عاش العالم خلال خمسة أشهر، على وقع مشروع أمريكى لمحاولة تشكيل الوضع فى قطاع غزة، بعد عدوان إسرائيلى غير مسبوق، ليس فى مدته التى تجاوزت أكثر من عامين ونصف العام فقط، ولكن أيضًا فى توابعه التى خلفت كارثة طالت البشر والحجر، ففى سبتمبر الماضى أعلن الرئيس الأمريكى ترامب خطته للسلام، وتضمنت تشكيل أربعة هياكل، بأسماء فخمة خصصت لإدارة المرحلة الانتقالية، وكأن غزة، تتجاوز فى خطورتها الحرب فى أوكرانيا، أو الأزمة الإيرانية، أو حتى الوضع فى فنزويلا، فنحن أمام تشكيل (لمجلس السلام العالمى) برئاسة ترامب شخصيًا، ويضم عددًا من قادة دول العالم، سيعقد أول اجتماعاته غدًا الخميس، فى معهد ترامب للسلام فى العاصمة واشنطن، (ومجلس غزة التنفيذى) ويضم عددًا من كبار المسئولين فى دول العالم، وكذلك (لجنة التكنوقراط الفلسطينية) أو اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهى مسئولة دوليًا عن إدارة شئون أهل القطاع، وتضم ١١ شخصية فلسطينية وبدأت عملها منتصف الشهر الماضى من مصر، وأخيرًا (قوة الاستقرار الدولية)، وهو يمثل فى حقيقته الأمر فرض وصاية دولية كاملة عليها، دون تقديم أى أفق سياسى لتحقيق السيادة والاستقلال، أو إقامة دولة فلسطينية، ومع ذلك وخلال تلك المدة ، فالمحصلة صفر، فنحن أمام (ضجيج بلا طحين)، (ترويج لإنجازات ليس لها أى أثر أو وجود على أرض الواقع)، بل على العكس، فالأمور تسوء أكثر وأكثر، ففى الوقت التى تتحدث فيه الإدارة الأمريكية عن مجلس السلام العالمى، والمليارات الموعودة لتعمير قطاع غزة، نجد أن إسرائيل مستمرة فى فرض واقع على الأرض، يتناقض مع الآمال والأوهام المطروحة، وسأتوقف عند مظهرين للتدليل على ذلك وهما كالتالى:
الأول: لم تكتف تل أبيب برفض دخول أعضاء اللجنة الوطنية لبدء ممارسة عملها، وبقائها حتى الآن فى القاهرة، رغم التوافق الدولى على أسمائها، وضرورة الإسراع فى وجودها فى القطاع،، فأحد أهداف نتيناهو إبقاء الملف غزة، حتى لا يكون مطالبًا بالذهاب إلى مسار سياسى حقيقى، فاللجنة تمثل عنوانًا مختلفًا، بإرادة دولية، بديلة عن حماس، التى تستخدمها كذريعة لإبقائها فى القطاع، بل زادت الأمور سوءًا، عندما سمحت بالعودة وبشكل محدود وقيود متعسفة لأعداد محدودة من خلال معبر رفح الذى تحتله إسرائيل منذ مايو العام قبل الماضى، رغم أن هناك الآلاف من الفلسطينيين والجرحى والمرضى على القائمة، فالمسموح فقط دخول نحو ١٠٠ إلى ١٥٠ شخصًا يوميًا، وخروج ٣٥٠ فردًا، تحت رقابة أمنية عبر منفذ خاص، ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل افتعلت أزمة (أختام) الدخول والخروج للفلسطينيين، بعد أن أعلن مكتب نتنياهو الأسبوع الماضى، أنها لن تقبل بختم السلطة الفلسطينية، كما سبق له أن اعترض على الختم المقدم له من اللجنة الوطنية لإدارة غزة، لأنه يشبه شعار السلطة، حيث يرفض أى ارتباط بينهما، أو لعب أى دور للسلطة، وطالب بختم مجلس السلام، رغم أنه كيان بلا ملامح، (أزمة الأختام) بدأت بملاحظة قدمها رئيس جهاز الأمن العام الشاباك ديفيد زينى للمجلس الوزارى المصغر، تحولت إلى مكايدة سياسية، وصراع انتخابى، مما دفعها إلى هذا الإجراء، للمزايدة على المعارضة.
الثانى: مصادقة الحكومة الإسرائيلية على قرارات المجلس الوزارى المصغر للشئون الأمنية والسياسية، والتى تعنى (تشييع) ما بقى من اتفاق أوسلو، وإغلاق الباب أمام أى تسوية سياسية، أو قيام دولة فلسطينية، والتى تستهدف تفكيك منظومة حماية الملكية الفلسطينية، وتفتح الباب واسعًا أمام تملك المستوطنين دون أى قيود، مع نقل صلاحيات التخطيط والبناء فى أماكن حساسة لدى الفلسطينين، إلى الإدارة المدنية التابعة للجيش الإسرائيلى، فى مدينة الخليل ومحيط الحرم الإبراهيمى، وفى بيت لحم، وتوسيع صلاحيات الرقابة والإنفاذ الإسرائيلى، لتشمل مناطق (أ و ب) الخاضعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، حسب اتفاقية أوسلو ٢، بينما تقع منطقة (ج) تحت سيطرة إسرائيل بالكامل، وتمثل ٦٠ بالمائة من مساحة الضفة، والتى تتعرض خلال الفترة الحالية، إلى تنفيذ عمليات هدم ومصادرة واسعة، وستزيد وتيرتها، القرارات تعنى إعادة احتلال إسرائيل للضفة، دون إعلان، وسحب كافة الصلاحيات من السلطة الوطنية، ويكفى أن مجلس المستوطنات، وصفها بأنها الأهم منذ ٥٨ عامًا، وأعلن أن أرض إسرائيل تعود إلى الشعب اليهودى، كل ذلك البيت الأبيض دوائر الحكم فى واشنطن، وكأن الأمر لا يعنيهم.
وهكذا، هناك انفصال تام بين مخطط إسرائيل على الأرض، لتصفية القضية الفلسطينية، وإقامة دولة إسرئيل الكبرى، وبين تحركات الكيانات الأربعة، التى تواجهه هى أيضًا صعوبات، مثلًا مجلس السلام العالمى يواجه بانتقادات واسعة، آخرها من أوروبا، أثناء مؤتمر ميونيخ للأمن أوائل هذا الأسبوع، فى الجلسة التى تم تخصيصها لمستقبل غزة، قوة الاستقرار الدولية - من جهة أخرى - أعلنت دول عديدة رفضها المشاركة، وحتى التى وافقت، فقد طرحت شروطًا عديدة، وآخرها إندونيسيا وفقًا لبيان أخير من وزارة الخارجية، ووصل عددها إلى ١٢ شرطًا، كما أن خطة تعمير القطاع، والتى أعلن ترامب عن حصوله على تعهدات بأكثر من خمسة مليارات دولار، نجد وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان يقولها بصراحة ووضوح، (لا نستطيع الالتزام بتمويل إعادة الإعمار، قبل اتضاح معالم الانسحاب الإسرائيلى ونزع سلاح حماس، وتنفيذ الجميع ببنوده الـ ٢٠)، والأغرب أن واشنطن تتحدث عن غزة مستقبلها، وتعميرها، وشكل اليوم التالى، دون أى إشارة لها، فى ميثاق تأسيس المجلس الذى يتعامل مع غزة، كمنتجع سياحى ومركز تقنى، يدر المليارات.
حقيقة الأمر، أننا أمام (فقاعة من الأوهام)، كما وصفها مصطفى البرغوثى الأمين العام للمبادرة الفلسطينية، فعلينا أن نقر حق شعب غزة فى مقاومته، طالما استمر الاحتلال، ونحن لسنا أمام مشروع عقارى، يروج له كوشنر وشركاؤه بل حلم شعب يتوق إلى نيل حريته، وحقه فى تقرير مصيره، وإقامة دولته على أرضه، وفقًا للقرارات الدولية وعاصمتها القدس الشرقية.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







