوقه إلى نهر الطريق.. وفقدنا بذلك حقنا الشرعى فى السير فوقه، ورضخنا صاغرين، ورضينا بالسير وسط الطريق معرضين حياتنا للخطر، ومربكين لحركة المرور، وبتنا نتنابذ بالسباب مع قائدى المركبات بعدما أعقنا سيرهم، فالمشاة يرون أن لهم الحق فى السير داخل نهر الطريق، والمركبات ترى أنها صاحبة ذلك الحق، وتُعاير المشاة بعدم قدرتهم على حماية حقهم فى الرصيف، ومحاولة سرقة نهر الطريق من المركبات.

والكل يعلم أن الرصيف تحول لمربعات يتم تأجيرها -من قبل البلطجى الكبير- للباعة الجائلين، ولكل من يفترش الرصيف، ولمن يقف فاتحا شنطة سيارته عارضا بضائعه كمحل متحرك، ومن يجعل الرصيف امتدادا لمحله فيضع على جانبى المحل وفوق الرصيف بعضا من بضاعته، ويجاوره «الكوفى شوب» أى القهوة موزعة كراسيها على طول وبعرض الرصيف ولا موطأ لأى قدم تسير فوق الرصيف، وينظر شذرا لمن يحاول المرور فوق الرصيف بجانب التربيزات المتراصة بتناغم مذهل وباطمئنان يثير الدهشة، و»مقاهى» تحتل الممر بين العمارات كأن ذلك حق لها، وساكنو العمارات لا حق لهم سوى فى الاستماع للأحاديث المتناثرة من زبائن المقهى وسماع رشفات المشاريب الساخنة ومشاركة دخان شيشهم، وبقلب ميت باتت «المتخللات» بين العمارات -خاصة وسط البلد- حقا مكتسبا للمقاهى ولو كان المقهى «متر فى متر».. وتطور الحال حتى احتل الباعة الميادين العامة أيضا وميدان وشارع الجلاء ومستشفاه للولادة بالقاهرة نموذجا!

قيل:

ارتحت من الغسيل يا عريان...!