يوميات الأخبار

من فرط البهارات .. أذوبُ!

كريم حامد
كريم حامد


قمة الدلع هى «الباسطيلا».. رقائق من فطائر صغيرة بالسمن البلدى محشوة بصدور حمام، مرشوش عليها قرفة ولوز مبشور وسكر، فأنت من شدة جمالها لا تدرى «هى إنس ولا جن؟؟ مالح ولا حلو؟!». 

السبت  قاهرة الباشوات

 مغرم متيم بوسط البلد، عابراً بين شوارعها القديمة ومبانيها العتيقة ـ متأملاً جمال تفاصيل العمارة فى شوارع سليمان باشا وعبد الخالق ثروت وعدلى وشريف، بعض من جمال نادر ينافس جمال حسناوات أوروبا، تركه مهندسون معماريون بارعون من إيطاليا وفرنسا واليونان وغيرها، ذكريات من أيام الملكية التى تلألأت فيها القاهرة كأجمل عواصم العالم حينها، أسماء المحلات ما زالت تحمل بعضاً من أسماء خواجات العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضى، الذين اختاروا «القاهرة الراقية» هرباً من الحروب فى أوروبا، مثل نيكولاكيس، شيكوريل، هانو، اكسلسيور، جناكليس، بابل، بايوكي، دلمار، جروبي، ستيفنسون، بابيك، وغيرها.

مازالت الشوارع تحمل فى ملامحها شيئاً من أناقة وعبق البهوات والباشوات، الذين طالما مروا من هنا قديماً، لكن محلات «المأكولات» الحديثة، وخاصة التى تحمل أسماء «شامية»، بدأت تنتشر بكثرة فى محيط وسط البلد، ساحبة البساط من محلات الملابس الراقية والأحذية الجلدية المنمقة التى اشتهرت بها المنطقة.

الأدهى هو حال ميدان التوفيقية، أو «ميدان عرابى باشا»، شىء مؤسف وحزين بكل معنى الكلمة، اعتداء على حرم الشارع وأرصفة المشاة، كل الموبقات تجمعت فى ميدان، أناشد وأتمنى من محافظ القاهرة د. إبراهيم صابر، أن يزور الميدان الذى طالما كان ممراً للملوك والباشوات والهوانم، ويرى حجم «الجريمة» فى المكان، آه لو عرابى باشا شافكم !! 

الأحد  حرماً يا حاج فتحى

توجهت لقسم شئون العاملين فى الأخبار لاستلم ورقة تخص قيمة التأمينات، التى من المفترض أن أسددها للدولة «بالدولار»، لأنى أعمل بالخارج، ومن الجريدة توجهت إلى إدارة التأمينات التى تتبعها فى وسط البلد.

 أتذكر هذا «المشوار»، كم كان ثقيلاً على قلبى، والإدارة فى منطقة العتبة، إذ كان مدخل العمارة داخل ممر، «غارقاً» فى مياه «غالباً» ليست نظيفة، ناهيك عن المرور بكم غير طبيعى من الباعة الجائلين العشوائيين، أما احتمالية السرقة فى كل هذا الزحام، فهو أمر النجاة منه إنجاز يكتب فى سجل إنجازاتك بكل تأكيد، أما الآن فالحمد لله الوضع أفضل نسبياً.

 دخلت المكتب.. قابلتنى سيدة بشوشة وحولتنى لموظف آخر لم يكن موجوداً على مكتبه «هذا طبيعى جدا» من خبراتى السابقة معهم، فى المرة السابقة اضطررت لانتظار موظف آخر  سأسميه مجازاً الحاج فتحى - كان فى «دورة المياه» للوضوء، وبعدها صلى الظهر، ثم استلمنى قائلاً: «أنت صحفى أليس كذلك؟» - وأكمل حديثه دون رد منى  «شايف الأستاذة اللى هناك دى، زميلتكم من جريدة أخرى، مدوخانى بقالها يومين».. اضطررت وقتها أن أرد: ليه حضرتك؟.

- نصيحة يا أستاذ.. احتفظ بالإيصالات اللى دفعتها فى الخمستا شر سنة الماضية ولحد ما تطلع معاش، وإلا هتدفع كل هذا مرة أخرى.. بكل أدب واندهاش فهمت إن الزميلة مضيعة الإيصالات، ورديت: حضرتك عايزنى احتفظ بالإيصالات 40 سنة وأكثر لحد ما أطلع معاش، الإيصالات دى يا أفندم ورقها لا يحتمل الصمود 40 أسبوعاً أصلاً، دى «بتبوش» لو وضعتها فى جيبى، ده ورق خفيف جداً، أنا اشتريت ملف مخصوص لها وبعاملها بكل احترام على أمل تنتظر معى لحد ما أرجع الجريدة فقط !!، وليه احتفظ بيها أصلاً ما حضرتك بتسجل فى الدفاتر وعلى الكمبيوتر؟.

- وافرض إن الدفاتر ضاعت أو اتحرقت مثلاً؟

- وحضرتك عايز تضيع الدفاتر وتحرقها وأنا احتفظ لك بيها!!! طيب ما فى سيستم وكمبيوتر حضرتك بتسجل عليه.

- سيستم؟، وأطلق ضحكة ساخرة متهكمة جلجلت فى أركان المكان المزدحم بالمراجعين الذين تعلو وجوههم نظرات السخط المكتوم.

- بلاش سيستم «يمكن بتزعل حضرتك».. أنا يا أفندم بدفع فى البنك وبيتم التحويل على حسابكم البنكي، ثم بتجبرونى بعد ما أدفع فى البنك إنى أجيب صورة من الإيصال وأرجع لكم مرة ثانية أصعد 3 أو 4 أدوار على السلم حتى أثبت لكم إنى دفعت!! ناهيك عن.. قال مقاطعاً بحدة: «شوف يا أستاذ أنا بقولك لمصلحتك وأنت حر.. إنت اللى هتدفع».

أحسست أن الحوار لن يجد نفعاً مع الرجل، لقد تربى وعاش عمره كله على «الإيصالات والدفاتر»، ولا نافع معه كمبيوتر ولا سيستم ولا تحويلات بنكية، ولا كل هذه «البدع»، فبادرته قائلاً: على كل حرماً يا حاج فتحى.. ربنا يعطينا ويعطيك طول العمر وأشوفك لما أطلع معاش.. وتمتمت فى سرى «فتحى.. ربنا يفتحها فى وشك يا شيخ»!!

الاثنين الأكل «مزاج»

 تواعدت اليوم مع مجموعة من الأصدقاء لتناول الإفطار الرمضاني، وتنوعت الآراء فى اختيار نوع الأكل والمكان، وبينما أصر صديق على «عزومة لحمة راس ونفوس»، رفضها آخر بصرامة لا رجعة فيها!

على طاولة الطعام تبادلنا الحديث عن عادات الأكل وغرابته من دولة لأخرى، الأكل «مزاج وثقافة» وعادات مجتمعية فى المقام الأول والأخير، تم توارثها، وما تجده أنت غريباً لدرجة النفور والسخرية، هو أكل لذيذ وشهى ومحبب لغيرك فى مجتمعات وثقافات أخرى، وما تجده أنت مستساغاً وعادياً قد ينفر منه الأخرون لدرجة الهرب من المكان، مثلما يحدث مع «الفسيخ» بالنسبة لبعض المصريين والأجانب!

فى شرق آسيا لديهم أطباق «أسوأ من الفسيخ وأضل سبيلاً»، هم يأكلون تقريباً كل ما يمشى على أربع ما عدا السيارات، وكل ما يحلق فى الجو ما عدا الصواريخ!! وفى أمريكا اللاتينية يتناولون النمل المقلى المملح أحلى من أى «مكسرات» تخطر ببالك.

الثلاثاء فى مطابخ العالم 

من أكثر الدول التى أحببت أكلها البوسنة والهرسك «بلد الجمال الطبيعى»، لديهم لحوم ومشويات رائعة بكل معنى الكلمة، والبوسنة لديها 104 أنهار فى ربوعها، أى كل شارعين تجد نهراً، والمراعى هناك طبيعية ولحوم لم أذق مثلها فى حياتى، تركيا لديها مطبخ قريب من المصرى، ولديها أكل شوارع متميز، خاصة كبدة الغنم المشوية على الفحم، ويستخدم الأتراك والطليان الباذنجان كثيراً فى مطبخهم.

أما إيران، فلديها خصوصية شديدة فى الأكل معتمدة على تاريخ حضارى عريق، والمزج بين الفاكهة والتوابل والزعفران مع المكسرات وأصناف اللحوم والخضراوات، أشهى أطباقهم خورشت السابزى «السبانخ بقطع اللحم المبهرة الصغيرة مع الفاصوليا الحمراء»، والباقلابلو «لحم الموزة بقطع البرتقال الكبيرة»، مع أصناف الأرز بالشبت والزعفران والرمان، والمشويات بأصنافها.

الأشقاء فى المغرب لديهم مطبخ شهى أيضاً، ما أجمل طبق لحم الضأن مع البرقوق المجفف والخضراوات بالفرن، والدجاج بالزيتون الأخضر، يستخدم المغاربة «القرع العسلى واللفت والزيتون» بكثرة فى أطباق عدة، أما قمة الدلع فهى «الباسطيلا»، عبارة عن فطائر صغيرة بالسمن البلدي، محشوة بصدور حمام أو دجاج أو جمبرى أو سمك «حسب الطلب»، ومرشوش عليها قرفة ولوز محمص مبشور وسكر، فأنت حقيقة من جمالها لا تدرى أهى طبق رئيسى أم حلوى؟، لكنها غير قابلة للوصف من فرط الروعة.

فى أسبانيا، الطبق الأشهر هو الأرز المبهر بالجمبرى والمحار «الباييلا» بتشديد الياء ومدها حتى الطرف الآخر من الأطلنطي، أما سويسرا وهولندا فلديهم «أجبان» رائعة المذاق، أغلبها بأسعار فلكية، ويطبخون أصنافاً من الجبن مع الكحول لتدفئتهم فى ليالى الشتاء الباردة.