أوراق شخصية

أكاذيب فى ثوب القداسة

د. آمال عثمان
د. آمال عثمان


فى مواجهة سياسية تاريخية لا تخلو من رمزية، استطاع الإعلامى الأمريكى الشهير مايك كارلسون أن يفكك السردية الصهيونية، ويضع السفير الأمريكى لدى إسرائيل مايك هاكابى فى مأزق أخلاقى وسياسى غير مسبوق. المقابلة التى طلبها السفير بنفسه بدت أشبه بمحاكمة علنية كشفت زيف خطاب سياسى ودينى يُستخدم لتبرير الاحتلال.

اعتمد كارلسون على تكتيك تضييق الخيارات، الذى يقود الضيف إلى حائط مسدود: إما الاعتراف بحقائق محرجة، أو السقوط فى فخ التناقض المفضوح. وبينما حاول هاكابى أن يُلبس مشروع الاحتلال ثوبًا توراتيًا، ظهر متورطًا فى خطاب دعائى عارٍ من المنطق، وبدا اللقاء أقرب إلى «انتحار سياسى» للسفير الأمريكى.

الأكثر إثارة للجدل كان الادعاء بأن الله منح اليهود، وفق التوراة، أرضًا تمتد من البحر إلى النهر. غير أن كارلسون لم يتردد فى استدعاء النصوص ليُظهر أن هذا الطرح يضع المنطقة بأسرها تحت مظلة وعد إلهى مزعوم، ويفتح الباب أمام تبرير مشروع توسعى يبتلع الشرق الأوسط باسم النصوص المقدسة، وعندما سأله عن «حق إسرائيل» فى تلك الأرض، أجاب باندفاع غير محسوب: «سيكون جيدًا لو أخذوها كلها»، لم تمرّ الإجابة مرور الكرام؛ إذ أثارت غضبًا واسعًا فى العالمين العربى والإسلامى، ودفعت الإدارة الأمريكية إلى القول إنها «أُخذت خارج السياق».

الضربة الأقوى جاءت فى النقاش حول أصول بنيامين نتنياهو، الذى يحرص على تقديم نفسه وريثًا لحق توراتى فى فلسطين، لم يكن الحديث عن أصوله استدعاءً لتفاصيل عائلية عابرة، بل محاولة إضفاء بعدًا رمزيًا على فكرة «الانتماء» وشرعية الوجود. فبينما يحاول أن يرسخ صورة الزعيم الواقف على «أرض الميعاد»، يظل التاريخ شاهدًا على أن جذوره تعود إلى بولندا، شأن آلاف العائلات التى قدمت من شرق أوروبا فى إطار موجات الهجرة الصهيونية فى القرن العشرين.

كان السؤال بسيطًا لكنه قاتل: كيف يطالب زعيم بشرعية فى أرض لم يعرفها أسلافه؟ لم يجد السفير جوابًا مقنعًا، فبدا مرتبكًا، متلعثمًا، وكأن الأسطورة التى يروّج لها انهارت فى لحظة مواجهة مباشرة.

ما جرى لم يكن سجالًا إعلاميًا، بل انعكاس لصراع أعمق بين الحقيقة والأسطورة، بين التاريخ الموثّق والخطاب الدعائى. فالصحافة الحرة تظل السلاح الأهم فى مواجهة الأكاذيب التى تُلبَس ثوب القداسة، وفى كشف حقائق حُجبت لعقود خلف جدران البروباجندا، لأن الصراع على الأرض، فى جوهره هو صراع على الرواية: ومَن يملك القصة يملك التأثير فى الوعى العام.