محمود بسيوني يكتب: كيف يُصنع الأمل في مركز إصلاح وتأهيل العاشر من رمضان؟

الكاتب الصحفي محمود بسيوني
الكاتب الصحفي محمود بسيوني


بدعوة كريمة من وزارة الداخلية ومركز إصلاح وتأهيل العاشر من رمضان حضرتُ إحدى الندوات الدينية التي نظمتها الوزارة للنزلاء داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، بمناسبة قرب حلول شهر رمضان المبارك، والحقيقة أنها كانت فرصة طيبة لرؤية التطور الحاصل في هذه المراكز بعيدًا عن المبالغات أو محاولات التشويه.

الواقع يقول إننا أمام تجربة حقيقية لبناء إنسان جديد ينفذ عقوبته داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، ولمستُ تغييرًا في الشخصية وأسلوب التفكير ظهر أكثر في حواري مع بعضهم، أو من خلال الأسئلة الدينية التي طُرحت على الشيوخ الأجلاء الذين قدموا إجابات مفيدة ومهمة تتعلق بالشهر الكريم.

الندوة جاءت ضمن سلسلة فعاليات تستهدف تعزيز الوازع الديني، وترسيخ قيم التسامح والوسطية، وإعادة وصل ما انقطع بين الإنسان وضميره، بين الخطأ وفرصة التوبة، بين العثرة وإمكانية النهوض. وتحدث فيها نخبة من علماء الدين عن فضائل الشهر الكريم، وكان الحديث عن معنى الرحمة، وعن التوبة باعتبارها بداية لا نهاية، وعن القيم الإنسانية السامية التي يقوم عليها الإسلام: العدل، الإحسان، وصيانة الكرامة.

من أسباب الجريمة المعروفة غياب الوازع الديني والأخلاقي، وكثيرًا ممن قابلتهم كانت علاقتهم بالدين ضعيفة، بدأت في التشكل من جديد داخل المركز، ووفق البرنامج الموضوع لتنمية الجانب الروحي لدى النزلاء فهذه الندوات متكررة، واهتمام النزلاء بالعبادة يتنامى، وهي مسألة تتماس في الصميم مع معايير حقوق الإنسان ومبادئ نيلسون مانديلا الأممية لنزلاء أماكن الإصلاح والتأهيل.

هذه الندوة وغيرها من الأنشطة التي يمارسها النزلاء في مراكز الإصلاح والتأهيل هي دليل قاطع على عمق الفلسفة العقابية الجديدة في مصر، والانتقال من منطق العقوبة المجردة إلى منطق الإصلاح الشامل للشخصية.

ما لفت انتباهي أكثر لم يكن الكلمات فحسب، بل التفاعل. كانت هناك رغبة حقيقية لدى النزلاء في الإصغاء، في السؤال، في البحث عن معنى جديد للحياة خارج دائرة الخطأ. شعرت أن الرسالة وصلت: أن الدولة لا ترى في النزيل رقمًا في سجل، بل إنسانًا قابلًا للإصلاح، جديرًا بفرصة ثانية، وقادرًا على العودة إلى المجتمع عضوًا فاعلًا لا عبئًا إضافيًا.

لقد تحولت مراكز الإصلاح والتأهيل إلى مؤسسات تربوية وتثقيفية شاملة، تُعيد بناء الإنسان فكريًا وروحيًا، وتحترم كرامته، وتُهيئه لاندماج سويّ في المجتمع عقب انقضاء مدة العقوبة.

شهر رمضان، في رمزيته العميقة، ليس مجرد زمن للصيام، بل موسم للمراجعة، ونافذة للتصالح مع الذات، وحين تُدرك مؤسسة بحجم وزارة الداخلية هذه الدلالة، وتترجمها إلى سياسات عملية داخل مراكز الإصلاح، فإنها تُرسل رسالة مزدوجة: أن الدولة قوية بقانونها، رحيمة بفلسفتها، عادلة في ميزانها، فالدولة التي تُعيد تأهيل مواطنيها، وتفتح لهم أبواب الأمل، إنما تُحصّن مجتمعها من تكرار الخطأ، وتُحوّل العقوبة من نهاية طريق إلى بداية جديدة.