يوميات الأخبار

طعم الأعياد!

هشام مبارك
هشام مبارك


حين يأتى صباح العيد، نفتح النوافذ كما كنا نفعل دائما نبتسم لمن حولنا، ونستدعى فى قلوبنا أولئك الذين رحلوا، ونهمس لهم فى صمت كل عيدٍ وأنتم فى الذاكرة أقرب مما نظن.

كطفل فرقوا بينه وبين أمه وأبيه للمرة الأولى فى حياته، هذا الشعور ينتابنى مرتين، الأولى سنويًا كلما انتهى شهر رمضان المعظم، والمرة الثانية عند مغادرتى المدينة المنورة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - كلما أذن لى الله سبحانه وتعالى بالزيارة. لا تفلح مشاعر قدوم العيد فى اقتلاع حزنى على رحيل رمضان. ولا فرحتى بالعودة للأهل والبيت تنجح فى مواساة قلبى المفطور على فراق مدينة الحبيب التى أدعو الله أن يرزقنا ميتًة فيها. نعم للأعياد طعمٌ لا يشبه أى طعم آخر فهى ليست مجرد أيامٍ فى التقويم، ولا عطلاتٍ عابرة تمر بين ضجيج الحياة.

الأعياد لحظاتٌ من الضوء الخالص، تُفتح فيها أبواب الذاكرة والقلب معًا، فنستعيد وجوه الأحبة كما لو أنهم ما زالوا يجلسون حول المائدة، يضحكون، ويملؤون البيت دفئًا. وعامًا بعد عام كلما غادرتنا طفولتنا البريئة نكتشف أن العيد فى جوهره ليس الكعك ولا الثياب الجديدة، ولا حتى الزيارات المتبادلة. نتأكد أن العيد هو الناس الذين نحبهم. هو تلك الوجوه التى تمنح للفرح معناه، وتسكب فى الروح طمأنينة خفية لا نشعر بها إلا عندما نجتمع حولها.

لكن عندما يغيب الأحباب نكتشف أن للأعياد وجهًا آخر، ذلك الوجه الذى لا نراه إلا حين تغيب تلك الوجوه التى كانت تصنع الفرح. هذا العام يأتى عيد الفطر متزامنًا مع عيد الأم، وكأن الزمن أراد أن يضع الفرح والحزن فى كفة واحدة. فكيف يكون طعم العيد عند من فقد أمه مهما مر على رحيلها من سنوات، كم صباح عيد مر عليّ يا أمى دون أن أسمع صوتك وأنتِ توقظين البيت بالدعاء، وأى عيد هذا ويدك لا تمتد لتلمس رؤوسنا بحنانٍ يختصر كل أعياد الدنيا، وأين يد أبى التى توقظنى ليصحبنى لصلاة العيد ومنها للمعايدة على عماتى وأخوالى قبل حتى العودة للبيت. لم أعرف إلا بعد رحيلك يا والدى أنك كنت أنت العيد بكل تفاصيله.

الكنوز الصغيرة

نعم، تتغير نكهة الأعياد مع مرور السنوات. ففى الطفولة يكون العيد فرحًا خالصًا، وفى الشباب يصبح مناسبة للقاء الأحبة، لكن عندما يتوالى الفقد يتحول العيد إلى مزيجٍ غريب من البهجة والحنين. نضحك لكن فى أعماق الضحكة غصة صغيرة. نهنئ بعضنا، لكننا نعلم أن مقاعد كثيرة حول المائدة أصبحت فارغة.

بالنسبة لي، يأتى هذا العيد مثقلًا بذكريات عامٍ كامل من الرحيل. فمنذ عيد الفطر الماضي، فقدتُ عددًا من الأقارب الأعزاء الذين كانوا جزءًا من تفاصيل حياتي. رحلوا واحدًا بعد الآخر، تاركين فى القلب فراغاتٍ لا يسدها شيء. وكان الألم مضاعفًا لأننى كنت فى مهمةٍ صحفية خارج البلاد عندما توالت أنباء الرحيل. لم أستطع أن أودعهم الوداع الأخير، ولم أشارك العائلة لحظات الفقد الثقيلة. أقسى ما فى الغربة ليس البعد الجغرافي، بل ذلك الشعور بالعجز عندما يحتاجك أحباؤك فلا تستطيع الوصول إليهم. تشعر حينها أن المسافات ليست مجرد أميال، بل جدران صامتة تفصل القلب عمن يحب.

ولم يكن الوجع مقتصرًا على العائلة وحدها. فقد رحل أيضًا عدد من الأصدقاء وزملاء العمل الذين كنا نقضى سويًا فى الجريدة ساعاتٍ أطول مما نقضيه فى بيوتنا. كنا نتشارك القلق اليومى وضغط العمل، والضحكات التى تتفجر وسط زحام الأخبار. ففى غرف التحرير تتشكل صداقات من نوع خاص. هنا يصبح الزملاء عائلة ثانية، يجمعها الحبر والوقت الطويل والبحث الدائم عن الحقيقة، وعندما يغيب أحدهم فجأة، نشعر أن مكانه فى المكتب ما زال يحتفظ بظله. لذلك، حين يأتى العيد بعد عامٍ من هذه الرحلات المؤلمة، يصبح طعمه مختلفًا. ليس أقل جمالًا، لكنه أكثر عمقًا. يصبح العيد مناسبة للتأمل بقدر ما هو مناسبة للفرح.

العيد يجعلنا ندرك أن أجمل ما فى الحياة ليس ما نملكه، بل من نحبهم. وندرك أيضًا أن اللحظات العادية التى كنا نمر بها دون انتباه مثل فنجان قهوة مع صديق، أو مكالمة سريعة مع الأم، دعابة عابرة مع زميل، كانت فى الحقيقة كنوزًا صغيرة لم نعرف قيمتها إلا بعد أن ابتعد أصحابها. ربما لهذا السبب تُصبح الأعياد مع مرور الزمن مساحة للذاكرة بقدر ما هى مساحة للفرح. نجلس فيها مع الحاضرين ومع الغائبين أيضًا، نتذكر أصواتهم وضحكاتهم وكلماتهم البسيطة التى كانت تمر دون أن نتوقف عندها ونكتشف أن الذين رحلوا لم يغادروا حياتنا تمامًا، بل تحولوا إلى جزءٍ من ذاكرتنا، وإلى ظلالٍ رقيقة ترافقنا فى كل عيد.

وفى النهاية، يبقى للأعياد طعمها الخاص، حتى عندما يختلط فيه الفرح بالحزن لأن العيد فى جوهره هو احتفال بالحياة وبالذكريات، وبالحب الذى لا يموت حتى بعد أن يغيب أصحابه لهذا، حين يأتى صباح العيد، نفتح النوافذ كما كنا نفعل دائما نبتسم لمن حولنا، ونستدعى فى قلوبنا أولئك الذين رحلوا، ونهمس لهم فى صمت كل عيدٍ وأنتم فى الذاكرة أقرب مما نظن.

اكتئاب ما بعد رمضان

لا أدرى هل هذه التسمية صحيحة من الناحية العلمية أم لا لكنى أستطيع أن أصف الحالة النفسية التى تصيبنى بعد انتهاء شهر رمضان المعظم بأنها متلازمة اكتئاب ما بعد رمضان. تعود جذور هذه الحالة إلى مرحلتى الطفولة ثم الصبا عندما تتحول كل مظاهر الفرحة بقدوم رمضان وحتى قبل قدومه بأيام طويلة مع الأغانى الشهيرة المحفورة فى وجداننا لعبدالمطلب وعبد العزيز محمود وثلاثى النغم وغيرهم إلى حالة من الحزن الشديد ليس فقط عند انتهائه، بل حتى قبيل نهايته بأيام عندما تبدأ إذاعة اغنية المطربة شريفة فاضل والله لسه بدرى يا شهر الصيام.

انتقلت هذه الحالة معى منذ تلك الأيام البعيدة إلى مرحلتى الشباب والشيخوخة. كنا ونحن صغار نتابع بفرحة شديدة بدء بناء أفران الكنافة فى شوارعنا والتجهيزات التى تسبقها ونشارك فيها ونسهر حتى الصباح ونحن نشاهدها تكبر أمام أعيننا بعد أن تكون الشوارع اكتست بزينة رمضان وأنواره التى تملأ قلوبنا بالفرحة والسعادة.

ونظل طيلة ليالى الشهر الكريم نلعب حول الفرن ونساعد بين الحين والآخر فى تلقيمها حتى تظل مشتعلة بينما الشباب الأكبر منا سنًا كانوا يقومون برش الكنافة بأنفسهم. كنا نلعب حتى موعد السحور ثم نذهب لنصلى الفجر فى المسجد ونعود لنستسلم لنوم عميق يمتد فى كثير من الأحيان لما قبل المغرب بلحظات. كانت متعة بلا مسئولية.

فإذا أعلنت دار الإفتاء يوم 29 رمضان أنه المتمم لشهر رمضان بما يعنى أن تلك الليلة هى آخر ليالى الفرحة والسهر والسعادة تمتد الأيادى لتهدم فرن الكنافة بينما كانت الهدم فى الحقيقة يمتد إلى تلك القلوب البريئة التى وجدت فى الفرن ضالتها المنشودة التى تسمح لها بالسهر بدون حساب ولا تعليمات من الآباء والأمهات بالعودة للبيت مبكرًا.

لم تفلح فرحة استقبال العيد فى يوم ما رغم الملابس الجديدة والعيدية المنتظرة فى أن تنزع من قلبى ذلك الحزن الذى ينتابنى لمفارقة أيام رمضان ولياليه وكانت صلاة العيد رغم التجمع الكبير وملاقاة الأهل والأصدقاء محاولة علاجية لمداواة الجرح النازف على انتهاء ليالى الرحمة والمودة والحب والتسامح الذى يغمر القلوب. كان أصعب جملة أسمعها من أمى إذا أردت السهر فى الشارع بعد رمضان لوقت متأخر هى جملة: «لا يا حبيبى رمضان خلص خلاص ماينفعش تسهر بره زى ما كنت بسهر فى رمضان». فى تلك اللحظة أفيق على الحقيقة المرة، فمنذ تلك اللحظة لم يعد مسموحا بزيارة عمتى فى أى وقت بينما كان ذلك مسموحا به فى رمضان ولم يعد مسموحا بلعب الكرة فى الشارع ولا الأستغماية حتى قبيل الفجر فالسهر واللعب خارج المنزل عاد ليكون عيبًا ولا يصح وهو الذى كان منذ أيام مباحًا دون أى تحفظ أو قيود.

وعندما كبرت انتقلت معى تلك الأحاسيس فطيلة الشهر الكريم وقلبى مطمئن هادئ لا يعكر صفوه شيء لا قلق على رزق ولا خوف من مستقبل ولا حزن يخترق القلب الفرح السعيد ولا مردة وشياطين يفسدون عليه متعته بأيام رمضان ولياليه حتى شيطان النفس يخجل ويتوارى فى الشهر الكريم. لكن ما أن ينتهى رمضان إلا ويعود القلق والترقب والخوف والحزن كيف لا والأيام الجميلة ولت كيف لا ولا أضمن أن أشهد رمضان قادم أم لا فكثير ممن كانوا معنا فى العام الماضى هم الآن تحت التراب. فاللهم لا تجعله رمضان الماضى آخر عهدنا بأيام شهرك الفضيل ولياليه واكتب لنا أن نشهده مرات عديدة وأزمنة مديدة ولا تحرمنا فرحته وسعادته والعتق من نيرانك ولا تقبضنا إلا وانت راض عنا، آمين.

نهاية الرحلة

فى رمضان نتدرب على الصبر..فى العيد نختبر صبرنا حين نفتقد من نحب!