في أزقة منطقة «أطفيح» الهادئة بجنوب الجيزة، حيث تشرق الشمس على وجوه ساعية، لم تكن الجريمة مجرد حادث عابر، بل كانت طعنة في قلب الإنسانية.
هي قصة «يوسف»، ذلك الشاب الذي لم يتجاوز ربيعه التاسع عشر، والذي خطّ بدمائه فصلاً مأساويًا عن الغدر والجشع. يوسف لم يُقتل مرة واحدة بحبل الجاني، بل قُتل مرارًا؛ حين استُدرج ببراءةً، وحين دُفن جثمانه غدرًا، وحين مات والده كمدًا على فراقه.
تفاصيل الواقعة الشنيعة كما بدأت من أحد شوارع أطفيح، وكيف مرت الدقائق منذ كان يسير فى الشارع، حتى تحول الى جثة هامدة ودُفن فى أرضية غرفة يسكنها القاتل. في السطور التالية.
يوسف لم يكن شابًا عاديًا يبحث عن الترف أو يلهو مع أقرانه؛ بل كان نموذجًا نادرًا للابن «البار بوالديه»، منذ أن كان في العاشرة من عمره، خلع يوسف ثوب الطفولة وارتدى عباءة المسئولية، كان الابن الصغير يرى والده يذبل يومًا بعد يوم تحت وطأة أو مرض «الفشل التنفسي»، ويرى أشقاءه الأربعة ينتظرون منه السند، فقرر أن يكون هو الحصن المنيع لهم.
سافر يوسف إلى القاهرة، عمل كفرد أمن في إحدى شركات مدينة 6 أكتوبر، لكن قلبه ظل معلقًا ببيته البسيط في أطفيح، في نهاية كل شهر، يحصل على إجازة مدتها خمسة أيام لا تنقص ولا تزيد، لم يكن يقضيها في الراحة، بل كان يستأجر «تروسيكل» يجوب به الشوارع باحثًا عن «الخردة» ويبيعها بجنيهات قليلة، ليوفر ثمن جلسات علاج والده ومصاريف إخوته، كان يوسف يرفض أن يشتري لنفسه أبسط الأشياء، حتى الهاتف المحمول الحديث كان يراه «رفاهية» عائلته أولى بقيمته.
كمين الموت
في فجر ذلك اليوم المشئوم، خرج يوسف كعادته، يصارع برد الصباح بقلبٍ دافئ بالرضا، كان ينادي بصوته العالي على شراء الأشياء القديمة، وحين وصل إلى منطقة «القبابات»، سمع صوتًا ينادي عليه، كان الجاني، «أحمد. ع»، البالغ من العمر 26 عاما، والذي كان يراقب يوسف بعينين أعماهما الإدمان والجشع.
طلب المتهم من يوسف الصعود إلى منزله بحجة معاينة كمية من «الخردة» لبيعها له، وبحسن نية، ركن يوسف «التروسيكل» أمام الباب وصعد مطمئنًا، وما أن دخل الشاب المسكين المنزل، حتى تحول الجار إلى «وحش بشري»، أغلق المتهم الباب، وانقض على يوسف، قيده وهدده باتهامه بالسرقة إن صرخ.
صمت يوسف، ليس خوفًا، بل رغبة في العودة لأمه ووالده المريض، عرض عليه كل ما يملك من مال في مقابل حياته، لكن الشيطان كان قد أحكم قبضته على رقبة المتهم.
بدم بارد، أحضر القاتل حبلاً بعد أن خارت قوى الشاب الصغير وسقط أرضًا يحاول أن يتنفس بصعوبة، وخنق يوسف به حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، لم يهتز له جفن وهو يرى روح الشاب تفيض إلى بارئها، بل سارع لدفنه تحت بلاط غرفته، تحت السرير الذي ينام عليه كأنه يستدعي جرائم عصابة ريا وسكينة في غابر الزمان! وعاش فوق جثته شهرين كاملين، يمارس حياته، يأكل ويشرب وينام، بينما رائحة الموت تملأ الأرجاء، ظنًا منه أن الأرض ستستر غدره للأبد.
عدالة السماء
مرت الأيام، وغاب يوسف، قلبت أسرته الدنيا بحثًا عنه، طرقت أبواب المستشفيات وأقسام الشرطة، لكن الصدمة الكبرى كانت في «بيت يوسف».
والده، الذي كان يوسف هو «نَفَسَه» الذي يستنشقه، لم يتحمل غيابه لأكثر من 10 أيام، انكسر قلبه، ومات حزنًا وكمدًا، ليلحق بابنه دون أن يعلم أنه مدفون على بعد خطوات منه.
بينما كانت الأسرة تعيش مأتمين، كان القاتل يظن أنه أفلت بجريمته، بدأ بتقطيع «التروسيكل» الخاص بيوسف إلى أجزاء صغيرة ليبيعها «خردة» قطعة قطعة، ليشتري بثمنها المواد المخدرة، لكن «عدالة السماء» تدخلت من حيث لا يحتسب. التقى المتهم بشابين يعملان في تجارة الخردة، وبسبب ارتباكه، عرض عليهما أجزاء المركبة، الشابان ارتابا في أمره، فأخفيا هويتهما وادعيا أنهما من محافظة أخرى، فباعهما الأجزاء.
حين ذهب الشابان لبيع هذه القطع لصاحب مخزن، كانت المفاجأة؛ فصاحب المخزن كان قد وضع «علامات سرية» على هذا التروسيكل تحديدا لأنه ملكه وكان يوسف يستأجره منه، في تلك اللحظة، انكشف المستور، وتوجه الجميع إلى قسم شرطة أطفيح لتنكشف خيوط أبشع جريمة شهدتها المنطقة ويلقى رجال المباحث القبض على المتهم وأحيل إلى النيابة التي اعترف القاتل أمامها بأنه مدمن شابو وآيس.
صرخات
بقلبٍ يقطر دماً، تتحدث الأم، رشا غباشي (38 عاماً)، قائلة: «يوسف كان سندي وظهري.. كان بيشيل عني الهم وهو طفل عنده 10 سنين، كان يقول لي يا أمي متخافيش أنا معاكي، حرمونا منه عشان شوية فلوس ومخدرات.. ابني راح وابوه راح وراه، البيت انطفى نوره».
أما جاره «أبو سريع»، فيقول بمرارة: «يوسف لم يعش يومًا طفولته مثل باقي الأطفال، كان بيشتغل شغلانتين عشان علاج أبوه، ملعونة المخدرات اللي تخلي واحد يقتل، إزاي قدر يعيش فوق جثته شهرين؟ يوسف مات وهو بيسعى على رزق حلال، وربنا مش هيسيب حقه وحتمًا القضاء سوف يقتص له من القاتل».
الذهان الاصطناعي
السؤال الذي يُثار الآن: لماذا يصل الإنسان لهذه الدرجة من الوحشية؟!، يفسر الدكتور علي عبد الراضي، استشاري الصحة النفسية قائلا: إننا أمام حالة من «الذهان الاصطناعي» الناتج عن تعاطي المخدرات التخليقية (مثل الآيس والشابو). هذه المواد تمحو الضمير الإنساني تماماً، وتجعل المدمن في حالة «عدائية مطلقة» تجاه المجتمع.
ويتابع الدكتور على عبد الراضي، القاتل هنا لم يقتل يوسف من أجل المال فقط، بل لأن المخدرات دمرت مراكز «التعاطف» في دماغه، مما سمح له بالعيش فوق الجثة دون أي شعور بالذنب أو الرعب.
العقاب المنتظر
من الناحية القانونية، أكد المحامي عبدالعزيز عزالدين قائلا: إن القضية ليست مجرد قتل بسيط، بل هي «قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد»، مقترن بجناية سرقة، المادة 234 من قانون العقوبات المصري تنص على أن القتل العمد إذا اقترن بجناية أخرى (السرقة في هذه الحالة) فإن العقوبة المقررة هي الإعدام، المتهم خطط، استدرج، نفذ، وأخفى الجثة، مما يؤكد توفر الركن المعنوي والمادي للجريمة في أبشع صورها.
اقرأ أيضا: مقتل رجل أعمال على يد نجل شقيقه بسبب الميراث

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







