داخل الحوارى والأزقة والميادين المزدحمة ستجد «تكيات الخير» فى شوارع ومحافظات المحروسة، وكأنها نبض حقيقى يدل على طيبة أهل مصر، شعارها الإحسان قبل الإطعام، فلا ينام أحد جائعًا أو محرومًا، جميعهم بلا استثناء بدأوا بجهود ذاتية حتى أصبحوا مؤسسات خيرية كبرى، يقصدها المحتاج وعابر السبيل، ليجدها تفوح منها رائحة الحب قبل الطهى وحسن المعاملة قبل الإطعام.

اقرأ أيضًا | لـ 800 فرد.. مائدة الرحمن بالإسكندرية تتزين لإفطار أحباب الله الصائمين

تظل «تكيات الخير» برهانًا حيًا وشاهدًا على أن الأفكار الصغيرة، حين تخلص النوايا حقًا وتتكاتف الجهود، يمكنها أن تغير ملامح منطقة بأكملها، لتتحول من مجرد وجبة إفطار إلى رسالة حب وإعمار، داخل التكية ستجد أفرادًا تعمل بكل حب لتقديم أفضل وجبة لإفطار الصائم، لا يتناولون إفطارهم إلا بعد الاطمئنان بأن الجميع تناول طعامه.
تقف تكية المعادى على بعد خطوات من منطقة طرة البلد على طريق مصر حلوان الزراعى، لتخدم المنطقة الممتدة من مدخل المعادى وصولاً إلى حلوان، يستعد متطوعوها للوصول إلى الحالات المرضية وكبار السن فى منازلهم، بينما تتوجه بعض الأسر للمقر لاستلام وجباتهم بانتظام.
مظلة «تكية الخير بالمعادى» ليست مجرد مطعم للإطعام، بل هى كيان خيرى يقدم رعاية شاملة تشمل سداد الإيجارات، وتوفير الأدوية، ودفع مصاريف الطلاب المتعثرين، انطلاقًا من مبدأ التكافل الاجتماعى الكامل.
وتوفر فى شهر رمضان المزيد من وجبات الإطعام لإفطار الصائمين وكذلك توفير وجبات السحور لترفع عن كاهل كل محتاج عناء توفير الطعام من العدم، ليجد كل صائم فى وجبته التى صُنعت بكل حب ملاذًا آمنا يحفظ له كرامته وعفته.
تحدثت «الأخبار» مع مؤسسة هذا الصرح، ورغم عدم حبها للظهور إعلاميًا لكنها شاركتنا تجربتها الخيرية تحكى نهى عبيد، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة «تكية الخير بمنطقة المعادى» ومؤسسة المطبخ الخيرى، عن تفاصيل المبادرة التى انطلقت منذ عام 2016، مؤكدة أن الفكرة بدأت كنشاط تطوعى شخصى عقب عودتها النهائية إلى مصر فى عام 2008، حيث كانت تهدف إلى إطعام المحتاجين ومشاركة حبها للطهى مع الأسر المتعففة ودور الأيتام.
تشير عبيد إلى أن البداية كانت انطلاقًا من حبها لعمل إطعام لوجه الله، انطلقت من مطبخها المتواضع لإعداد وجبات وتوزيعها على دور الأيتام والمسنين، ونالت مبادرتها الفردية إشادة المقربين من الأهل والجيران وطلبوا الانضمام للمساهمة فى عمل الخير، ومع زيادة الخيرين، بحثت عن مطبخ أكبر بالإيجار ليستوعب المتطوعين الجدد.
تعتمد التكية نظام «الوجبات» بدلاً من «الموائد الرحمانية»، حيث يتم التوزيع مباشرة على الأسر فى منازلهم، ودور الأيتام، والمسنين لضمان وصول الطعام للمحتاجين، ونظرًا للمجهودات الملموسة، طلبت وزارة التضامن الاجتماعى انضمام المبادرة تحت مظلتها، لتتحول رسميًا إلى مؤسسة خيرية.
شددت «نهى»على أن المؤسسة لا تتبع سياسة «توزيع الشوارع» العشوائى، بل يتم تقديم المساعدات بناءً على أبحاث اجتماعية دقيقة لضمان وصول الأمانات إلى مستحقيها.
مرضى قصر العينى
تتميز «تكية الخير» بتقديم خدمة نوعية لمرضى الفشل الكلوى ومرضى الأورام فى مستشفى قصر العينى من خلال التنسيق الطبى حيث يتم التعاون مع قسم الخدمة الاجتماعية بالمستشفى لمعرفة مواعيد تردد المرضى المحتاجين، كذلك يتم إعداد وجبات مطابقة للحالة الصحية لكل مريض (مثل إعداد وجبات خاصة لمرضى السرطان).
كما توفر جزءًا ماديًا للدعم الطبى فى شهر رمضان، يتم التركيز على الإعانات المادية وتوفير المستلزمات الطبية التى قد يحتاجها مركز وحدات الغسيل الكلوى مثل (الوصلات الوريدية والحقن).
أوضحت نهى أن العمل فى التكية مستمر طوال العام على مدار (52 أسبوعًا)، ولكن لشهر رمضان خصوصية كبيرة من حيث حجم الإنتاج، إذ يرتفع متوسط الوجبات من 200-500 وجبة فى الأيام العادية ليصل إلى 650 وجبة يوميًا فى رمضان، وقد يتجاوز 1000 وجبة فى العشر الأواخر، وقبل أيام من استقبال الشهر الفضيل يتم تجهيز شنط تحتوى على مواد غذائية جافة وبروتينات للأسر القاطنة فى أماكن بعيدة لتكفيهم طوال الشهر، كذلك تهتم المؤسسة بتوفير مكونات السحور التى ارتفعت أسعارها (مثل الزبادى، البيض، اللبن، الفول، والجبن) لتخفيف العبء عن كاهل الأسر.
«مطبخ تكية الخير بيقدم جودة منزلية ومعايير احترافية، بقالى ٣ شهور بحضر تفريزات رمضان وجهزت تفريز الرومى والبط واللحمة الروستو والمدخنة»، هكذا تحكى نهى بفخر عن مطبخها الخيرى إذ يقدم طعامًا «فندقيًا» لا يقل جودة عما يُقدم فى البيوت، وتشير إلى التجهيزات المسبقة، حيث يبدأ التحضير لـشهر رمضان قبل قدومه بثلاثة أشهر عبر «تفريز» اللحوم والدواجن.. تتضمن الوجبات أصنافًا فاخرة مثل (الديك الرومى، اللحم الروستو، والبفتيك)، حيث تسعى المؤسسة لإسعاد المحتاجين بأفضل أنواع الطعام، وتقول نهى: «يعمل فى المطبخ سيدات من المعيلات، مما يوفر لهن مصدر رزق كريم، بل وتساعد المؤسسة بعضهن على بدء مشاريعهن الخاصة».
تكية السيدة نفيسة
على بعد خطوات من مسجد السيدة نفيسة بمصر القديمة وقبل لحظات الإفطار، يردد الكثيرون: «هنفطر من التكية» تعتلى الوجوه نظرة تملؤها الرضا، يحملون الأوعية لينالوا وجباتهم قبل أذان المغرب، وعند الاقتراب أكثر تعتليهم نظرات الفضول لمعرفة «الفطار النهارده إيه»، مشهد لن تراه سوى فى مصر أم الدنيا وتحديدًا فى عالم العمل الخيرى، تبرز أسماء لا تعتبر المساعدة مجرد واجب، بل رسالة حياة وتفاصيل يومية تُعاش بكل جوارحها.
الحاجة وفاء ممتاز، مؤسسة تكية السيدة نفيسة، وجه نسائى غرس جذوره فى عمل الخير منذ أكثر من عشرين عامًا، تروى قصة شغف لم ينقطع بمد يد العون، بدأت من فطرة طفولية وانتهت بمشروع مؤسسى يسعى لأن يكون ملاذًا للجائعين على مدار الساعة بشكل يومى طوال أيام السنة، وهو ما جعلها ملاذًا آمنًا لأى غريب أو جائع يقصد بابها.
تسترجع وفاء ممتاز بداياتها قائلة «منذ صغرى وأنا أحمل فى قلبى حبًا لخدمة الناس، وخاصة كبار السن الذين لا يجدون من يعينهم، هى منحة ربانية يضعها سبحانه فى قلب المرء»، لم تكتفِ وفاء بالمشاعر، بل بدأت فعليًا بجمع الملابس والمساعدات العينية وتوزيعها على المحتاجين، محفوفة بدعم «أهل الخير» الذين علموها أصول البحث الميدانى.. وتضيف قائلة «كنت أنزل للميدان، أبحث الحالات بنفسى، أسافر من مكان لآخر لأعرف احتياجات الناس الحقيقية وألبيها، اعتمدت فى بداياتى «وما زلت» على دائرة الثقة من الأقارب والأصدقاء الذين كانوا يمدوننى بالتبرعات المادية والعينية».
محراب الإنسانية
انتقلت وفاء بعد ذلك لتعمل كمتطوعة فى مسجد الصديق بمنطقة شيراتون، حيث تولت مسئولية «لجنة الزكاة» لنحو ثمانى سنوات، غاصت خلالها فى مشاكل المجتمع من مصاريف دراسية، وجامعية، وقضايا التفكك الأسرى، جنبًا إلى جنب مع دورها فى تحفيظ القرآن الكريم، إلا أن النقلة النوعية كانت فى عام 2006، حين التحقت بـ «بنك الطعام المصري» فى شهوره الأولى.
وعن هذه التجربة تقول: «ذهبت للتطوع فأصروا على تعيينى كموظفة لضمان الالتزام، هناك اجتمع شغفى بمهنتي، ولخمس سنوات طفت محافظات مصر أضع القواعد الإدارية وأبحث الحالات وأبرم البروتوكولات مع الجمعيات، وكان التركيز منصبًا على قضية الإطعام التى عشقتها».
رغم المناصب الإدارية، كان لوفاء «فكر خاص» ورؤية تود تحقيقها بعيدًا عن القيود المؤسسية، وتشير إلى أن نقطة التحول كانت بمحض القدر أثناء صلاة جنازة بالسيدة نفيسة، حيث قادتها الصدفة لتعرف حاجة الناس لمطبخ خيرى فى منطقة «شارع الأشراف» بجوار السيدة سُكينة، تقول وفاء بحماس: «أنا عاشقة للإطعام، لا أحب تقديم مجرد لقمة، بل أهتم بالتفاصيل التى تفرح الناس، كالعصائر فى الصيف والإضافات التى تجعل الوجبة مبهجة»، وبعد فترة من التنقل، استقرت أمام مسجد السيدة رقية، حيث بدأت بطبخ الطعام فى بيتها ثم فى مكان بسيط بالمنطقة، وكان الناس يلتفون حولها لما لمسوه من رقى فى المعاملة وجودة فى الطعام.
تتذكر وفاء تلك الأيام قائلة: «كنت أنزل كل جمعة، نطبخ ونعلب الطعام ونوزعه، وحين كان ينفد الطعام، كنت أشترى من مالى الخاص جبناً وخبزًا من السوبر ماركت؛ فالمهم عندى ألا يعود جائع مكسور الخاطر».
اليوم، تطور العمل من مجرد توزيع فى الشارع إلى استئجار شقة لتكون مخزنًا، ومحلٍ تم تحويله لمطبخ متكامل أمام مسجد السيدة رقية، وتختتم ممتاز حديثها بكشف الستار عن حلمها الأكبر: «هذا هو حلم عمرى.. أن يكون هناك مكان مفتوح لإطعام الناس على مدار 24 ساعة، لا يطرق بابه محتاج إلا ويجد كفايته».
لم يتوقف طموح السيدة وفاء ممتاز عند تقديم الوجبات للأسر المتعففة فحسب، بل امتدت يدها لتطال فئات غالباً ما تُنسى فى زحام الحياة؛ وهم أهالى المرضى المغتربين القادمين من أقصى الصعيد والأرياف، والذين يفترشون أرصفة المستشفيات بحثاً عن علاج لذويهم.
وفى شهر رمضان المبارك، كشفت وفاء ممتاز عن تفاصيل مطبخها الذى يتحول إلى خلية نحل لا تهدأ، وتقول: «لدينا 40 أسرة ثابتة ومدروسة، يتراوح عدد أفراد الأسرة الواحدة بين 4 إلى 7 أفراد، هؤلاء أولويتنا القصوى، بالإضافة إلى نحو 80 حالة فردية تطرق بابنا يومياً»، وتستطرد موضحة التوسع الجديد لهذا العام: «نستهدف الوصول إلى 200 وجبة يومياً. والمفاجأة هذا العام هى تخصيص 100 وجبة يومية لرواد مسجد السيدة رقية من المصلين وعابرى السبيل، نقوم بتوزيعها وقت أذان المغرب مباشرة لننال ثواب إفطار صائم».
تكية الشرقية
فى قلب محافظة الشرقية، وبخطوات واثقة بدأت منذ عام 2014، استطاع الشاب «كريم مصطفى فودة» أن يحول فكرة بسيطة ولدت فى ليالى الشتاء الباردة إلى كيان خيرى عملاق يُعرف اليوم بـ «مطبخ التكيّة الخيرى»، الذى لم يعد مجرد مؤسسة إطعام، بل أصبح مجتمعاً متكاملاً يقوم على فلسفة «الإحسان» فى كل تفصيلة.
يروى كريم فودة، مؤسس «التكيّة»، حكاية التأسيس قائلاً: «بدأنا فى عام 2014 بحملات بسيطة فى الشوارع، كنا نوزع (شوربة العدس) الساخنة فى تمام الساعة الثانية عشرة بعد منتصف الليل لمواجهة برد الشتاء»، مضيفًا أن الفكرة تطورت تدريجياً لتتحول من وجبات بسيطة إلى أكبر مائدة إفطار فى محافظة الشرقية، مؤكداً أن الاستمرارية كانت بفضل الإيمان بقيمة العمل التطوعي.. وبكثير من التقدير، تحدث فودة عن «الحاجة سامية»، واصفاً إياها بـ «والدة الجميع» وأقدم مؤسسى الكيان، وأوضح قائلاً: «فى منزلها أعددنا أول وجبة عدس وزعناها فى الشارع، وهى اليوم القلب النابض للمكان، تتابع وتعمل بروح الشباب، فهى شاهدة على كل خطوات النجاح منذ البداية».. كشف فودة عن حجم العمل الضخم الذى يقوم به المطبخ، خاصة فى شهر رمضان المبارك، حيث تتنوع الخدمات بين: الوجبات المنزلية والموائد الرمضانية ، حيث يتم توزيع قرابة 3000 وجبة يومياً تصل مباشرة إلى بيوت الأسر المتعففة والموائد.
وأكد أن العمل اليومى يتطلب ذبح «عجل» يومياً، بالإضافة إلى استهلاك نحو 150 كيلوجراماً من الأرز و150 كيلوجراماً من الخضراوات.

من العشوائية إلى التطوير| «التونسى».. سوق عصرى بـ «استايل موحد»
«إعادة توظيف ثقافى وسياحى» على غرار العديد من الدول العربية والإسلامية
نصيب المصريين من المقامرات العالمية 1,7 مليار دولار!







