أيُّ جهةٍ سنكتبُ اسمَها فى الهواء

اللوحتان للفنان: حامد عويس
اللوحتان للفنان: حامد عويس


دخيل الخليفة

سأرسمُ بلاداً بلا بيوتٍ، وبشَراً بلا رؤوس،
بلاداً مليئةً بالبراكين، والأجسادِ المتحلّلة
الشكُّ يقينٌ مبتورُ اليدين! 
وكلُّ حقيقةٍ عمياءَ بصيصٌ ينتهي آخرَ النفق!
للوقتِ قدَمان؟
كيف نرَى ما خلفَ الثغرةِ في هذا البابِ الموصد؟
كلُّ الأحلامِ الصغيرةِ أنقاضُ رماد
كيف تكونُ لها سيقانٌ مبتورةٌ هنا
وأيادٍ هناااك؟
الأحلامُ نائمةٌ على وجهِها
خشيةَ أن تنفذَ الشظايا إلى قلبِ الأرض!
يا سيّدي الدخان
تلبّسْني لنحومَ سويّاً في بلدانٍ طازجةٍ
أنا وأنتَ عشِقْنا الماءَ وخانَنا التراب
كنْ جسَدي
لأختبئَ عن وليمةِ العار
عن هزائمَ مليئةٍ بالوهمِ ولحظاتٍ سَرقتْها التوابيت.
على الزجاجِ تركتُ عيناً
رميتُ أخرَى تحتَ أقدام المارّة
لا أريدُ احتضانَ سماءٍ عمياء!
ثمةَ غُرابٌ يمشي على رؤوسِ الناس
وثمة أغرابٌ في المدنِ المنكوبة
ملامحُ ترقصُ في ساحةِ النار،
أصواتٌ تتعثرُ بجثثِ العشائرِ الضالّة.
هذه الغابةُ عتمةٌ، والشجَرُ رماح.
قطّاعُ طرقٍ بأنيابٍ حادّة، ذيولُ ضباعٍ زرعَها الأعداء.
لا تحدّثْني عن خيانةِ الأشجار، أيها الزمنُ اللولبيُّ
ينزفُ الفمُ ألمَ المعنَى، وفي الجثثِ ينبتُ التاريخ.
دمٌ يهربُ من قاتلٍ إلى أصابعِ القتيل
الأحرفُ قضبانٌ سود!
تاريخٌ من الدمِ، تضاريسُ من الخناجر،
قضاةٌ توارثوا الوصايا مذْ صارت الخريطةُ كعكةً ملوّثة.
أنا وأنتَ غريبانِ في فضاءِ الشوك
لا ثيابَنا صحراء، ولا أحلامنا حدائق.
في منطقةٍ رماديةٍ نبَتْنا
يدٌ لهذا، قدمٌ لذاك، ورأسٌ جاهزٌ للانفجار! 
وهذا البعيرُ ليستْ له وثيقةُ ميلاد!
أيُّ جهةٍ سنكتبُ اسمَها في الهواء
ونحنُ بلا أطرافٍ ولا أفواهٍ ولا أعين؟
سأرسمُ بلاداً بلا بيوتٍ، وبشَراً بلا رؤوس،
لا تحدثْني عن مرثيةٍ حُبلَى بغبارِ السبْي، عن زوّادةٍ من جفافِ المدائن، للغرائزِ شرَكٌ أنيق، وهذه المدنُ تعجنُ شموسَها خبزاً لحرّاس الهباء. 
الموتُ يرتدي بزَّته، والأرضُ والدةُ النار. 
اتركِ الأقفاصَ وافردْ جناحَيك
أنت بلا ملامح، اسلكْ جهةً خامسة!
خفافيشُ مدنِ الريبة، نتوءاتُ الليلِ الحادةُ، دوامةُ البحرِ، حانةُ الرعيةِ العمياءِ، العدمُ الفضفاضُ، نوستالجيا المجدِ المزيّف، توابيتُ نجومِ النهارِ، القبورُ الذهبيةُ لأبطالٍ وهميينَ تسيّدوا أفلامَ التاريخ.
هكذا كانت أنقاضُ الهزائمِ في الصباحاتِ المؤجّلة.
كان يمكنُ أن نحرقَ حطبَ الذاكرةِ
قبل أن يمنحَنا الآخرون وثائقَ ميلادٍ أكبرَ من أعمارِنا
حدوداً تغصُّ بالأكباش
بنادقَ محشوةً بالتبنِ وعيونِ الأبرياء.
يا لفجيعةِ الاحترابِ حين تكونُ الأحلامُ مجازيةً
والوعودُ فجراً مظلماً!
ثمّةَ متسعٌ للفضائح:
أن تبتسمَ رصاصةُ عدوّكَ وتُلقي عليكَ التحيةَ، دون درعٍ واقٍ
أن تنطلقَ زغاريدُ الوهمِ، ورأسُكَ تحت الأحذيةِ
أن يشمخَ تمثالٌ، وأنتَ في مقبرةٍ جماعيةٍ تحتضنُ ظلَّ قمرَينِ يانعَين!
أن تعيشَ في أعراسِ النارِ مجردَ قصةٍ منسيّة!
ابحثْ عن قدمَيك، يدَيك، رأسَك، قبلَ أن تقرأ الظلام
تفقّدْ تغريبتَكَ في المتاهةِ، كيف ينبتُ حبٌّ من حرْبٍ؟
كيف تتوالدُ حربٌ من حبّ؟ كيف يذوبُ أيتامُ الهامشِ؟
أيةُ غنيمةٍ لتابوتٍ يتركُ أقمارَهُ في بيتٍ مهدوم؟ 
لا يشيخُ الألمُ، لكنّهُ يتجدّدُ في الحناجرِ الجريحة!
يترنّحُ بينَ نارَين.
سأرسمُ بلاداً بلا بيوتٍ، وبشَراً بلا رؤوس!
أتأمّلُ الهواءَ اليابسَ، الأشباحَ الحزينة، الملابسَ الممزقةَ وهي تضعُ أكمامَها 
في جيوبِها، الجدرانَ المهترئةَ تتكئُ على النسيان..
صورةَ حرَسٍ يتضاحكون وكرسيّ أجوف!
هكذا تشرقُ الشمسُ يتيمةً على عزلةِ الفراغ!