فى لحظةٍ نادرةٍ يتقاطع فيها الفن مع الضمير الإنسانى، وتختلط الشعارات الأخلاقية بحسابات القوة والنفوذ، سجّلت المخرجة التونسية كوثر بن هنية موقفًا استثنائيًا، انتزع الفن من دائرة المجاملات الدبلوماسية والوجاهة الثقافية، ودفع به إلى ساحة المواجهة المباشرة، ورسّخ دور السينما كمنصة مقاومة، وقوة أخلاقية لا تكتفى بسرد الحكايات، بل تملك شجاعة مساءلة الواقع، ومواجهة رواياته الزائفة.
فى قلب برلين، المدينة المثقلة بذاكرة تاريخية تجاه قضايا العدالة والحرية، فجّرت كوثر بن هنية واحدة من أكثر اللحظات إحراجًا للمشهد الثقافى الدولى، حين رفضت تسلّم جائزة «أكثر فيلم قيمةً» فى مهرجان «السينما من أجل السلام» احتجاجًا على تقسيم الجائزة بينها وبين الجنرال الإسرائيلى السابق «نوعام تيبون»، عن فيلم «الطريق بيننا»، حول إنقاذه لأسرته خلال عملية «طوفان الأقصى»، هكذا تحوّل فوز فيلمها «صوت هند رجب» من مناسبة احتفالية إلى محاكمة سياسية وإنسانية لمنظومة دولية تتغنّى بالسلام، بينما تمنح آلة القتل شرعيةً، وتعيد إنتاج العنف عبر سرديات مضللة تجرّد الضحايا من إنسانيتهم.
جاءت كلماتها أشبه بصفعة أعادت تعريف معنى السلام ذاته، وكشفت التناقض الذى يهيمن على الخطاب الدولى، وقالت: «ما حدث للطفلة هند رجب ليس حادثًا عابرًا، بل إنه جزء من إبادة جماعية، وانعكاس لمنظومة عنف تحظى بغطاء سياسى وإعلامى».
وبدا المشهد أكثر إثارة فى ظل حضور شخصيات سياسية وفنية بارزة مثل هيلارى كلينتون والممثل كيفن سبيسى. هكذا، جعلت المخرجة التونسية السينما فى مواجهة مباشرة مع السلطة السياسية، كما وضعت المبادرة السينمائية أمام اختبار مصداقية حقيقيّ، وأعادت طرح سؤال جوهرى حول مصداقية الفعاليات الدولية، حين تتحول المنصات الثقافية إلى ساحات لتلميع مواقف سياسية تفتقد العدالة.
وبذلك أعادت توجيه بوصلة الحدث نحو جوهره الإنسانى، مؤكدة أن السلام لا يمكن أن يكون خطابًا تجميليًا يُستخدم لتلميع الانتهاكات، فالعدالة ليست خيارًا تجميليًا، بل شرط جوهرى لأى سلام حقيقى ومستدام، والفنان، حين يصمت عن الظلم، لا يقف على الحياد؛ بل يتحول، بقصد أو بغير قصد، إلى شريك فى استمراره. وتحويل المآسى إلى خلفية لاحتفالات منمّقة هو شكل آخر من أشكال التواطؤ، فالعدالة شرط جوهرى لأى سلام حقيقى ومستدام.
لقد اختارت «بن هنية» أن يكون الفن موقفًا، وأن تكون الجائزة سؤالًا لا وسامًا، ومن هنا كان رفض الجائزة موقفًا شجاعًا، يفضح محاولات استخدام الفن كوسيلة لتبييض السمعة السياسية، فالسلام ليس عطرًا يرش فوق القتل والإبادة لتجميل الصورة.

محمد علي السيد يكتب: الأسرى.. عبيد وألات.. وفي الإسلام بشر
شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»







