أصبحت وسائل التواصل الاجتماعى جزءاً لا يتجزأ من حياة الأطفال، يقضون أمام شاشاتها ساعات طويلة يومياً دون إدراك لما قد تتركه من آثار على شخصياتهم وسلوكياتهم..
وبين التحذيرات المتزايدة من مخاطر الاستخدام المفرط، تفتح «الأخبار» هذا الملف للإجابة عن عدد من التساؤلات حول تأثير السوشيال ميديا على الأطفال، مستندة إلى شهادات عدد من الأمهات، وآراء خبراء وباحثين، للوقوف على حجم المشكلة، ورصد أبرز المخاطر، وطرح حلول عملية تسهم فى حماية الأطفال من آثار العالم الرقمى.
أساتذة نفس واجتماع: التصفح السريع.. طريق يقود الصغار إلى «تعفن الدماغ»
خبراء اتصالات: مبادرات «اطمن» تحقق الرقابة الرقمية
فى البداية تقول شيماء التهامى - أم لخمسة أطفال - إن ابنتها الكبرى بالصف الثالث الإعدادى امتلكت هاتفها الخاص وهى فى الثامنة من عمرها، وكانت تقضى خلال فترة الإجازة ما بين 4 - 5 ساعات يومياً على الهاتف وبين صفحات السوشيال ميديا، وبعد مرور وقت انعكس ذلك بوضوح على سلوكها وطريقة حديثها ونبرة صوتها، خاصة عند مطالبتها بترك الهاتف،
مؤكدة أنها أصبحت تقلد التريندات والفيديوهات المنتشرة على مواقع التواصل، بل وتدعو أشقاءها للمشاركة فى تحديات تقلدها مما تشاهده، وهو ما يدفعها للتدخل سريعاً خوفاً من تعرضهم للأذى.
وفى السياق نفسه، تقول لمياء محمد، إن ابنها «13 عاماً » بدأ فى استخدام الموبايل منذ 3 سنوات، وأصبح يقضى عليه ما يقرب من 8 ساعات يومياً طوال الإجازة،
بينما تنخفض المدة إلى ساعتين فى أيام الدراسة، ولكن الأمر لم يتوقف عند ذلك ولكنها لاحظت عليه أيضاً تغيراً واضحاً فى طريقة حديثه وترديده ألفاظًا لم تكن معتادة داخل الأسرة، كما سبق أن قلد بعض الفيديوهات والتريندات التى شاهدها عبر الإنترنت،
مشيرة إلى أنها تحرص على متابعة حساباته على منصات التواصل كنوع من الرقابة خوفاً عليه أن يكتسب سلوكيات غير لائقة، أو أن يقع ضحية لعمليات نصب أو ابتزاز إلكترونى.
تأثيرات سلبية
وفى هذا الصدد، تؤكد الدكتورة الشيماء على، أستاذ العلوم السياسية ورئيس قسم بحوث الاتصال الجماهيرى والثقافة بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، والمشرف التنفيذى على المرصد الاجتماعى، أن التأثيرات السلبية للاستخدام المفرط لمواقع التواصل الاجتماعى على الأطفال متعددة، فهو قد يتعرض إلى العديد من المخاطر الإلكترونية،
من بينها اختراق حساباته الشخصية، أو تواصل أشخاص غرباء معه عبر الرسائل الخاصة، ومحاولة الحصول على صوره الشخصية أو صور أفراد أسرته، أو إرسال صور ومقاطع فيديو غير لائقة له، وقد يصل الأمر إلى التحرش الإلكترونى أو محاولة استدراجه، فضلاً عن أن بعض هذه الممارسات قد لا يرقى إلى مستوى الجريمة الإلكترونية، بينما قد يمثل بعضها الآخر جرائم مكتملة الأركان تستوجب التعامل القانونى معها.
هذا فضلاً عن الآثار النفسية التى تصيب الطفل، فهو ينفصل تدريجياً عن الواقع وانغماسه فى عالم افتراضى يبتعد فيه عن حياته الطبيعية، كما قد يتسبب فى تشتت الانتباه، وزيادة العصبية، وظهور ما يُعرف حديثا بمصطلح «تعفن الدماغ»، نتيجة التعرض المستمر لكم هائل من المحتوى المتنوع والسريع، ولهذه المنصات أيضاً آثار اجتماعية، إذ تؤثر على العلاقات الطبيعية للطفل مع أسرته وأصدقائه، وتدفعه إلى الانسحاب والعزلة، وهو ما ينعكس سلبا على مهاراته الاجتماعية وقدرته على بناء علاقات واقعية.
وتوضح د. الشيماء أن التأثيرات لا تتوقف عند الجوانب النفسية والاجتماعية، بل تمتد إلى الصحة الجسدية، حيث رصد كثير من أولياء الأمور شكاوى متكررة لدى أطفالهم، مثل الصداع، وزغللة العين، وضعف النظر، وآلام الرقبة والظهر والفقرات، والشعور المستمر بالإرهاق والتعب نتيجة الجلوس لفترات طويلة فى وضعية ثابتة، فضلا عن العزوف عن ممارسة الرياضة أو أى نشاط بدنى مما تسبب بشكل رئيسى فى زيادة الوزن وهو ما يؤثر فى صحته على المدى الطويل.
خطر الألعاب الإلكترونية
فيما تشدد على أن السلوك العدوانى الذى أصبح ملحوظاً لدى الأطفال بسبب الألعاب الإلكترونية التى تعتمد على العنف والقتال واستخدام الأسلحة أو تتضمن مشاهد دموية قد يكون لها تأثير مباشر على سلوك الطفل، خاصة أنه فى هذه المرحلة العمرية يميل بطبيعته إلى المحاكاة والتقليد ولا يمتلك القدرة الكافية على التمييز بين الواقع والخيال.
وتضيف أن السوشيال ميديا تشبه فى تأثيرها وسائل الإعلام التقليدية، التى كان لها دور فى التثقيف والتعليم إلى جانب الترفيه، لكن الفارق أن مواقع التواصل تعتمد بدرجة كبيرة على طبيعة استخدام الفرد لها، فكلما اتجه المستخدم إلى المحتوى المفيد زادت إيجابياتها، وكلما انجذب إلى المحتوى غير المنضبط زادت آثارها السلبية، خاصة أن هذه المواقع لا تخضع للرقابة وهو ما يزيد من احتمالات تعرض الأطفال لمحتوى غير مناسب.
وإذا غابت الرقابة الأسرية، فمن المتوقع أن تتضاعف الآثار السلبية، سواء من خلال تقليد التريندات الخطيرة أو الألعاب التى سبق أن تسببت فى إصابات بالغة لبعض الأطفال، أو من خلال ترديد الألفاظ غير اللائقة التى تنتشر عبر المنصات، وقد أوضحت نتائج الدراسات التى أجراها المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، وجود ما يشبه «عدوى الاستخدام»،
حيث تبين أن الأطفال الذين يقضون ساعات طويلة على مواقع التواصل ينتمون غالبا إلى أسر يقضى فيها الأب أو الأم أيضا ساعات طويلة على هذه المنصات، لافتة إلى أن الاستخدام الكثيف يبدأ من أربع ساعات يوميا فأكثر، لذا فهى تشدد على أن الأسرة مطالبة ببذل جهد أكبر فى احتواء الطفل، وإشراكه فى الأنشطة اليومية، ومنحه قدراً كافياً من الاهتمام والحوار.
وتشير إلى أنه من أبرز العلامات التى تشير إلى إدمان الطفل للألعاب الإلكترونية قضاء ساعات طويلة ومتواصلة أمامها، بحيث تصبح هى النشاط الأساسى فى يومه، ولكن يجب الحظر من المنع الكامل للطفل من استخدام السوشيال ميديا، لأنه قد يؤدى إلى نتائج عكسية، وحينها يلجأ الطفل إلى استخدام هذه المنصات خارج المنزل أو بعيداً عن رقابة أسرته، وقد يدفعه ذلك إلى الكذب أو التحايل للوصول إليها،
بما يزيد من احتمالات تعرضه للمخاطر، خاصة وأن بعض الألعاب أو التطبيقات قد تكون محظورة داخل الدولة، إلا أن كثيراً من الأطفال أصبحوا يمتلكون القدرة على تجاوز هذا الحظر باستخدام برامج تغيير الموقع الجغرافى أو الـ VPN، وهو ما يؤكد أن الاعتماد على المنع وحده لم يعد كافياً، وأن الأهم هو بناء الوعى لدى الطفل، وتعزيز الرقابة الأسرية، وغرس القيم التى تجعله قادراً على اتخاذ القرار الصحيح حتى فى غياب الرقابة، وتنوه على أنه يفضل ألا يتجاوز الاستخدام ساعة واحدة يومياً، على أن يتم تقسيمها إلى فترات قصيرة خلال اليوم،
بدلاً من استخدامها بشكل متواصل، مع استثمار باقى الوقت فى أنشطة أخرى تساعد على تنمية مهارات الطفل، مع توفير بدائل حقيقية تشغل وقت فراغ الأطفال، فى مقدمتها ممارسة الرياضة، والقراءة فى مختلف المجالات، وحفظ القرآن الكريم، إلى جانب إشراك الطفل فى بعض المسئوليات والأعمال المنزلية المناسبة لعمره، بما يعزز لديه الشعور بالمسئولية والانتماء للأسرة، ويقلل من اعتماده على الهاتف كمصدر وحيد للترفيه.
وتختتم د. الشيماء على حديثها بالإشارة إلى نتائج الدراسات التى أجراها المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، والتى كشفت أن نحو 50% من الأطفال فى مصر يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي، موضحة أنه إذا ما تمت ترجمة هذه النسبة إلى أرقام، فإنها تعنى أن ما يقرب من 20 مليون طفل من إجمالى 40 مليون طفل فى مصر يستخدمون هذه المنصات.
وأظهرت الدراسات أن بداية استخدام مواقع التواصل الاجتماعى تتركز غالباً فى الفئة العمرية من 9 إلى 11 عاماً، إلا أن استطلاع آراء أولياء الأمور كشف عن وجود أطفال يبدأون التعامل مع الشاشات ومواقع التواصل منذ سن الثالثة، وهذا الأمر يثير القلق، لأن وجدان الطفل وشخصيته يبدآن فى التشكل منذ السنوات الأولى، حتى وإن لم يكن مدركاً بشكل كامل لما يشاهده.
تقليد أعمى
ومن جانبها، ترى الدكتورة سمر كشك، استشارى الصحة النفسية، أن الأطفال يتعلمون فى الأساس من خلال الملاحظة والتقليد، لذلك فإنهم ينظرون إلى صناع المحتوى والمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعى باعتبارهم قدوة، خاصة إذا كانوا يتمتعون بشهرة واسعة أو يحظون بإعجاب الأطفال والمراهقين، والطفل فى هذه المرحلة العمرية لا يملك القدرة الكاملة على التمييز بين السلوك الصحيح والخاطئ، لذلك قد يتبنى ما يشاهده باعتباره نموذجاً يستحق التقليد وهو ما قد ينعكس على تصرفاته اليومية وطريقة تعامله مع الآخرين.
كما أن التعرض المتكرر لمشاهد العنف قد يؤدى إلى تقليل حساسية الطفل تجاهها، فيصبح أقل تأثراً عند رؤية السلوك العدوانى أو ممارسته، وقد يقتنع مع مرور الوقت بأن العنف وسيلة طبيعية لحل المشكلات أو إنهاء الخلافات، خصوصا إذا كان يشاهد هذه المشاهد باستمرار دون وجود توجيه من الأسرة أو توضيح لآثارها السلبية،
فضلاً عن أن الاعتماد المستمر على الفيديوهات القصيرة وسرعة الانتقال بين المقاطع يجعل الطفل يعتاد على الحصول على الإثارة والمعلومة فى ثوان معدودة، وهو ما قد يؤثر فى قدرته على التركيز والانتباه عند ممارسة الأنشطة التى تحتاج إلى وقت أطول، مثل الدراسة أو القراءة أو أداء الواجبات المدرسية، كما أن كثرة المؤثرات البصرية والصوتية وسرعة تغير المحتوى قد تزيد من حالة الانفعال وسرعة الاستجابة لدى بعض الأطفال.
التنمر الإلكترونى وتلفت إلى أن وسائل التواصل الاجتماعى أصبحت بيئة خصبة لانتشار التنمر الإلكتروني، والذى قد يأخذ صوراً متعددة، مثل السخرية من الآخرين أو نشر الشائعات أو كتابة التعليقات المسيئة، موضحة أن التنمر الإلكترونى يختلف عن التنمر التقليدى فى أنه لا يقتصر على مكان أو وقت معين، بل قد يستمر خارج المدرسة ويصل إلى عدد كبير من الأشخاص فى وقت قصير،
مما يزيد من آثاره النفسية على الطفل، لذا تشدد د. سمر على أهمية تنمية الوعى الرقمى لدى الأطفال من خلال تعليمهم الاستخدام الآمن والمسئول للإنترنت، وتوضيح أن ليس كل ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعى مناسباً أو يستحق التقليد، مع ضرورة تحديد أوقات مناسبة لاستخدام الشاشات، إلى جانب متابعة الوالدين للمحتوى الذى يشاهده الطفل، وإجراء حوار مستمر معه حول ما يتابعه، وتعليمه احترام خصوصية الآخرين، وعدم مشاركة المعلومات الشخصية، أو الإساءة للآخرين عبر الإنترنت.
أداة الخوارزميات
وفى هذا الصدد، يتحدث الخبير التكنولوجى، أيمن عصمت، عن ذكاء المحتوى الذى يظهر بشكل متتابع للأطفال، منوهاً إلى أن الخوارزميات ليست هى التى تخلق دوافع أو سلوكيات لدى الأطفال، لكنها أداة تستخدمها منصات التواصل الاجتماعى لدراسة اهتمامات كل مستخدم وتفضيلاته، ثم تقديم المحتوى الذى يجذب انتباهه ويجعله يقضى أطول وقت ممكن على المنصة، وهو ما يحقق فى النهاية أهدافا تجارية تتمثل فى زيادة التفاعل والعائدات، وتعتمد آلية عمل الخوارزميات على تحليل كل ما يفعله المستخدم، بدءاً من الفيديوهات التى يشاهدها، والتعليقات التى يكتبها أو يقرأها، والإعجابات التى يضعها، والكلمات التى يبحث عنها، وحتى الحسابات التى يتابعها، وبعد ذلك تبدأ فى ترشيح المزيد من المحتوى المشابه، لذلك يلاحظ كثيرون أنهم بمجرد مشاهدة فيديو أو اثنين حول موضوع معين، تمتلئ صفحاتهم بمحتوى مشابه.
وللعلم يكون تأثير هذه الآلية أكبر على الأطفال مقارنة بالبالغين، لأن الطفل عندما ينجذب إلى نوع معين من المحتوى لا يمتلك القدرة الكافية على تنظيم وقته أو إيقاف نفسه، فهو لا يزال يفتقر إلى الإحساس بالمسئولية الذى يدفعه إلى التوقف بعد فترة معينة، لذلك يظل مستمتعا بالمشاهدة لفترات طويلة، وهو ما يجعل الخوارزميات تنجح فى إبقائه داخل المنصة لأطول وقت ممكن.
لذا يشدد عصمت على أن المسئولية يجب أن تكون مشتركة بين الأسرة وشركات التكنولوجيا والحكومات، موضحاً أن المنصات مطالبة بتطوير آليات أكثر فاعلية لمنع الخوارزميات من ترشح محتوى غير مناسب للأطفال، خاصة مع التطور الكبير فى تقنيات الذكاء الاصطناعى التى أصبحت قادرة على التحقق بصورة أفضل من الفئة العمرية للمستخدم ومدى ملاءمة المحتوى الذى يُعرض له،
مشيراً إلى أن الاكتفاء بطلب إدخال العمر عند إنشاء الحسابات لم يعد كافياً، لأن كثيراً من الأطفال يغيرون أعمارهم عند التسجيل للوصول إلى المنصات، وهو ما يجعل إجراءات التحقق الحالية غير فعالة، ويستدعى تطوير وسائل أكثر دقة لحماية الأطفال فى العالم الرقمى.
أطمن على الآخر
ويتفق الخبير التكنولوجى، محمد دسوقى، مع أن الخوارزميات تعتمد على تحليل سلوك مستخدمى الأجهزة الذكية بشكل دقيق للغاية، لذا فإن مواجهة هذه المخاطر تبدأ من استخدام وسائل الحماية الرقمية المتاحة، مثل تفعيل «وضع الأطفال»، واستخدام تطبيقات الرقابة الأبوية، وتحديد عدد ساعات استخدام الإنترنت، مع ضرورة متابعة أولياء الأمور للمحتوى الذى يشاهده الطفل، والتحدث معه باستمرار حول الاستخدام الآمن والمسئول للإنترنت، حتى يكون أكثر وعيًا بالمخاطر التى قد يتعرض لها..
ويلفت إلى أن الدولة اتخذت خطوات مهمة فى هذا الملف، من خلال إطلاق مبادرتى «أطمن على الآخر» للأطفال دون سن الثالثة عشرة و«أطمن» للفئات الأكبر سناً، بالتعاون مع شركات الاتصالات، بهدف توفير بيئة رقمية أكثر أماناً للأطفال والأسر، حيث تتيح شرائح هاتف وخدمات تتناسب مع الفئة العمرية للمستخدم، بما يساعد على توفير مستويات أعلى من الحماية والرقابة.
صداع وزغللة.. فاتورة الجلوس الطويل أمام الشاشات



الأخبار تغوص فى أعماق الـ Dark Web بورصة «البيانات البيولوجية » تهدد المجتمع المصرى
شخصيات مستترة تخدم مشروع الجماعة دون إعلان الانتماء
فقاعة رقمية






