◄ الأزهر الشريف.. التراويح في صحنٍ يعانق السماء
حين يحلّ المساء فوق مآذن القاهرة وتضيء أنوار الفوانيس جدران المنطقة الممتدة من الجامع الأزهر وصولًا إلى شارع المعز تشعر وكأنك أمام حالة استثنائية لا تشبه أي مكان آخر فى العالم.. هنا ليس الأمر مجرد تراث، بل نبض حي يجمع بين خشوع الصلاة وفرحة رمضان وطقوس العادات الشعبية المرتبطة بهذه المنطقة.

بمجرد أن تطأ قدماك صحن الجامع الأزهر الأبيض الرخامي، تشعر ببهجة تمحو ضجيج المدينة في الخارج. هنا يجتمع المصلون من كل جنس ولون؛ طلاب من جنوب شرق آسيا إلى جوار عائلات مصرية بسيطة، والجميع ينتظر صلاة العشاء والتراويح.

يقول علي رجب «الرجل الأربعينى»: كل عام في شهر رمضان أحرص على زيارة الجامع الأزهر لأداء العشاء والتراويح داخله، حيث تشعر أن صوت القارئ لا يخرج من ميكروفون، بل ينبع من أعماق التاريخ، فصدى التلاوة في الصحن المفتوح يمنحك شعورًا غريبًا بالخشوع والتقرب إلى الله، حالة روحانية استثنائية.
وتلتقط منه طرف الحديث أسماء محمد، سيدة في الثلاثين من عمرها ولديها ولد وحيد، قائلة: جئت لزيارة مسجد الحسين لأدعو الله أن يرزقني أخًا أو أختًا لابني، وأصلي العشاء والتراويح في الأزهر، ثم نقضي سهرة رمضانية في خان الخليلي وبين محال شارع المعز.

◄ اقرأ أيضًا | الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار يتابع ترميم وتطوير آثار شارع المعز
ويشير أمجد عيسى، «موظف بأحد البنوك»، إلى أنه لا يشعر بالأجواء الرمضانية إلا بالتواجد بين أحضان القاهرة القديمة، وفي ساحة الحسين ملتقى المحبين ودفء الحضرة، فبمجرد الانتهاء من صلاة العشاء والتراويح في الأزهر، تعبر الطريق لتستقبلك ساحة مولانا الحسين، حيث تتغير النغمة قليلًا من الوقار الهادئ إلى الفرح الشعبي الجارف، ففي ساحة الحسين رمضان ليس عبادة فحسب بل حالة «ونس» ولا تخلو الساحة من حلقات الذكر وعفوية الإنشاد في حب النبي التي تجذب الزائرين.

وخلف مسجد الحسين تزدحم المقاهي الشهيرة، مثل قهوة الفيشاوي ومقهى نجيب محفوظ، وفي هذا الإطار يقول أشرف محمد: لا أشعر بالأجواء الرمضانية إلا في شوارع القاهرة القديمة، بالصلاة في الأزهر، والسهر على قهوة الفيشاوي، وصوت أم كلثوم في الخلفية.

ويتابع: في شارع المعز ذلك المتحف المفتوح تنبض الأجواء بالطبول وفرق التنورة التي تملأ المكان، بينما يرقص الأطفال في فرح عفوي. وداخل باب زويلة، يتحول الشارع إلى كرنفال بصري وسمعي، حيث تجتمع العمارة الفاطمية والمملوكية المزينة بحبال النور، في تجربة أشبه بمشهد سينمائي.
فيما تقول فيروز محمد (30 عامًا): الأجواء الرمضانية لا تكتمل إلا بالتواجد في سهرات الحسين والمعز، ولا تكتمل السهرة دون مشاهدة التنورة وهي تدور كفراشة ملونة أمام مجموعة قلاوون، أو الاستماع إلى فرقة إنشاد ديني بآلاتها التقليدية.

وتضيف: نجلس مع الأصدقاء وسط رائحة البخور المنبعثة من الحوانيت القديمة، فتأخذنا في رحلة عبر الزمن. ومع امتداد السهر نصل إلى موعد السحور، حيث تجتمع نغمات الفرح على مائدة مصر القديمة.
ومع اقتراب الساعة الثانية صباحًا تبدأ «معركة السحور» الممتعة، كما تصفها إلهام مجدي، الباحثة التي تحرص كل عام على قضاء جولات رمضانية في المعز، وقهوة الفيشاوي، وحلقات الذكر بالحسين. ومع الساعات الأولى للسحور تنتشر الطاولات في حارات الغورية ومنطقة الفسطاط بمصر القديمة. وعلى موائد المقاهي وخيام المعز يتصدر طبق الفول المائدة، إلى جانب الطعمية الساخنة والزبادي البلدي، لكن الميزة الأكبر في هذه السهرات هي «اللمة»، حيث تجلس العائلات والشباب يتسامرون حتى ينطلق أذان الفجر من مئات المآذن المحيطة في سيمفونية واحدة تعلن نهاية ليلة وبداية يوم جديد من الصيام.

ويؤكد حامد شوقى، «طالب بكلية الطب» أنه لا يشعر بالأجواء الرمضانية إلا بالتواجد في ساحات مسجد السيدة زينب للصلاة والسهر في الخيام الرمضانية حتى الساعات الأولى من السحر، فالسهر في الأزهر والحسين والمعز والسيدة زينب ليس مجرد نزهة، بل طقس سنوي يجدد الهوية.
دبلوماسية فاعلة وتنمية لا تتوقف .. تحركات رئاسية لدعم الاستقرار الإقليمى وصناعة المستقبل
لا اعتراف.. لا شرعية.. لا عبث بالتاريخ| القاهرة تتصدى لـ«سفارة الوهم» على أرض القدس
نقيب الفلاحين يتوقع تراجع الأسعار قريبا.. الطقس والسوسة وراء «هيستريا الطماطم»







