عندما يصبح «الوقت» هو سلاح الحرب الأول يكون السؤال المنطقى: كيف تُدار الأزمة؟
هناك لحظات لا تكون فيها الأزمة صراعًا بين «حرب» و«سلام»، بل صراعًا بين إيقاعين: إيقاعٌ يريد أن يُغلق النافذة سريعًا قبل أن تتغير موازين الردع، وإيقاعٌ يحاول أن يطيل النافذة لأن تأجيل القرار هو الشكل الأكثر أمانًا للبقاء، هذا هو جوهر المواجهة الأمريكية - الإيرانية الآن: واشنطن تتحدث عن مهلة قصيرة وقرار قريب، وطهران تحاول أن تحوّل المهلة إلى مساحة تفاوض- أو على الأقل إلى مساحة تمنع الضربة من أن تبدو «ضرورية» فى نظر الداخل الأمريكى والحلفاء.
ووفق ما نشرته وول ستريت جورنال عن «نافذة الأيام العشرة»، نحن أمام نموذج أمريكى لا يقول صراحة إنه ذاهب إلى الحرب، لكنه يضع الحرب داخل التفاوض كأداة ضغط: ضربة محدودة أولًا، ثم تصعيد تدريجى إن لم يحدث «امتثال» بالمعنى الذى تريده واشنطن، الفكرة هنا ليست تفوق القوة، بل رسالة تقول لطهران: إن التنازل ليس خيارًا، بل هو تكلفة أقل من سلسلة ضربات يمكن توسيعها خطوة خطوة.
الحشد العسكرى الأمريكى الذى يتشكل حول إيران ليس «خلفية» للتهديد؛ هو التهديد نفسه فى صورته المادية، تقارير متقاطعة فى فاينانشال تايمز ورويترز تتحدث عن نشرٍ سريع لحاملات طائرات، وطائرات تزويد بالوقود والنقل، وطبقات دفاع جوى مثل باتريوت وثاد، بما يجعل الصورة أقرب إلى حشدٍ مُعدٍّ لعمليات ممتدة لا لمجرد استعراض.
المقارنة التى تتكرر فى هذه التقارير- وهى مقارنة ثقيلة سياسيًا- أنه أكبر حشد فى المنطقة منذ مرحلة ما قبل غزو العراق، لا من حيث العدد فقط، بل من حيث «نوع» الأصول التى تعنى استعدادًا لضربات متعددة الموجات وقدرة على البقاء فى الميدان لفترة طويلة.
والأهم أن هذا الحشد يعيد تشكيل حسابات القرار عند الطرفين فى آنٍ واحد، فى واشنطن كل يوم يمرّ بعد نقل هذه المنظومات يزيد كلفة التراجع، لأن القوة حين تُدفع إلى المسرح لا تُترك بلا وظيفة بسهولة؛ وإلا بدا القرار السياسى وكأنه تراجع تحت الضغط، وفى طهران كل ساعة وجودٍ لهذه «الكتلة» القتالية قربها تُترجم إلى سؤال داخلى عن الردع: هل هذا حشد لفرض اتفاق بشروط قاسية، أم لتجهيز ضربة تُصاغ كأمر واقع ثم يُطلب من إيران أن تتعايش معه؟ هنا يصبح الوقت فعلًا سلاح الحرب الأول: ليس لأن الضربة ستقع غدًا بالضرورة، بل لأن الإحساس بأن الضربة «ممكنة فى أى لحظة» يضغط على الأعصاب، ويُقصّر مساحة المناورة، ويجعل سوء التقدير أقرب مما تظن العواصم وهى تقيس الأمور على الورق.
لكن ما يجعل هذا النموذج خطيرًا أنه يخلق على الطرف الآخر معادلة تكاد تكون مستحيلة: كيف ترد إيران بما يكفى لتُثبت الردع، دون أن تعطى مبررًا لتوسيع الضربة؟ لأن الرد الضعيف يُفهم كضعف، والرد القوى يُفهم كتصعيد، وهكذا تتحول «الضربة المحدودة» إلى فخّ سياسى للطرفين: واشنطن تدخلها لأنها تبدو أقل كلفة من حرب شاملة، وطهران تُستدرج إليها لأنها لا تستطيع سياسيًا أن تتصرف كما لو أن شيئًا لم يحدث، فى هذا النوع من الأزمات لا تكون المشكلة فى الرصاصة الأولى، بل فى تفسيرها: كل طرف سيقرأها كدليل على نوايا الآخر، ثم يبنى عليها خطوة جديدة قد تكون أكبر مما كان يقصده أصلًا.
الإشكالية الكبرى - وهى التى لا تحسمها القوة الجوية- تتعلق بما بعد الضربة، لا بالضربة نفسها، هنا تأتى أهمية ما طرحته وول ستريت جورنال فى تقريرها عن سيناريو سقوط رأس النظام: لا يوجد «بديل جاهز» بالمعنى الذى يجعل الحسم العسكرى نهاية واضحة، المعارضة مشتتة، الداخل يُقمع بسرعة حين تظهر قيادات، الخارج منقسم على الأسماء والبرامج، واحتمال أن يملأ الفراغ جناح أشد تشددًا أو أن تنزلق البلاد إلى فوضى مؤسساتية أى أن فكرة «الضربة القاضية» تحمل معها سؤالًا ثقيلًا: هل تُسقط خصمك أم تُسقط معه الدولة؟
وهنا تحديدًا تقع «الخيارات الصعبة» لطهران فى نقطة مؤلمة: التفاوض فى صورته القصوى يبدو كتنازل يمسّ جوهر العقيدة الأمنية للنظام - التخصيب، الصواريخ، شبكة النفوذ- لكن الرفض الكامل يفتح الباب أمام مسار ضغط قد يتحول إلى استنزاف طويل لا يملك النظام ضمانات تحمّل كلفته داخليًا، لذلك تميل الأنظمة فى هذه اللحظة إلى خيار ثالث اسمه «شراء الوقت»: تقديم ما يكفى لإبقاء المسار الدبلوماسى حيًا دون تقديم ما يكفى لإغلاق الملف إلا أن شراء الوقت لا ينجح عندما يكون الطرف الآخر قد قرر أصلًا أن الوقت ضدّه، وأن أى تأخير يعنى أن خصمه يراكم أوراقًا جديدة.
وإذا كانت طهران تفكر بعقل الدولة، فهى تعرف أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تنقل المعركة من «ملف نووي» إلى «سوق طاقة» وإلى «ممرات بحرية» وإلى «قواعد منتشرة» هذا النوع من التوسّع لا يحتاج قرارًا مركزيًا حتى؛ يكفى سوء تقدير فى حادث بحري، أو ردّ من وكيل، أو ضربة تُخطئ هدفها فتفتح بابًا لا يمكن إغلاقه بسهولة وفى المقابل، إذا كانت واشنطن تفكر بعقل القوة العظمى، فهى تعرف أن أى مواجهة مع إيران ليست مع إيران وحدها؛ إنها مواجهة مع جغرافيا كاملة- قواعد، أساطيل، منشآت طاقة، وشركاء إقليميين- تجعل «الضربة المحدودة» قابلة للتحول بسرعة إلى حرب لا يريدها أحد لكنها تقع لأن أحدًا لم ينجح فى إيقاف السلم التصاعدي.
هنا تتبدّى الصورة كما تراها الصحافة الغربية فى خطوطها العريضة: ليست أزمة «اتفاق» فقط، بل أزمة «هندسة قرار» عندما يقال إن القرار خلال عشرة أيام، فهذه ليست معلومة زمنية بقدر ما هى ضغط نفسى على طهران وعلى الحلفاء وعلى الداخل الأمريكى معًا وعندما يقال إن البدائل بعد سقوط النظام ضيقة وخطرة، فهذه ليست فقط قراءة للمعارضة؛ إنها تذكير بأن أقصى القوة لا تساوى دائمًا أقصى السيطرة على النتائج.
فى رأيي، إيران لا تُختبر اليوم فى قدرتها على الصمود فقط، بل فى قدرتها على إعادة تعريف «البقاء»: هل البقاء هو التمسك بكل أدوات الردع مهما كان الثمن، أم الحفاظ على الدولة من الانكسار حتى لو تراجعت بعض الأدوات؟ هل البقاء يعنى منع الحرب بأى ثمن، أم خوض اشتباك مضبوط يرفع كلفة الخصم دون فتح باب الخراب الشامل؟ هذه هى الأسئلة التى تحدد إن كان النظام سيخرج من هذه المرحلة أقلّ صلابة وأكثر قابلية للتآكل، أم أنه سيعيد إنتاج صلابته عبر صدمة جديدة يدفع ثمنها المجتمع والاقتصاد معًا.
وما يجعل هذه اللحظة مختلفة أن «اللغة» نفسها تغيّرت: التهديد ليس مجرد تهديد، بل توقيت؛ والتفاوض ليس مجرد تفاوض، بل مسرح يُدار تحت ظل قوة تتحرك على الأرض والبحر لذلك، قد يكون العنوان الحقيقى لما يجرى ليس: هل ستُضرب إيران؟ بل: هل يستطيع الطرفان منع الأزمة من أن تتحول إلى سلسلة قرارات لا رجعة فيها؟ لأن الحروب الكبيرة كثيرًا ما تبدأ بهذه الطريقة: قرارات صغيرة تبدو معقولة فى لحظتها ثم تكتشف أنها كانت أول درج فى سُلّم لا ينتهي.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







