يوميات الأخبار

خواطر رمضانية

فرج  أبو العز
فرج أبو العز


التطورات التقنية تبهرنا يومًا بعد يوم، وهى بقدرة الله وعظمته، وعلينا استثمارها فيما هو مفيد للبشرية.

متى ستعرف؟

رمضان كما هو شهر الرحمة والمغفرة والتراحم فهو أيضًا شهر للتأمل فى جلال الله وقدرته وهو الذى خلق كل شىء بقدر وهو الذى علَّم الإنسان ما لم يعلم، مصداقًا لقول الحق سبحانه: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا).. لذا لا تتعب نفسك وتجلد ذاتك بحثًا عن سر أو تفسير لحدث ما غاب عنك، فما أخفاه الله عنك لحكمة عنده وهو فى صالحك لكن قدراتك العقلية المحدودة تجعلك لا تدرك الحكمة وراء ما منعه الله عنك فى وقت وظروف محددة حماية لك من الشطط فى التفكير، ولنتدبر قوله تعالى: (لا تسألوا عن أشياء إن تُبدَ لكم تسؤكم).. يومًا ما ستعلم بدقائق ما حدث وأن الله منعها عنك حتى لا تشعر حينها بالحزن والندم وتجلد نفسك بلا طائل وقد تصاب بمرض قاتل أو تقدم على تصرف خاطئ يبعدك عن السلوك القويم، والأفضل أن تترك المُلك للمالك فهو وحده العالِم بالأسرار ومكنون النفوس.

متى ستعرف أن الذى خانك كان لغرض فى نفسه.. والذى اغتابك إنما اغتاب نفسه.. والذى أخذ شيئًا من حقك أثابك عند الله ورفع من حسناتك؛ لذا لا «تدعبس» ولا تفتش فيما أخفاه الله عنك فقد منع عنك شرًا كان يتربص بك.

التطورات التقنية تبهرنا يومًا بعد يوم، وهى بقدرة الله وعظمته، وعلينا استثمارها فيما هو مفيد للبشرية لا أن نشوهها بشرور وشبهات بإصرار ما بعده إصرار على الاستفادة من سلبياتها فقط دون النظر لما يمكن أن تساعدنا فى اختصار الوقت أو بحث علمى يقود لثمرة حماية ووقاية للبشرية.

مَن منا ينكر فوائد كاميرات المراقبة؟! نعم هى اختراع مفيد للبشرية ونشر الأمن والأمان لكنها تظل محدودة بوقائع محددة ولا تتعداها إلى كشف ما يفكر فيه المحيطون بنا، فهل تستطيع أن تكشف أن شخصًا ما يحبك أو يكرهك.. يحترمك أم يمقتك.. ينافقك أم يَصدُقك القول؟ بالطبع لا.

باختصار لا تجعل همَّك فى البحث عن «المستخبى» ومكنون النفس، وعامل الناس بما يُظهرونه لك وليس بما تعتقد أنهم يُخفونه.. لا تسأل عن سبب فتاة رفضت خطبتك.. ولا تسأل امرأة لماذا تركتك واختارت غيرك.. ولا تسأل زوجتك مقارنة بينك وبين زوج سابق لها.. ولا تسأل لماذا لم تصبك وظيفة وذهبت لغيرك، فقد تؤذيك الإجابة وتضعف ثقتك بنفسك وتفسد عليك معيشتك.. فى حلقة رائعة من مسلسل «نصيبى وقسمتك» للمؤلف عمرو محمود ياسين وبطولة النجم هانى سلامة.. رائد صاحب شركة أراد أن يعرف تصرفات مرءوسيه من ورائه ورأيهم فى طباعه وشخصيته.. زرع سرًا كاميرات المراقبة فى أرجاء الشركة.. وذهل عندما عرف أن زوج شقيقته يسرقه بالمشاركة مع سكرتيرته.. سمع فى شخصه كلامًا مؤلمًا وأن الجميع طامع فى أمواله.. وفى النهاية ندم على فعلته ونطق بالصوت الحيانى: ليتنى ما عرفت ولا فتشت.. وفى تراثنا العربى حكاية امرأة ضاقت بطلب زوجها المتكرر والممل أن تقارن بينه وبين زوجها السابق.. رفضت مرارًا، لكن أمام إصراره وعناده.. قالت له: ضمتك لى لا تكاد تحرك مشاعرى.. أما ضمته فتمنيت أن أموت بعدها.. وكانت النتيجة أن أصيب باكتئاب وحزن وألم.. الخلاصة: لا تضع نفسك مع كثرة السؤال والتقصى عن المستخبى فى موقف يجعلك تنطق بالصوت العالى: ليتنى ما بحثت وفتشت.. ليتنى ما عرفت. دائمًا دع الأمر للواحد القهار.

نظرة

نظرة وكنت أحسبها «سلام وتمر قوام».. هى دى النظرة التى تحسب سلامًا وهى النظرة البريئة العفيفة.. النظرة الأولى لك.. أما الثانية فعليك لتجعل نظرتك «سلام وتمر قوام».. النظرة كلمة من أربعة حروف لكنها تعنى الكثير.. منها نظرة الحب ومنها «زغرة» الكُره أو الاعتراض.. ومنها نظرة التوجيه وكذلك نظرة التوبيخ.. ومنها أيضًا نظرة الاحترام والتبجيل ومقابلها نظرة الاستهانة وعدم الاعتبار.. وهناك أيضًا نظرة العتاب ومقابلها نظرة الشكر والعرفان.

هناك أيضًا النظرة للأشياء والتى تختلف وفق السن والتجارب والظروف والأحوال، فقد تسمع عبارة لا ترضيك ولكن تقابلها بعدم اهتمام وقد تسمع العبارة ذاتها فى وقت آخر فتشعر بالخنقة والضيق.. العبارة هى ذاتها لكن الذى اختلف هو حالتك المزاجية أو مودك خلال سماعك العبارة، فاذا كان مودك عاليا ومزاجك رائقا مرت بسلام واذا كان مودك «مش ولا بد» ستشعر بالضيق، وقد يتعدى رد فعلك أكثر من الضيق وربما تدخل فى سين وجيم.

نظرتك للأمور وأنت صغير تختلف تمامًا عندما تكبر وتشب عن الطوق.. نظرتك وأنت طالب لا عليك سوى المذاكرة والنجاح تختلف بالقطع عن نظرك وأنت كبير ومسئول عن بيت وأولاد.. نظرتك بالطبع تختلف مع مستوى تعليمك وكذلك مع الخبرات العملية والحياتية التى اكتسبتها على مدار الأيام والسنين.

نظرتك مع راتب أول الشهر تختلف تمامًا عند منتصفه أو عندما يشارف على نهايته وكذلك نظرتك لوالديك تختلف، فعندما كنا صغارًا غالبًا ما ننتقد سلوك الكبار وتحكماتهم.. ومهما قيل لك أو سمعت أن أبويك لا يبغيان سوى مصلحتك وسلامتك لن تحس بقدرك ومعزتك عند والديك إلا عندما تكبر وتتزوج ويرزقك الله بالأولاد.. عندئذ فقط ستعرف بحق وحقيق مدى حب والديك وستشعر بنفس شعور الأب تجاه أولادك.

كذلك هناك نظرة تفاؤل ومقابلها نظرة تشاؤم وخوف من المستقبل، وعليك أن تدرك أن سعادتك أنت فقط صانعها ولن يهديها إليك أحد، والسعادة فن قد يصعب على الكثيرين فهمها، وهى ليست فى الأموال والقناطير المقنطرة، وليست أيضًا فى المال والبنين رغم انهم زينة الحياة الدنيا لكن الأصل ان السعادة فى قناعة النفس ومسك السلوك والمعاملة بالمعروف.. وفوق كل ذلك الرضا والقبول بما كتبه الله لك قلَّ أم كثُر وأن يُظلك الله تعالى بستره ورحمته ومغفرته.. آمين رب العرش العظيم.

حنين

لست مع من يترحم دائمًا «وفى الفاضى والمليان» على زمان وليالى زمان، وأومِنُ تمامًا بأن لكل عصر حلاوته وأيضًا سلبياته، والتطور سُنة الحياة ولكل عصر عاداته وتقاليده وآلياته وتقنياته لكن ذلك لا يمنع من حنيننا لزمان وليالى زمان وقت أن كان الجميع يأكلون من طعام واحد ويلبسون لباسًا واحدًا ويركبون وسائل مواصلات متشابهة إلا قليل القليل من الاختلاف.. مع تطور الحياة وتعاقب الزمان بدأنا نُحس ببعض الفوارق لكننا لا ننسى أبدًا الزمن الجميل، حيث كانت الطيبة تظللنا والوفاء يجمعنا واللمة الحلوة تجمعنا فى الأفراح والأعياد.

ما زلت أتذكر ساعات قبل الإفطار فى شهر رمضان المبارك.. عندما يجتمع أطفال القرية امام مسجد العزب وكان المسجد الوحيد فى قريتنا التى كانت صغيرة تستقر بين أحضان النيل الخالد والريَّاح التوفيقى.. كنا نجلس أمام المسجد من بعد صلاة العصر نلهو ونلعب ونتسامر انتظارًا لأذان المغرب.. وتصل الفرحة ذروتها مع انطلاق الأذان لننطلق فرحين لطعام الإفطار ونحن فى الطريق نرى موائد أهل القرية منصوبة فى الشوارع يقصدها القاصى والدانى فالقرية ليس بها غرباء وجميعهم الأب والعم والخال والأم والخالة والعمة وكنا نحتار أنا ورفاقى على أى مائدة نجلس فكلها متشابهة ومليئة بخيرات الله.

ونعاود الكرَّة أمام المسجد للحاق بصلاة المغرب ثم العشاء ثم ننتشر فى نزهات خلوية بين الحدائق نحكى حكايات قديمة لا نمل من تكرارها، والغريب أننا فى كل مرة نضحك عليها وكأنها مسرحية جديدة للزعيم عادل إمام أو الأستاذ فؤاد المهندس أو كومندان المسرح محمد صبحى.. ومع انتصاف الليل نذهب لنُخلد للنوم سويعات قليلة لنصحوَ على دقات المسحراتى حيث كنا ننتظره بالفوانيس المُضاءة بالشموع، ويا حُزنه بيننا الذى يغلبه النوم وتفوته زفة المسحراتى لنجلس طوال اليوم التالى نذكِّره بأنه لم يشاركنا فرحتنا.

ويتكرر المشهد يوميًا بحذافيره دون كلل أو ملل حتى تنتهى ليالى رمضان المباركة لنفرح بالعيد.

كل عام ومصر وأهلها وقيادتها الرشيدة بخير وأمن وسلام.. ومن العايدين يا رب العالمين.