مراد اصلانوف مدير «روساتوم مصر» فى حوار لـ «الأخبار»:

مصر «بوابة» روسيا نحو إفريقيا وأكثر الأسواق جذبا للاستثمار في المنطقة

مراد أصلانوف مدير «روساتوم مصر» مع محرر «الأخبار»
مراد أصلانوف مدير «روساتوم مصر» مع محرر «الأخبار»


ندير 41 مفاعلًا فى 11 دولة بمراحل متفاوتة من التنفيذ.. و«الضبعة» الأكبر فى العالم

تدريب ١٧٠٠ «مصرى» فى موسكو وإنشاء مركز لتأهيل عشرات الآلاف من العاملين

تحول نوعى فى إنتاج البطاريات الكهربائية والليثيوم
استثماراتنا 200 مليار  دولار وتضم  أكثر من 500 شركة وهدفنا توطين الصناعات النووية فى بلدكم

 

على ساحل البحر المتوسط، لم يكن «الضبعة» مجرد مشروع لإنتاج الكهرباء، بل حلم قومى أصبح واقعاً حقيقيا وبداية فعلية لتعاون استراتيجى عميق بين مصر وروسيا، وانتقل بالعلاقات إلى شراكة قائمة على نقل التكنولوجيا وبناء القدرات وتوطين الصناعة.. فمن الضبعة انطلقت التحولات الكبرى فى خريطة الطاقة النظيفة عالمياً..  

«الأخبار»  التقت مراد أصلانوف، مدير مكتب شركة «روساتوم» اكبر شركة حكومية روسية تعمل فى مصر  ..

والشركة المنفدة لمشروع الضبعة النووى .. وأجرت معه حوارا كشف فيه بالأرقام حجم الدور الذى تلعبه الشركة الروسية العملاقة فى مصر، ليس فقط عبر مشروع الضبعة النووي، اكبر موقع بناء نووى على مستوى العالم اليوم، بل من خلال نقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعة، وبناء الكوادر، وتحويل مصر إلى بوابة رئيسية لروسيا نحو إفريقيا ومركز اقليمى للتصنيع المتقدم والطاقة النظيفة..

اقرأ أيضًا| عصمت يجتمع بالنائب الأول لمدير المؤسسة الحكومية الروسية للطاقة الذرية "روسآتوم"

و تقديم رؤية واضحة حول مستقبل هذه الشراكة، والفرص التحويلية التى تحملها لمصر والمنطقة وما بعدها ....

تفاصيل اكثر فى الحوار

عرف المصريون شركة روساتوم باعتبارها الشركة المسئولة عن بناء محطة الضبعة للطاقة النووية.. لكن اليوم نرى أن الشركة لديها عدد كبير من الحلول والمنتجات التى تمتد لتشمل عدة مجالات حدثنا عن ذلك وما الذى يمكن أن تقدّمه لمصر خارج إطار مشروع الضبعة؟

على مدار السنوات الماضية، ارتبط اسم روساتوم لدى الجمهور المصري، بل وحتى لدى كثير من المتخصصين، بالمشروع النووى العملاق فى الضبعة، وهو بالفعل الشراكة الأكبر والأكثر استراتيجية بين مصر وروسيا اليوم. ولكن الحقيقة أن روساتوم أصبحت اليوم تكتلًا صناعيًا عالميًا يضم أكثر من 550 مؤسسة تعمل فى مجالات تمتد من الطاقة منخفضة الكربون إلى التقنيات المتقدمة والصناعات والحلول والمنتجات فائقة الدقة.
تتصدر روساتوم اليوم المشهد العالمى ليس فقط لأن محفظة الشركة تضم 41 مفاعلا فى 11 دولة أجنبية ، ولكن لأنها الشركة الوحيدة فى العالم التى تمتلك دورة الوقود النووى بالكامل من التعدين وحتى إدارة نهاية العمر التشغيلى للمحطات.

اقرأ أيضًا| محطة الضبعة النووية.. مصر تدخل عصر الطاقة النظيفة بقوة| حوار

كما أنها تعمل فى الهندسة الميكانيكية، بناء الآلات، توليد طاقة الرياح، المواد المركبة، حلول التصنيع الإضافى (طابعات المعدن ثلاثية الأبعاد) تقنيات تخزين الطاقة، الطب النووي، البرمجيات والرقمنة، والخدمات اللوجستية بما فى ذلك تطوير طريق بحر الشمال.

وهنا فى مصر، ومع افتتاح مكتبنا فى القاهرة، بدأت هذه الأنشطة تتقاطع مع رؤية مصر للتنمية الصناعية ورغبتها فى قيادة التحول التكنولوجى فى مجالات أخرى غير الطاقة النووية، مثل التصنيع المحلي، توطين التكنولوجيا، دعم الابتكار، والتوسع فى مجالات جديدة مثل التصنيع الإضافي، تخزين الطاقة، والطب النووي.

روساتوم شركة حكومية روسية عملاقة يتجاوز حجم محفظة مشاريعها 200 مليار دولار وتضم أكثر من 500 شركة. هل ترى أن السوق المصرى جاذب للاستثمارات الروسية؟

تُعد مصر واحدة من أكثر الأسواق جذباً للاستثمارات الروسية فى المنطقة بفضل موقعها الاستراتيجى واستقرارها السياسى ورؤيتها الواضحة للتحول إلى مركز إقليمى للطاقة والتكنولوجيا. لقد تطور التعاون الروسى المصرى من مشروعات تقليدية إلى شراكة استراتيجية طويلة الأمد تشمل الطاقة النووية والصناعة والتكنولوجيا والابتكار. وترى روساتوم، بما تمتلكه من تجربة تمتد لعقود واستثمارات ضخمة، فى السوق المصرى فرصة حقيقية لنقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا وبناء قدرات تنافسية إقليمياً وعالمياً. وتُعد البيئة التنظيمية والتشريعية المصرية عاملاً داعماً يجذب الاستثمارات ويُعزز الشراكات المستدامة.

اقرأ أيضًا| رئيس لجنة الطاقة بالنواب: الضبعة النووية خطوة استراتيجية رائدة لمصر

ما هى خطة الشركة للعمل فى مصر وأهم المجالات التى تعمل فيها حالياً؟

ترتكز خطة روساتوم فى مصر على رؤية استراتيجية طويلة المدى تتماشى مع رؤية مصر 2030، وتركز على الطاقة المستدامة، وتحديث الصناعة، والنمو القائم على المعرفة. وتقوم الخطة على ثلاثة محاور رئيسية: تنفيذ مشروع محطة الضبعة النووية باعتباره مشروعاً قومياً استراتيجياً، وتوطين الصناعات النووية والتقنيات المتقدمة لتعزيز القدرات الصناعية، والتوسع فى التقنيات غير النووية مثل التصنيع الإضافي، وتخزين الطاقة، والطب النووى لخلق قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة.

ويمثل مشروع محطة الضبعة النووية جوهر نشاط روساتوم فى مصر، حيث تُسهم المحطة التى تضم أربعة مفاعلات VVER-1200 من الجيل الثالث المطوّر فى توفير كهرباء مستقرة منخفضة الكربون للملايين. وتتحمل روساتوم مسئولية التصميم والبناء والتشغيل وتوريد الوقود النووى والتدريب والدعم الفنى طويل المدى. كما يشكل التوطين وتنمية الكوادر ركناً أساسياً، حيث تم تدريب أكثر من 1٫700 مهندس وفنى مصرى فى روسيا، إلى جانب إنشاء مركز التدريب والإنتاج الذى سيسهم فى تأهيل عشرات الآلاف من العاملين.

كما تُدخل روساتوم تقنيات متقدمة فى مجالات التصنيع الإضافى، وتخزين الطاقة، والطب النووى بما يدعم تنويع الاقتصاد المصرى وزيادة القيمة المحلية. وتستثمر الشركة فى التعليم والتوعية العامة ورفع الوعى العلمى لدى الشباب من خلال مبادرات مثل «كاسحة الجليد للمعرفة» و»الذرة لتمكين إفريقيا» والمعسكرات العلمية الصيفية.

هل تمثل مصر بوابة استراتيجية لروساتوم نحو إفريقيا؟

نعم، وبكل تأكيد. تمثل مصر بوابة طبيعية واستراتيجية لروساتوم نحو إفريقيا بفضل موقعها الجغرافى ودورها السياسى وقدراتها الصناعية المتنامية. ومن خلال مشروع الضبعة، لا تبنى روساتوم أول محطة نووية فى مصر فحسب، بل تُنشئ مركزاً إقليمياً للتميز فى القدرات النووية والمعايير الصناعية والابتكار. ومع تطور سلاسل التوريد المحلية وتأهيل الشركات المصرية، ستتمكن مصر من دعم مشاريع مستقبلية فى إفريقيا. كما تشكل مجالات التعاون الأخرى مثل الطب النووي، والتصنيع الإضافي، وتخزين الطاقة نماذج قابلة للتطبيق فى أسواق إفريقية متعددة. وهكذا، تصبح مصر شريكاً فى نشر المعرفة والتكنولوجيا، لا مجرد مستفيد منها، وتُرسّخ دورها كبوابة لروسيا نحو القارة الإفريقية فى مشاريع الطاقة النظيفة والنمو الصناعي

كيف يمكن لخبرة روساتوم فى الطباعة ثلاثية الأبعاد أن تسهم فى التحول الصناعى فى مصر ضمن رؤية 2030؟

إن ريادة روساتوم فى مجال التصنيع الإضافى تقوم على منظومة متكاملة تشمل تطوير المواد، وبرمجيات التصميم، والطابعات المتقدمة، والتطبيقات الصناعية. هذا النهج المتكامل يوفر لمصر نموذجاً جاهزاً لتسريع عملية التحول الصناعى وتحقيق مستهدفات رؤية مصر 2030. ومن خلال التعاون الاستراتيجي، تستطيع مصر الاستفادة من أنظمة أثبتت فعاليتها فى روسيا، مثل النمذجة السريعة، وإنتاج الأجزاء المعقدة محلياً، وتقليل الاعتماد على المكونات المستوردة. ويسهم ذلك فى تعزيز القدرة الصناعية الذاتية، وتحديث خطوط الإنتاج، وإعداد الكوادر المصرية لمتطلبات الثورة الصناعية الرابعة.

ما الفوائد العملية التى يمكن أن توفرها الطباعة ثلاثية الأبعاد لقطاعات الطاقة والنقل والرعاية الصحية فى مصر؟

يُعد التصنيع الإضافى حلاً عملياً ومرناً للتحديات الصناعية الحديثة. ففى قطاع الطاقة والصناعات الثقيلة، يتيح إنتاج قطع الغيار المعقدة عند الطلب، مما يقلل فترات التوقف ويضمن استمرارية التشغيل.

وفى قطاع النقل والصناعات التحويلية، يقلل من زمن الإنتاج ويحسن دورات الصيانة، مما يزيد من الكفاءة ويخفض التكلفة. أما فى الرعاية الصحية، فيتيح تصنيع الأطراف الصناعية المخصصة، والأدوات الجراحية، والغرسات الطبية، بما يرفع جودة الرعاية الصحية ويدعم جهود مصر نحو الابتكار الطبى المحلي. وتعكس هذه التطبيقات توجه مصر نحو تعزيز القدرة التنافسية للصناعة المحلية، ودعم الاستقلال التكنولوجي، وبناء منظومة نمو قائمة على الابتكار.

لقد دخلت مصر مرحلة جديدة من التحديث الصناعى ضمن رؤية 2030، مع تركيز واسع على التحول الرقمي، وتوطين الصناعة، والسيادة التكنولوجية.

وتستطيع منظومة روساتوم فى التصنيع الإضافى أن تساهم مباشرة فى تحقيق هذه الأهداف. ومن خلال إدخال طابعات كبيرة وعالية الدقة مثلRusMelt 600M وRusMelt 300M، يمكن للصناعات المصرية بدءاً من الهندسة الميكانيكية والنقل وصولاً إلى الطيران والرعاية الصحية إنتاج مكونات معقدة محلياً بدقة أعلى وكلفة أقل.

كما تسمح تقنيات DMD وEBAM بتقليل زمن الإنتاج وإجراء الإصلاحات السريعة للأجزاء الصناعية، بما يعزز استمرارية العمل فى المناطق الصناعية المتنامية فى مصر. واعتماد مثل هذه التقنيات سيُمكّن مصر من خفض الاعتماد على الواردات، وتطوير الخبرات المحلية، والتحول إلى مركز إقليمى للتصنيع المتقدم.

كيف يدعم التصنيع الإضافى انتقال مصر نحو اقتصاد أخضر ومستدام؟

تجسد الطباعة ثلاثية الأبعاد مبادئ الاستدامة والاقتصاد الدائري، إذ تستخدم الكمية اللازمة فقط من المواد، مما يقلل الهدر واستهلاك الطاقة، فضلاً عن إمكانية إعادة تدوير المساحيق والغازات المستخدمة فى الإنتاج. وبالنسبة لدولة مثل مصر، التى تضع النمو الأخضر والتحول الطاقى فى مقدمة أولوياتها، تمثل هذه التكنولوجيا مساراً عملياً لتحقيق إنتاج صناعى أكثر كفاءة ونظافة. لا يقتصر الأمر على تقليل الأثر البيئي، بل يمتد إلى إطالة عمر المعدات من خلال القدرة على إصلاحها واستبدال أجزائها بسرعة. وهكذا يجتمع الابتكار والكفاءة والمسئولية البيئية بما يتسق تماماً مع أهداف مصر للتنمية المستدامة على المدى الطويل.

كيف تُوظّف روساتوم نشاط تخزين الطاقة ضمن محفظتها التكنولوجية الأوسع؟

يعكس نهج روساتوم فى مجال تخزين الطاقة السمات نفسها التى أكسبتها الثقة العالمية فى المجال النووى وهى التميز العلمي، التفكير بمنهجية، والالتزام بالأمان والموثوقية والأداء طويل المدى. وفى هذا الإطار، توسعت روساتوم عن قصد خارج نطاقها التقليدى عبر إنشاء وحدة أعمال متخصصة تركز على البطاريات الليثيوم وأنظمة التخزين المعيارية.

ويتيح هذا النهج تقديم حلول تقنية شاملة من استخراج المواد الخام وإنتاج الخلايا حتى تصنيع الأنظمة النهائية وتشغيلها. ومن خلال دمج أنظمة التخزين ضمن منظومتها للطاقة النظيفة، تتحول روساتوم من مجرد مورّد لمحطات الطاقة النووية إلى مزوّد كامل للتقنيات المتقدمة.

ما أبرز تطبيقات أنظمة تخزين الطاقة لدى روساتوم وكيف تضيف قيمة؟

تمر مصر اليوم بمرحلة تحول نوعي، فمشروعات الطاقة الشمسية تتوسع، والرياح تنتشر على السواحل، والنقل الكهربائى ينتقل من الرؤية إلى التنفيذ.

وفى ظل هذه التطورات، يتطلب تحقيق أمن الطاقة واستقرار الشبكات أكثر من مجرد قدرات توليد، بل أنظمة تخزين ذكية وفعّالة وقابلة للتوسع.

وتوفر البطاريات الليثيوم هذا الحل عبر تطبيقات متعددة تشمل بطاريات المركبات الكهربائية، أنظمة التخزين المتصلة بالشبكات لدعم الطاقة المتجددة، مصادر الطاقة الاحتياطية للبنى التحتية الحيوية، وأنظمة التخزين الصناعية واللوجستية.

وتوفر هذه الأنظمة قيمة مضافة واسعة: نشر سريع للحلول، تقليل الاعتماد على الواردات، دعم استقرار الشبكة مع ارتفاع نسبه المتجددة، وتقصير المدد اللازمة للمشروعات الصناعية. وفى مصر، يسهم ذلك فى تسريع خفض الانبعاثات، ودعم منظومة النقل الكهربائي، وتعزيز مرونة منظومة الطاقة.

كيف تضمن روساتوم توطين إنتاج حلول تخزين الطاقة وقابليتها للتوسع، وما تأثير ذلك على دول الشراكة مثل مصر؟

تُحقق روساتوم التوطين من خلال بناء قدرات تصنيع (مثل «الجيجافاكتوري») ودمج المواد الخام فى سلسلة القيمة. وقد قامت الشركة مؤخرا باطلاق أول مصنع ضخم لإنتاج أنظمة تخزين الطاقة ببطاريات الليثيوم فى مقاطعة نييمان بمنطقة كالينينغراد. تبلغ القدرة الإنتاجية للموقع الصناعى أربعة جيجاواط ساعة سنوياً، وهى القدرة الإجمالية للأجهزة المنتجة.

وتُعد هذه المنشأة الصناعية هى الوحيدة فى البلاد التى توفر إنتاجاً صناعياً واسع النطاق لبطاريات الليثيوم بكامل دورة الإنتاج، بدءاً من الكيمياء الأساسية للخلايا وصولاً إلى تصنيع الوحدات والبطاريات الجاهزة للاستخدام.

وتشير هذه المشروعات إلى استراتيجية واضحة تهدف إلى جعل روساتوم منافساً عالمياً فى مجال تخزين الطاقة، كما هو الحال فى مجال الطاقة النووية.

يمثل إطلاق مصنع كالينينغراد نقلة صناعية نوعية لروسيا، ومساهمة كبيرة فى ترسيخ سيادتنا التكنولوجية الوطنية.. وتُعد أنظمة تخزين الطاقة تقنية محورية ضمن مجموعة أعمال روساتوم غير النووية، فهى تتيح إنشاء سلاسل إنتاج مكتملة ومنظومات متكاملة للمنتجات.

أما بالنسبة لدول الشراكة مثل مصر، فإن هذا التوجه يمنحها فرصة لبناء قدرات صناعية إقليمية، والحصول على فرص لنقل التكنولوجيا، وتحقيق قيمة مضافة محلياً بدلاً من الاعتماد على الاستيراد.

ويمكن أن تسهم هذه التقنيات فى دعم شبكة الكهرباء المصرية مع ارتفاع نسبة انتشار الطاقة المتجددة، وتوفير الطاقة الاحتياطية للمناطق النائية، وتمكين حلول الطاقة اللامركزية. كما يسمح تطوير القدرات المحلية لمصر بتعزيز سيادتها على البنية التحتية الحيوية للطاقة وتحقيق تقدم ملموس ضمن رؤية 2030.

القاهرة شريك أساسى فى التكنولوجيا بمشاريع الطاقة النظيفة داخل القارة السمراء