تصاعد التوترات يُهدد الطاقة العالمية.. ومصر تتحرك لمنع الأزمة

الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران - صورة أرشيفية
الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران - صورة أرشيفية


التوترات المُتصاعدة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى تفتح الباب أمام سيناريوهات مُعقدة قد تمتد آثارها إلى عمق المنطقة بأكملها، لتطول أمن الطاقة والتجارة العالمية، وتُعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات.. وفي خضم هذا المشهد المُضطرب تتحرك القاهرة بثقلها السياسى والدبلوماسي المعروف، مُستندة إلى إرث طويل من الحضور المؤثر فى معادلات الأمن الإقليمى، فمصر - التي اعتادت أن تكون صوت التهدئة والعقلانية فى أوقات الأزمات - تُدرك أن المنطقة لا تحتمل حربًا جديدة، وأن أى انفجار واسع لن تكون له حدود جغرافية أو سياسية، بل سيمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي واستقرار المُجتمعات.

◄ سياسيون: تحركات مصر تستهدف حماية استقرار الشرق الأوسط وأمن الطاقة العالمى

◄ خبراء: الرئيس يقود جهود التهدئة عبر الحوار والعمل الدولي المشترك

◄ دبلوماسيون: القاهرة تسعى لفتح قنوات الحوار مع جميع الأطراف

من هُنا جاء الاتصال الهاتفى الذى أجراه الرئيس عبدالفتاح السيسي مع نظيره الإيرانى مسعود بزشكيان، فى خطوة تعكس بوضوح نهج القاهرة القائم على فتح قنوات الحوار مع جميع الأطراف، بهدف احتواء التصعيد ومنع الانزلاق لمواجهة إقليمية شاملة، وكذا اتصاله مع العماد جوزاف عون، رئيس الجمهورية اللبنانية، والذى أكد خلاله دعم مصر الكامل لسيادة لبنان واستقراره وسلامة أراضيه، مشددًا على تأييد القاهرة لجهود الدولة اللبنانية الرامية لبسط سلطة المؤسسات الوطنية على كامل التراب اللبنانى، مُشيرًا إلى تكثيف مصر لجهودها الدبلوماسية على المستويين الإقليمى والدولى، بهدف النأى بلبنان عن تداعيات التصعيد الجارى فى المنطقة، انطلاقًا من قناعة مصر بأهمية الدعم العربى والدولى للبنان بهذه المرحلة الدقيقة، كما شارك الرئيس السيسى فى الاجتماع الطارئ الذى دعا إليه الاتحاد الأوروبى عبر تقنية الفيديو كونفرانس، بمشاركة قادة ومسئولين من دول المنطقة وأوروبا، فى محاولة لبناء موقف دولى يدفع نحو وقف التصعيد وتغليب الحلول السياسية، هذه التحركات ليست مُجرد ردود فعل على تطورات اللحظة، بل تأتى فى إطار رؤية مصرية مُتكاملة ترى أن الاستقرار الإقليمى هو شرط أساسى لحماية مصالح الشعوب، وأن الدبلوماسية النشطة هى السبيل الوحيد لتجنب الانزلاق نحو حروب لا رابح فيها.

ثم جاءت الاتصالات الهاتفية للرئيس السيسى مع الأمير تميم بن حمد آل ثانى أمير دولة قطر، والشيخ محمد بن زايد رئيس دولة الإمارات، والملك عبدالله الثانى بن الحسين، ليؤكد خلالها الرئيس رفض مصر القاطع،  وإدانتها للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، مُعربًا عن دعم مصر الكامل، حكومةً وشعبًا لهذه الدول، ووقوفها فى تضامن تام مع الأشقاء فى دول الخليج فى ظل التطورات الراهنة، مؤكدًا استعداد مصر لتقديم جميع أشكال الدعم اللازمة حفاظًا على أمن واستقرار دول الخليج الشقيقة، موضحًا أن مصر تبذل اتصالات وتحركات دولية وإقليمية مكثفة لوقف الحرب فى أقرب وقت ممكن، مُشددًا على أن مصر ودول الخليج يجمعهما مصير واحد، وأن مصر تنظر إلى الأمن القومى الخليجى باعتباره امتدادًا للأمن القومى المصرى، مؤكدًا ضرورة تعزيز العمل المشترك لمواجهة التحديات الراهنة وتجاوزها، وتفعيل مفهوم الأمن القومى العربى الجماعى بما يضمن التصدى لأى اعتداءات تستهدف الدول العربية.

ويؤكد عدد من السياسيين والخبراء أن التحرك المصرى الأخير يعكس استمرار الدور التقليدى للقاهرة كقوة توازن فى المنطقة فمصر بحكم موقعها الجغرافى وثقلها السياسى والعسكرى تظل أحد الأعمدة الرئيسية لأى معادلة أمنية فى الشرق الأوسط.

ويرى السفير حسين هريدى مُساعد وزير الخارجية الأسبق أن التحركات التى يقودها الرئيس السيسى تأتى فى سياق استراتيجية واضحة تهدف لمنع توسع الصراع فى المنطقة، موضحًا أن مصر تُدرك أن أى مواجهة مُباشرة بين القوى الكبرى فى الشرق الأوسط قد تؤدى لانهيار منظومة الاستقرار الإقليمى، ولذلك تسعى القاهرة لتوظيف علاقاتها المُتوازنة مع مُختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، مُضيفًا أن الاتصال المُباشر بين القاهرة وطهران يحمل رسالة سياسية مُهمة مفادها أن الحوار يظل الطريق الأكثر أمانًا لتجنب الانفجار، فالقاهرة لا تنظر إلى الأزمة من زاوية الاصطفاف، بل من زاوية الحفاظ على الاستقرار الإقليمى وحماية المصالح المُشتركة لدول المنطقة.

◄ اقرأ أيضًا | تل أبيب تقتل وزير الاستخبارات الإيراني.. وسقوط إسرائيليين بصاروخ لطهران

◄ رسائل مُهمة

الاتصال الهاتفى الذى تلقاه الرئيس السيسى من نظيره الإيرانى يُمثل رسالة سياسية واستراتيجية بالغة الأهمية، تعكس مكانة مصر كقوة إقليمية قادرة على إدارة التوازنات المُعقدة فى الشرق الأوسط، كما يؤكد اللواء الدكتور رضا فرحات أستاذ العلوم السياسية والذى يوضح أن الرسائل التى حملها الموقف المصرى جاءت واضحة وحاسمة، حيث أكدت ثوابت السياسة الخارجية المصرية القائمة على احترام سيادة الدول ورفض المساس بأمنها واستقرارها، مُشددًا على أن أمن دول الخليج يمثل جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومى العربى، وأن أى تهديد أو استهداف لهذه الدول يُمثل خطًا أحمر بالنسبة لمصر، مُضيفًا أن تحرك القيادة المصرية فى هذا التوقيت يعكس قراءة استراتيجية دقيقة لمشهد إقليمى شديد التعقيد، حيث تتشابك الملفات العسكرية والسياسية والاقتصادية، بما يفرض ضرورة وجود قوة إقليمية قادرة على منع الانزلاق نحو مواجهات أوسع قد تُهدد استقرار الشرق الأوسط بأكمله وتمتد تداعياتها للاقتصاد العالمى وأمن الطاقة وحركة التجارة الدولية.

ويُشير فرحات إلى أن القاهرة تتحرك وفق رؤية سياسية متوازنة ترفض منطق التصعيد العسكرى وتدعم فى الوقت ذاته مسار الحلول السياسية والدبلوماسية، مؤكدًا أن مصر تملك من الخبرة الدبلوماسية والثقل السياسى ما يؤهلها للقيام بدور الوسيط الموثوق القادر على التواصل مع مُختلف الأطراف وتهدئة بؤر التوتر قبل تحولها لصراعات مفتوحة، كما يؤكد أستاذ العلوم السياسة أن تقدير الجانب الإيرانى للدور المصرى فى خفض التصعيد يعكس إدراكًا إقليميًا مُتزايدًا بأن القاهرة أصبحت تُمثل نقطة ارتكاز رئيسية بمُعادلة الاستقرار الإقليمى، وأن تحركاتها الدبلوماسية تسعى للحفاظ على توازنات المنطقة ومنع أى محاولات لجرها لدوائر صراع جديدة. مُشددًا على أن مصر، بقيادة الرئيس السيسى، تتحرك بمنهج واضح يقوم على حماية الأمن القومى العربى، ودعم استقرار الدول العربية، ومنع اتساع رقعة النزاعات، بجانب الدفع نحو إعادة إحياء المسارات السياسية والتفاوضية كخيار أساسى لتسوية الأزمات، بما فى ذلك القضايا المُرتبطة بالملف النووى الإيرانى وتداعياته الإقليمية، لافتًا إلى أن المرحلة الراهنة تتطلب تغليب منطق الحكمة والدبلوماسية على حساب منطق المواجهة والتصعيد، مُشيرًا إلى أن الدور المصرى سيظل أحد أهم عوامل التوازن بمنطقة تُعانى من أزمات مُتشابكة وتحديات مُتصاعدة، وأن القاهرة ستواصل جهودها لمنع اتساع الصراعات والحفاظ على استقرار الشرق الأوسط.

◄ وقف التصعيد

لا تقتصر التحركات المصرية على الاتصالات الثنائية، بل تمتد للعمل مُتعدد الأطراف من خلال المُشاركة الفاعلة بالاجتماعات الدولية والإقليمية، فمُشاركة الرئيس السيسي في الاجتماع الطارئ الذى دعا إليه الاتحاد الأوروبى تُمثل جزءًا من جهد دبلوماسى أوسع يهدف لبناء توافق دولى حول ضرورة وقف التصعيد، وقد ضم الاجتماع قادة ومسئولين من دول الخليج ومصر والأردن ولبنان وسوريا وتركيا والعراق وأرمينيا وأذربيجان، بجانب قيادات أوروبية بارزة.

◄ خبرة طويلة

ويرى خُبراء أن هذه المشاركة تعكس إدراك المُجتمع الدولى للدور المصرى المحورى فى إدارة أزمات المنطقة، فالقاهرة تمتلك شبكة واسعة من العلاقات الدبلوماسية مع مُختلف القوى الإقليمية والدولية، وهو ما يمنحها قدرة فريدة على لعب دور الوسيط الموثوق، وكما يقول الدكتور طارق فهمى أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأمريكية، فإن مصر تتحرك وفق رؤية استراتيجية تقوم على ثلاثة محاور رئيسية أولها احتواء التصعيد العسكرى، وثانيها حماية استقرار الدول العربية، وثالثها ضمان استمرار تدفقات الطاقة والتجارة الدولية دون اضطراب، مُضيفًا أن القاهرة تُدرك أن أى حرب واسعة بالمنطقة ستؤثر مُباشرة على الاقتصاد العالمى، خصوصًا فيما يتعلق بأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والممرات البحرية.

لم يكن الدور المصري في الوساطة الإقليمية وليد اللحظة، بل يمتد لعقود طويلة من العمل الدبلوماسى النشط فى ملفات الصراع المُختلفة بالشرق الأوسط، وكما يرى السفير جمال بيومى مُساعد وزير الخارجية الأسبق، تمتلك مصر خبرة طويلة بإدارة الأزمات المُعقدة، فالقاهرة لعبت دورًا رئيسيًا بالعديد من ملفات الوساطة، سواء فى الصراع «العربى - الإسرائيلى» أو بالأزمات الإقليمية المُختلفة، مُشددًا على أن الدبلوماسية المصرية وسياستها الخارجية تتسم بالتوازن، وكانت دائمًا سباقة وصاحبة رؤية واضحة ومُحددة وصائبة، وقد أثبت التاريخ أنها كانت على المسار الصحيح دائمًا، مُضيفًا أن القيادة المصرية قادرة على التواصل المُباشر مع مُختلف القادة والمسئولين فى العالم، سواء من خلال الاتصالات الهاتفية أو اللقاءات المُباشرة أو الزيارات المُتبادلة، فموقع مصر الجغرافى وطبيعة سياستها الخارجية يجعلها مؤهلة للقيام بدور الوسيط فى العديد من الأزمات.

وعن الموقف المصري من الصراع الحالى الدائر بالمنطقة، أوضح أن الموقف المصرى ظهر هادئا ومُتوازنا، ساعية للتواصل مع كل الأطراف ومُحاولة احتواء أى تصعيد وكذلك عدم الانجرار لأى مواجهة تضر بالأمن القومي المصري والإقليمي، مؤكدًا أن مصر تُحافظ على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، فى الوقت الحالى، بل وتعد هذه العلاقة فى إطار الشراكة الاستراتيجية، وهذا ما يسمح لمصر بأن تتحدث مع جميع الأطراف وأن يستمعوا لرؤيتها. ويُشير بيومى إلى أن مصر تنظر للأزمة من زاوية أوسع تتجاوز البعد السياسى، فاستقرار المنطقة يرتبط بشكل مُباشر باستقرار الاقتصاد العالمى، موضحًا أن أي اضطراب فى الممرات البحرية أو سلاسل الإمداد قد يؤدى لارتفاع كبير بأسعار الطاقة والسلع الأساسية، وهو ما ينعكس سلبًا على الاقتصاد العالمى وعلى الدول النامية بشكل خاص.