يوميات الأخبار

وبحق السر الكامن فيها

عبدالهادى عباس
عبدالهادى عباس


واجب المثقفين والإعلاميين مجابهة هذه الادعاءات بمزيد من بث الوعى المجتمعى بما تقوم به الدولة من إنجازات فى مجال تصحيح المفاهيم المغلوطة .

دعاء الشيخ سيد

الجمعة:

يقف الشيخ على المنبر هادئًا، متزنًا، يثق فى علمه، وفيما يقول؛ فى الوقت نفسه الذى تطالعه خلف الشاشات غربان سوء تنتظر هفواته لتنعب عليه وتشغب على الأزهر ورجاله.. تنطلق الكلمات من القلب مُقنعة، باهرة، مفعمة بمحبة الله ورسوله وآل بيته؛ ولكن اللئام من ذوى الأوهام لا يكفون عن الضجيج والاتهامات الفارغة بتشيع الأزهر؛ وهى البغضاء التى تُعلنها ألسنتهم على وسائل التواصل، وما تُخفى نفوسهم أكبر؛ إذ لا يتركون فرصة للغضّ من هذه القامات السامقة التى نباهى بها، إلا واهتبلوها.

ليس علينا أن نؤمن بالصدف، أو أن الحياة تسير خبط عشواء دونما تدبير أو تقنين يربط الأحداث ببعضها فى فضاء كونى واسع يُقدره الحق سبحانه وتعالى؛ وفى إجازة العيد وحينما كنت أحاول التنقيب فى مكتبتى بالقرية بحثًا عن بداية جديدة لإعادة النشاط القرائى وقع تحت يدى كتاب «أباطيل وأسمار» للشيخ محمود شاكر، ووجدت أننى كنت قد توقفت عند بيتى الأخطل اللذين أوردهما الشيخ للتدليل على وجهات نظره، وهما: (تنقّ بلا شيء شيوخ محارب، وما خلتُها كانت تريش ولا تبرى/ ضفادع فى ظلماء ليل تجاوبت، فدلّ عليها صوتها حية البحر).. وفى الوقت نفسه طالعتُ هجومًا سلفيًا وإخوانيًا بوسائل التواصل على فضيلة الشيخ سيد حسين عبد البارى، مدير القطاع الدينى بوزارة الأوقاف، وكل جريرة هذا العالم الجليل أنه قد دعا فى خطبة العيد بمسجد الفتاح العليم قائلًا: «اللهم بحق فاطمة وأبيها، وبعلها وبنيها، وبحق السر الكامن فيها، اللهم لا تجعل لمصر حاجة عند لئيم من خلقك»؛ ومن يُتابع الخطب المنبرية لمدير القطاع الدينى بالأوقاف يُدرك أن هذا الدعاء المُبارك لازمة من لوازمه، وهبة رزقه الله إياها؛ ولا يُمكن أن نستمع إلى المتشنجين والمتشددين ومدّعى حراسة العقيدة، والمهووسين بتخويفنا من التشيع؛ فكل هؤلاء الذين يصخبون على الأزهر ورجاله ويلتمسون عثراته ليهيجوا الناس عليه لا يعرفون قوة وصلابة هذا الشعب ولا حقيقة وسطيته التى تجرى فى دمائه مثل ماء النيل؛ وفى الوقت الذى كانت مصر تديرها حكومة شيعية لم تتشيع وفرضت سلطتها هى وقانونها هى على الوافدين، بل حوّلت الرمز الذى تم بناؤه لخدمة مذهب الحاكمين إلى منارة عالمية لخدمة وسطية أهل السنة والجماعة، وهو الأزهر الشريف الذى يقود العالم الإسلامى إلى الكمال النورانى الأبهى.
كل النواعب إلى زوال، والوسطية المصرية باقية «بالسر الكامن فيها» تؤدى دورها الخالد فى خدمة الإسلام وبث الأمل فى نفوس المسلمين، وخلق الله أجمعين.

بهارات التبديع!

الإثنين:

من القواعد الراسخة التى أصبحت عنوانًا على مصر: الدولة والمواطن، أنها تلفظ كل تشدد يُحاول الالتصاق بها وإيهامنا أنه جزء من وجودها الداخلى وشكلها الخارجى؛ وذلك لأن هذا الشعب قد أدرك بفطرته السوية وتجاربه التاريخية أن الحضارات لا تقوم على الشكلانية الفارغة من المضمون القوى، أو الأوهام الممزوجة بخلطة دينية تلتحف الشعارات الكاذبة حول الخوف على الإسلام، وادعاء الأخذ بالسنة المتواترة، مع بهارات التفسيق والتبديع التى أرهقتنا طويلًا وشغلتنا فى سفاسف ونقاشات غير ذات جدوى؛ فقد أدرك الجميع أن هذه الأصوات آبقة من حبال المحبة الوطنية الصافية التى تشكلت منها طينة هذه الأرض الطيبة؛ وأن الشخصية المصرية قادرة على نفى خبث هذه الزوائد عن جسدها الطاهر.
هذه الشناعات التى يحملها إلينا الفضاء الأزرق كل حين، والتى يُديرها الجاهلون بمواطن أقدامهم وقيمة وطنهم، فى هذه الأوقات شديدة الصعوبة، تمثل خطرًا آنيًا ومستقبليًّا، وأنه لا فرصة للمضى قُدمًا فى بناء الجمهورية الجديدة مع وجود هذه الأصوات النشاز؛ ويحدث ذلك فى الوقت الذى يُصبح فيه التكاتف الوطنى فرض عين على كل مصرى؛ كما أنه من واجب المثقفين والإعلاميين مجابهة هذه الادعاءات بمزيد من بث الوعى المجتمعى بما تقوم به الدولة المصرية من إنجازات فى مجال تصحيح المفاهيم المغلوطة، وإنقاذ نصاعة ديننا الحنيف من موبقات ذوى الأوهام والأغراض.

ومن المآسى الحقيقية أن تناقش شابًّا من أسرة مرموقة قد تخرج فى الجامعة، ثم تُفاجأ أنه مغسول العقل مسلوب الهوية، وأن كل ثقافته السياسية وخبراته الحياتية قد شكلتها المواقع والقنوات الإخوانية التى تبثّ من الخارج؛ فهو يُحاور ويُناور ويُجادل دون رغبة فى الوصول إلى اليقين؛ وقتها فقط أدركت مأساة سقراط مع السوفسطائيين، وفهمت معنى قول الإمام عليّ بن أبى طالب، كرم الله وجهه: «لو جادلنى ألف عالم لغلبتهم، ولو جادلنى جاهل لغلبنى»؛ إذ بعد ساعات من مُحاولات إجلاء صدأ ذهنه، وإفهامه بالمنطق القويم، وإعادته إلى الطريق الوطنى المستقيم، فإنه لا يلبث حتى ينكث على عقبيه، وكأنه ببغاء عقله فى أذنيه، ومهما قدمت إليه من أدلة وبراهين موثقة بالفيديو، وبشهادات هؤلاء الخونة أنفسهم، فهو لا يُصدّق إلا ما تبثه قنوات الفتنة الإخوانية.. وهنا يبرز تساؤل: إذا كانت القيادتان المصرية والتركية قد أخذتا خطوات كبيرة مؤخرًا نحو التقارب السياسى، فلماذا تظل قنوات الفتنة تبث سمومها وأباطيلها حتى الآن، وبما يُمثل تشويشًا ذهنيًّا، وتشويهًا معرفيًّا، وتضليلًا لوعى الشباب المصرى، فى هذه اللحظات الفارقة من تاريخ المنطقة؟.

الورطة الثقافية!

الثلاثاء:

فى كتابه المهم «فى فلسفة النقد» جاءت آخر تجليات المفكر الكبير د. زكى نجيب محمود فى مقال بعنوان: «وكان عصر طه حسين»، وقد أشار فيه إلى القبضة المطلقة لعميد الأدب العربى على الساحة الأدبية والثقافية، حتى إنه صار ضمير مصر الأدبى طيلة خمسين عامًا؛ وإذا كان علينا أن نبتئس الآن لغياب مثل هذا الضمير الثقافى الملهم، وبما يضعنا فى ورطات ثقافية متتابعة؛ فإننى متفائل بمستقبل الثقافة المصرية، ليس فقط لأن التاريخ يُثبت أنها قادرة على معالجة أخطائها ونبذ زيفها والتفاعل مع معطيات الواقع؛ ولكن لأن لدينا بالفعل مؤشرات قوية تؤكد ذلك، ومنها هذا الإقبال الكبير على معرض الكتاب الأخير، رغم ارتفاع تكاليف الأوراق والأحبار، ومنها هذا العدد الكبير من المقالات التحليلية والكتب الإبداعية التى تسعى لمعالجة المشكلات الثقافية والبحث عن حلول جذرية لمشكلاتها المزمنة؛ ومنها الكتاب الرائع للدكتور محمد حسين أبو العلا، الذى جاء تحت عنوان لافت: «الورطة الثقافية: خرائط من ذاكرة الجنون»، الصادر عن مركز الحضارة العربية للتنمية الثقافية، وينطلق الكتاب، كما يقول الكاتب، «من وحى لحظة الانشطار الفكرى تجاه التحديات الكونية المعاصرة، مشيرًا إلى أهمية الحقيقة التاريخية الكاشفة عن غياب الاتساق المعرفى وتهتك أوصال الهندسة الثقافية، وإحالتها من كونها تُعد فضيلة عقلية وإطارًا مرجعيًّا إلى ملحمة بائدة يصعب احتواؤها فى دوائر الصراعات والحروب الثقافية المُستعرة الدافعة بالضرورة نحو إبادة الوعى بالذات».

تبرز النقطة الأهم فى كتابات د. محمد حسين أبو العلا، أنه يُعالج الآفات الإخوانية الضارة بكثير من الحكمة المرتكزة على العمق والتحليل الدقيق الذى يكشف ورقة التوت الوحيدة عن هذه الأوشاب الضارة بالمستقبل الوطنى؛ وكذلك ثقته الكبيرة بقدرة الثقافة المصرية على مواجهة الأفكار الدخيلة على الأصالة الوطنية .