مع اتساع نطاق الحرب في الشرق الأوسط بعد الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران تتجه الأنظار إلى التداعيات العسكرية والاستراتيجية المباشرة لهذه الحرب، لكن خلف هذه التطورات يبرز سؤال آخر يتعلق بالاقتصاد السياسي للحرب؛ وهو من يستفيد فعليًا من تصاعد الإنفاق العسكري؟
فبينما تتحدث الإدارة الأمريكية عن استنزاف المخزون من الذخائر والحاجة إلى زيادة الإنتاج العسكرى، تشير تقارير وتحليلات إلى أن شركات الصناعات الدفاعية الكبرى، التى تعتمد بشكل كبير على عقود الحكومة الأمريكية، من أبرز المستفيدين من موجة الإنفاق الجديدة.
وفي الوقت الذي يجرى فيه الحديث عن مئات المليارات من الدولارات المخصصة للبنتاجون، تتزايد الانتقادات التى تقول إن جزءًا كبيرًا من هذه الأموال لم يذهب إلى توسيع الإنتاج بقدر ما ذهب إلى أرباح المساهمين وإعادة شراء الأسهم. فى السنوات الأخيرة، أعطت كبرى شركات المقاولات الدفاعية المدعومة بتريليونات الدولارات من أموال دافعى الضرائب الأولوية لإثراء المساهمين على حساب توسيع الإنتاج ومع تصاعد الإنفاق الحربى تحوِّل أكبر شركات تصنيع الأسلحة الأمريكية المزيد من الأموال إلى المستثمرين.
في الأسابيع التى سبقت شن الضربات على إيران واجهت إدارة الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» مشكلة، وهى كيفية إنفاق 500 مليار دولار إضافية من الأموال المخصصة للبنتاجون التى يعتزم البيت الأبيض طلبها من الكونجرس العام المقبل، وفقًا لصحيفة «واشنطن بوست» ـ وبعد يومين فقط، أبلغت الإدارة الكونجرس بأنها تخطط خلال العام المقبل وحده لإنفاق 153 مليار دولار إضافية من التمويل العسكرى الذى تمت الموافقة عليه فى عام 2025، وهى أموال كان الكونجرس يتوقع إنفاقها على مدى خمس سنوات.
والآن، بعد أكثر من أسبوع على الضربات من المقرر أن يلتقى مسئولون تنفيذيون - يمثلون شركات تصنيع الأسلحة، بما فى ذلك RTX) المعروفة سابقًا باسم رايثيون) ولوكهيد مارتن - مع الرئيس ترامب لمناقشة ما وصفوه بتراجع مخزونات الذخائر الأمريكية، بحسب ما ذكرته وكالة «رويترز».
◄ اقرأ أيضًا | ترامب يُهدد إيران: نستطيع تدمير محطات الطاقة خلال ساعات
وبينما يؤكد الرئيس عبر منصته «تروث سوشيال» «أن احتياطيات الذخائر الأمريكية لم تكن يومًا أعلى أو أفضل مما هى عليه الآن»، ووفقًا لموقع "ذى هيل" الأمريكى يحذر مستشارون وجماعات ضغط ممولة من صناعة الدفاع من أن الولايات المتحدة "استنفدت"، خلال أقل من أسبوع، جزءًا كبيرًا من مخزونها من الصواريخ بعيدة المدى الموجهة بدقة. ويجادلون بأن تقلص القاعدة الصناعية وتراجع الإنتاجية قد يقوضان الأهداف العسكرية الأمريكية فى أماكن مثل أوكرانيا وإسرائيل.
ومن بين أكثر المخاوف إلحاحًا مخزون البلاد من صواريخ الاعتراض الدقيقة، حيث أفادت تقارير أن ربع هذا المخزون قد استنزف خلال اثنى عشر يومًا فقط من القتال بين إسرائيل وإيران الصيف الماضى، وهو فى طريقه إلى مزيد من الاستنزاف فى الحرب الحالية مع إيران.
وتعتمد أكبر أربع شركات دفاعية فى البلاد اعتمادًا كبيرًا على العقود الفيدرالية، ما يعنى أن مستثمرى صناعة الأسلحة يجنون أرباحًا طائلة من أموال دافعى الضرائب، ووفقًا لموقع "تندر ألفا" المتخصص فى تتبع العقود الحكومية، عقود وزارة الدفاع فى عام 2024 ما بين 30 و40% من إيرادات شركتى بوينج وRTX، و74% من إيرادات شركة لوكهيد مارتن، ونسبة مذهلة بلغت 98% من إيرادات شركة بوز ألين هاملتون.
وهناك بالفعل مؤشرات على أن المزيد من أموال الضرائب قد تتدفق إلى هذه الشركات، فقد أفادت تقارير بأن البيت الأبيض يخطط لطلب 50 مليار دولار إضافية من التمويل العسكرى من الكونجرس فى أقرب وقت، وهو اقتراح قد يكون من الأسهل تمريره الآن بعد أن عرقل الجمهوريون محاولة الديمقراطيين، التى تعرضت بدورها لانتقادات بسبب تأثير جماعات الضغط، للحد من الحرب مع إيران.
وليس غريباً أنه فى خلال يومين من الضربات على إيران شهد موردو البنتاجون مكاسب فورية فى الأسواق، فقد أفاد موقع Responsible Statescraft بأن سهم لوكهيد مارتن التى تعادل عقودها الدفاعية السنوية ميزانية وزارة الخارجية الأمريكية بأكملها تقريبًا ارتفع بنسبة 3.4%، بينما ارتفع سهم RTX بنسبة 4.7%، وسجلت شركة نورثروب جرومان زيادة بنسبة 6%..
أصبحت ممارسات الصناعة شديدة التطرف إلى درجة أن ترامب أصدر فى وقت سابق من هذا العام أمرًا تنفيذيًا يمنع شركات الدفاع من تخصيص الأموال لإعادة شراء الأسهم وتوزيع الأرباح إذا فشلت فى «إنتاج منتج متفوق، فى الوقت المحدد وضمن الميزانية»، بل إنه ذهب إلى حد التهديد بإلغاء العقود الفيدرالية مع شركة RTX التى أعادت توزيع 57 مليار دولار على المستثمرين بين عامى 2015 و2025، ما لم توقف إعادة شراء الأسهم وتستثمر بدلًا من ذلك فى التصنيع.
الكونجرس للبيع!.. التمويل الخفي يحكم انتخابات أمريكا
حرب إيران تشعل الخلافات.. تحالف «واشنطن ــ أوروبا» يتصدع
هدنة هشة فوق برميل بارود.. الشرق الأوسط على حافة الانفجار







