أوراق شخصية

من يملك قرار الحرب؟

د. آمال عثمان
د. آمال عثمان


فى لحظةٍ يعلو فيها صوت الصواريخ فوق صوت العقل، ويخيم شبح حرب إقليمية قابلة للتحول إلى صراع عالمى يخلخل التوازن السياسى والاقتصادى للعالم. تتصاعد داخل الولايات المتحدة أصوات متباينة من نيويورك إلى كاليفورنيا، ومن أروقة الكونجرس، إلى صفحات الصحف الكبرى، ويبرز سؤال يمس جوهر النظام السياسى الأمريكي: من يملك قرار الحرب؟ الرئيس أم ممثلو الشعب؟

السناتور تيم كاين يقود محاولة لإحياء روح قانون وُلد من رحم حرب فيتنام، يهدف إلى كبح اندفاع السلطة التنفيذية نحو المغامرات العسكرية، ألا يكون إرسال الجنود إلى ساحات القتال قرارًا فرديًا، بل خيار مؤسسى تتحمل الأمة مسئوليته. إنها معركة دستورية عنوانها استعادة التوازن بين البيت الأبيض والكونجرس.

وفى السياق ذاته، لم يتردد زعيم الأقلية الديمقراطية فى مجلس الشيوخ، تشاك شومر فى القول «إن ترامب اختار الحرب دون أى استراتيجية أو هدف». عبارة تتجاوز حدود السجال الحزبي، لتكشف عن تقييم خطير لغياب الرؤية، ولإمكانية انزلاق أمريكا إلى صراع مفتوح بلا خطة واضحة أو هدف يخدم الأمن القومي.

ومن قلب نيويورك خرج زهران ممداني-أول مسلم يتولى منصب عمدة المدينة- مندّدًا بالضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، واصفًا إياها بأنها «منعطف خطير» وتصعيد كارثى فى حرب عدوانية غير شرعية. أما حاكم كاليفورنيا «غافن نيوسوم» فقد طرح سؤالًا أخلاقيًا صادمًا: لماذا نساند إسرائيل فى قتل أطفال المدارس؟ 

النقد لم يأتِ من الساسة وحدهم. فقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز افتتاحية شديدة اللهجة، وصفت فيها قرار ترامب بشن هجوم عسكرى على إيران بالتعاون مع إسرائيل بأنه متهور وغير مسئول مؤكدة أنه لم يقدم مبررًا مقنعًا، ولم يوضح أهدافه العسكرية، ولم يُشرك الكونجرس كما يقتضى الدستور. وذهبت الصحيفة أبعد من ذلك، مشيرة إلى ما اعتبرته تضليلًا للرأى العام بشأن نتائج ضربات سابقة استهدفت منشآت نووية إيرانية، وإلى التناقض بين وعوده الانتخابية بإنهاء الحروب وتدخلاته العسكرية فى عدة دول. هنا لا يقف الجدل عند حدود السياسة، بل يمتد إلى الذاكرة الأمريكية المثقلة بحروب طويلة فى الشرق الأوسط، وإلى رأى عام بات أكثر حذرًا من سرديات «الضرورة العسكرية» غير المكتملة..

إن أخطر ما فى الحروب ليس اشتعالها، بل اعتيادها. إطلاق النار أسهل من قرار النقاش، تكون الديمقراطية قد دخلت منطقة ظلٍّ لا تقل خطورة عن ساحات القتال نفسها.