أتوموبيل الفن

مدحت عبدالدايم يكتب: محمد عوض نجمٌ يُسخِّر فنه وسيارته للوطن

مدحت عبدالدايم
مدحت عبدالدايم


لا يستطيع الفنان محمد عوض أن يمر من أمام مسرح الريحاني دون أن يتوقف بسيارته، ويتوجه إلى الداخل ليصافح الممثلين والعاملين، ويستعيد ذكرياته بذياك المكان، وكيف كان يقف بالساعات أمام المسرح فى صباه مترقبًا لحظة خروج نجيب الريحاني لينعم برؤيته، وحينما يركب الحنطور يسارع بالجرى خلفه إلى مقر سكنه بعمارة الإيموبيليا، لم يكن يدرى أن الزمن سيدور دورته ليدخل المسرح ذاته من أوسع أبوابه، ليقف على خشبته مشاركًا فرقته أداء مسرحياته الخالدة، وليحل محل النجم "عادل خيري" كلما منعه مانع عن العرض من سفر أو مرض، وكانت الفنانة الكبيرة "ماري منيب" تقدر فنه وموهبته، ورأت فيه نبوغًا دفعها إلى تقديمه إلى رئيس الفرقة المؤلف "بديع خيري" فاقتنع بقدراته وضمه إلى فريق العمل لقاء سبعة جنيهات شهريًا، فيما تنازلت له عن جزء من دولابها الخاص ليضع فيه ملابسه ويقاسمها غرفتها.

ينتمى محمد محمد عوض يوسف إلى عائلة استقرت بمحافظة الشرقية، فيما ولد بحى العباسية فى 12 يونيو 1932، وتحمل أعباء أسرته بعد رحيل والديه، وبرزت موهبته التمثيلية أثناء دراسته للفلسفة بكلية الآداب بجامعة عين شمس والتى تخرج فيها عام 1956، وأسند إليه أستاذ الفلسفة الكاتب "أنيس منصور" بطولة مسرحيات الريحانى، فحققت إقبالًا كبيرًا ونجاحًا ملموسًا، شجعه على الاستعانة ببعض نجمات مسرح الريحانى أمثال: عقيلة راتب ومارى منيب، فيما أشرف الفنان سراج منير على إخراج تلك المسرحيات، فزاد الإقبال على المسرح من شباب الجامعات وعائلاتهم، وإلى جانب نبوغه المسرحى حصل على المركز الثانى بمسابقة الفلسفة على مستوى القطر المصرى، والتقى الفنان "فؤاد المهندس" بحكم انتمائهما إلى العباسية، وكان من نجوم مسرح كلية التجارة، فجمعهما حب الريحانى، ويحكى محمد عوض أنه كان يرافقه فى ذهابه إلى خطيبته "أم أولاده" وكانت تسكن فى فيلا نائية بآخر الحى، ولخوفه الشديد من الكلاب ومن الشوارع المظلمة إلا من مصباح واحد يكاد يضيء، كان فؤاد المهندس يحضر معه أكياس اللب والسودانى كنوع من التحفيز لمحمد عوض ليرافقه ذلك الطريق الموحش، إلى أن يصل إلى الفيلا، فيتركه ليعود بمفرده.

عمل بمسارح الإسكندرية فور تخرجه عام 1956 والتحق بالمعهد العالى للفنون المسرحية وحصل على دبلومه عام 1962، وعمل بفرقة "ساعة لقلبك للمنوعات" رفقة فؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولى وخيرية أحمد، وانطلق بسرعة الصاروخ، قبل أن ينتقل إلى فرقة الريحانى لأربع سنوات، ومنها إلى "فرقة ساعة لقلبك المسرحية" لعامين، وحين توقف نشاطها اتصل به عبد المنعم مدبولى ليجسد شخصية "عاطف الأشمونى مؤلف رواية الجنة البائسة" بمسرحية "جلفدان هانم" وبعد موافقة كاتبها "على أحمد باكثير" تمت صياغة الدور بشكل جعله بطلًا أساسيًا للعمل، ونجحت المسرحية نجاحًا مدويًا، وجابت بها الفرقة محافظات مصر، ونظرًا لاستحسان الجماهير للشخصية جاءت تسمية ابن الفنان محمد عوض "عاطف" بعد عادل وعلاء، وورث أولاده حب الفن رغم أنه لم يوجههم إليه، وانخرطوا بمجالات الإخراج والتمثيل وتصميم الاستعراضات، فيما انتقل نجم الكوميديا بعد شهرته إلى حى غرب القاهرة ليسكن بشارع طلعت، وسطع نجمه عبر الشاشة الفضية، فقدم خلال حقبة الستينات 34 فيلمًا، أبرزها: شجرة العائلة، نمر التلامذة، آخر شقاوة، مطلوب أرملة، المغامرون الثلاثة، حارة السقايين، الأصدقاء الثلاثة، أجازة بالعافية، شقة الطلبة، شهر عسل بدون إزعاج، المساجين الثلاثة، السيرك، يوم واحد عسل، الحب سنة 70، أصعب جواز" وشهدت حقبة السبعينات تألقه فى 28 فيلمًا، أشهرها: غرام فى الطريق الزراعى، شياطين البحر، مدرسة المشاغبين، الشياطين فى أجازة، البنات والمرسيدس، البحث عن فضيحة، باى باى يا حلوة، الأستاذ أيوب، احترسى من الرجال يا ماما، اخواته البنات، شيِّلنى وأشيلك" بالإضافة إلى اثنى عشر فيلمًا بحقبتى الثمانينات والتسعينات، أبرزها فيلم "آى آي".

لُقِب بخليفة الريحانى ونجم المسرح الواعد، وعُرِف بوطنيته الخالصة، وآمن بقدرة مصر على الصمود ومواجهة التحديات، وأثناء تنفيذ مشروع بناء السد العالى استقل قطار البضائع مع فرقته لعرض مسرحياته فى أسوان للمهندسين والعمال ولنحو عشر سنوات دون مقابل، وعرفت له الدولة والزعيم جمال عبد الناصر قيمة ما يقدمه فتم تكريمه، وحين داهمه المرض جراء العمل المضنى أرسل إليه وزير الإعلام الدكتور عبد القادر حاتم مجموعة من الأطباء بطائرة عسكرية لعلاجه، وفى نفس الليلة فوجئت جماهيره بصعوده إلى خشبة المسرح ليواصل تقديم عروضه المسرحية، وبخلاف 50 مسرحية للريحانى قدمها فى مستهل مشواره قدم نحو مئة مسرحية أخرى، وأنتج لكل زملائه من مختلف الأجيال، وامتلك 3 شركات إنتاج سينمائى، وكان سببًا فى دخول أفلام الفنان "شارلى شابلن" إلى مصر، وتوزيعها من خلال شركته.

ويرى محمد عوض: أن "مسارح التليفزيون خرَّجت كثيرين من نجوم المسرح والسينما" بقيادة الفنان سيد بدير وإشراف عبد القادر حاتم، وأنها تمثل العصر الذهبى للمسرح المصرى الحديث، حين كانت مسارح التليفزيون تنقسم إلى القومى، والحديث، والعالمى، وتجرى بروفات عشر مسرحيات فى وقت واحد، ضمن خطة قومية لاكتشاف المواهب ومساندتها، كرافد مهم لدعم الأعمال التليفزيونية فى المستقبل، وإحياء التجربة يحتاج إلى وجوه جديدة تمد الساحة الفنية وتجدد دماء الفن" ومن أبرز مسرحياته وأشهرها: "مطرب العواطف، أصل وصورة، قسمتى، العبيط، ولا العفاريت الزرق، الطرطور، سفاح رغم أنفه، راسب مع مرتبة الشرف، القاهرة 80، المهزلة، هات وخد، تلاعبنى ألاعبك، الدكتور زعتر، مراتى تقريبًا، تصبح على خير يا حبة عينى، كنت فين يا علي".

ويروى المخرج عادل عوض أنه كان يرافقه فى زياراته إلى جبهة القتال للترفيه عن الجنود فى أعقاب يونيو 1967 ويلتقى أهالى الجنود ويحمل فى سياراته الخاصة الأطعمة والفواكه والمياه التى يرسلونها إلى أبنائهم، وبتعليمات مباشرة من جمال عبد الناصر منحته الدولة "مسرح الزمالك" ليمارس دوره الفنى فى الجبهة الداخلية، ولأنه لم يكن يحكى عن عمله فى بيته كانت سيارته فيات 128 المكان المفضل للحوار مع أبنائه ونخبة من أصدقائه، أثناء تجواله فى شوارع القاهرة بعد الفراغ من العمل المسرحى الشاق، وكثيرًا ما كان يحكى عن روافد ثقافته الموسوعية، وحبه للفن، ولأقوال الفلاسفة، وفى مجال الدراما التليفزيونية نجح محمد عوض فى تقديم لونًا اجتماعيًا هادفًا من خلال مسلسلات عديدة أبرزها: "جواز البنات، الأبواب المغلقة، ماشى يا دنيا ماشى، برج الحظ، زهرة من بستان، حساب السنين، حدث فى بيت القاضى، أيام الغياب، ناس ولاد ناس، صور ملونة، البرارى والحامول، شيء من الحنان" ويعد الفنان حسن يوسف من أقرب الناس إليه، وظل ملتصقًا به إلى يوم رحيله فى 27 فبراير 1997 فيما كانت زوجته حب عمره وزميلة دراسته ولحقت به بعد أربعين يومًا من فراقه.