رحلة طه حسين مع مراعاة ظروفه الصعبة ومعاناته ومعالجاته، إنما تقدم قصة التقاء الشرق بالغرب.
هذا مجلد يقع فى أكثر من 300 صفحة من القطع الكبير، أصدره المركز القومى للترجمة عن الدكتور طه حسين، عنوانه: طه حسين من الأزهر إلى السوربون، ألفه بالفرنسية وترجمه للعربية الدكتور عبد الرشيد الصادق محمودى.
ويعترف صاحب الكتاب أنه ألفه باللغة الإنجليزية كرسالة للدكتوراه 1995، ويقول إنه قرر أن يدرس طه حسين كوسيط بين الثقافات، ولذلك بدأ يبحث عن بذور النزعة الحداثية والإنسانية فى تعليمه. فلما أقدم على هذا البحث وانهمك فيه، وجد أن اهتمامه يتحول بالتدريج، وعلى نحو تلقائى إلى تعليم طه حسين فى حد ذاته.
إن رحلة طه حسين مع مراعاة ظروفه الصعبة ومعاناته ومعالجاته، إنما تقدم قصة التقاء الشرق بالغرب، أى التقاء ثقافته العربية الإسلامية كما تلقاها بالأزهر الشريف، والثقافة الغربية كما تلقاها فى الجامعة المصرية وفى السوربون.
يعترف أنه كان حريصاً على أن تكون الترجمة للغة العربية دقيقة وموضوعية، ويشكر مؤنس طه حسين نجل طه حسين الذى كان دائماً ودوداً ومستعداً للإجابة على كل الاستفسارات بشأن والده، وللمستعرب الفرنسى دانييل ماسينون، والدكتور إدموند بوزورس الذى أشرف على الرسالة، وكانت معاونته العلمية والمعنوية ذات أهمية فى وصول البحث لنهايته السعيدة.
ويقول إن اضطلاعه بترجمة الرسالة من الفرنسية للعربية لن يكون مهمة بالغة الصعوبة، وسرعان ما تبين له كم كان واهماً، ولكنه بعد أن خاض غمار التجربة لم يستطع التراجع، وكان عليه أن يتجرع الكأس مُرَّة حتى آخرها. وكم كانت سعادته غير عادية عندما بعث بالكتاب إلى المطبعة.
شوقٌ إلى العالم
وحسب ما جاء فى الكتاب، وما عرفناه فى حياتنا أن طه حسين وُلِد 1889 فى عزبة الكيلو بالقرب من مغاغة بمصر الوسطى لأسرة متواضعة الحال كثيرة الأبناء، وفقد بصره فى سنٍ مبكرة. وإن كان فى الهامش يحدد أن فقده لبصره كان بين الثالثة والسادسة من عمره. وكانت الفرص التعليمية المتاحة له محدودة جداً. فقد ذهب إلى الكتاب وحفظ القرآن فى سن التاسعة.
وكان من الممكن أن ينتهى تعليمه عند ذلك الحد، وأن يكسب رزقه طيلة حياته كمقرئ للقرآن، ولكن كان من حسن حظه أن أباه أرسله وهو فى الثالثة عشرة من عمره إلى القاهرة ليطلب العلم فى الأزهر الشريف، وكان أقصى ما يتمناه والده أن يحصل على شهادة العالمية التى تؤهله للتدريس فى الجامعة الجليلة، مع كل ما يترتب على ذلك المنصب من مزايا مادية ومعنوية. غير أن طه لم يحقق آمال أبيه.
الجامعة الأهلية المصرية
فى سنة 1908 التحق طه حسين بالجامعة المصرية أو الجامعة الأهلية كما كانت تسمى عند افتتاحها، وتفرغ بعد فترة لهذه الدراسة الجديدة تفرغاً كاملاً. ثم فاز بمنحة بالدراسة فى فرنسا. وفى سنة 1917 حصل من السوربون على الليسانس فى الآداب، وبعد ذلك بعام منحته السوربون دكتوراه الجامعة عن الرسالة التى أعدها عن رسالة ابن خلدون الاجتماعية. وفى سنة 1919 اختتم دراسته فى الجامعة الباريسية دبلوم الدراسات العليا فى التاريخ القديم.
إن مسيرة طه حسين من كُتَّاب القرية إلى السوربون باهرة فى حدة ذاتها. فهى تدل على قدرته فى تلك المرحلة على أن يُعبر ما وصله أندرييه جيت وهو أديب فرنسى معروف عندما قال إن الهوة الضخمة التى تبدو مستعصية على العبور فيما بين بدايات طه حسين ككائن لا يرى، وبين إنجازه المجيد، تبدو مثيرة للدهشة والإعجاب.
الأيـــام
إن كل هذه المعانى نجدها كامنة فى مستهل عمله الجميل، والذى عرفناه به: الأيام. ففى هذا المشهد يحدد النغمة الأساسية للكتاب ككل. يستدعى طه حسين فيه أهم ذكرياته المبكرة، فيقول: إذا كان قد بقى لى من هذا الوقت ذكرى واضحة بيِّنة لا سبيل إلى الشك فيها، فإنما هى ذكرى هذا السياج الذى كان يقوم أمام القصب، والذى لم يكن بينه وبين باب الدار إلا خطواتٍ قصيرة. فهو يذكر هذا السياج كأنه رآه أمس. ويذكر أن قصب هذا السياج كان أطول من قامته، فكان من العسير عليه أن يتخطاه إلى ما وراءه.
وإن كان إدراك الطفل فى هذه السن المبكرة عند استخدام العقل يمكن أن يُعوِّض عن قصور البدن، فيلغى المسافة التى تفصل بينه وبين الغير، ويوسع بذلك حدود عالمه. إن هذا هو الأساس الذى قام عليه مشروع تعليمه بأكمله. بل رحلة حياته نفسها، ففى نفس اللحظة التى تحقق فيها ذلك الاكتشاف الكبير انفتح إليه طريق الخروج من محبسه. ومن هنا استوعب كل ما كان باستطاعة البيئة الريفية أن تقدمه داخل الكتاب أو خارجه من معارف شفوية، بما فى ذلك القرآن والقصص والأشعار الشعبية والتعاويذ السحرية وتعديد الريفيات.
الإحساس بالعُزلة
يكتب صاحب الكتاب أن نقطة البداية فى قصة حياة طه حسين هى وعيه الأساسى الحاد بالعُزلة القاسية، وما اقترن بذلك برغبة لا تقل حدة فى تخطى الحواجز والتحرر ودخول العالم الرحب. وعلى ذلك الأساس تضمنت رحلة طه حسين عدداً من الاختراقات بالمعنى الدقيق للكلمة. وكان أولها اكتشافه للتعليم كوسيلة للنفاذ إلى العالم.
وقد كان لأحمد لطفى السيد دور حاسم فى تقدم تفكير طه حسين فى هذا الاتجاه، فهو الذى علَّم طه أن لمصر ذاتية أبدية أبعد غوراً وأوسع مدىً من انتماءاتها الراهنة. كما كان أستاذ الجيل هو الذى علَّم الفتى الأزهرى المتمرد أن العلم الحديث والحضارة الغربية يمكن أن يستقبلا دون تقيُّد مجموعة من النصوص حتى لو كانت دينية. وكان هو الذى أوحى له بتعبير مزاج معتدل من الثقافتين. ولم يستطع طه حسين تحقيق هذا المثل إلا بعد ذلك بسنواتٍ طويلة.
ثم يصل طه حسين إلى فرنسا حيث توجد منابع الفكر الوضعي، وهكذا افتتح مرحلة جديدة فى تاريخ اهتمامه بالوضعية. وقد استمرت جهوده التوفيقية لوقتٍ طويل، حاول أن يوفق بين ما كان وما وصل إليه.
دروس طه حسين
كثير هى الدروس التى يمكن استخلاصها من رحلة طه حسين كما وُصِفَت فى هذا الكتاب. ولكن لنقتصر على النتائج الرئيسية فيما يتعلق بمحاولة طه الجمع والتوفيق بين ثقافتيه على أسس حداثية وإنسانية. لقد شق هذا المفكر العظيم طريقه وسط ظروفٍ صعبة ومتداخلة. لأنه كان يعرف ما يريد.
وفى تصورى رغم أن هذه الكتابة متأخرة عن صدور الكتاب بسنوات طويلة، أن ترجمة هذا الكتاب عمل شديد الأهمية، حتى نُدرك ماذا فعل طه حسين؟ وماذا قدَّم للثقافة العربية؟.. أعجبنى فى هذا الكتاب كثيراً جداً أن فى آخره صفحات كاملة ترصد مؤلفات طه حسين بالعربية والفرنسية وأماكن وتواريخ صدورها. وذلك مهم جداً للأجيال الطالعة التى لم تُعاصر هذا العبقرى العظيم.
إن متابعة حكاية طه حسين تجعلنا فى الوطن العربى نحاول أن نتخذ موقفاً أقرب إلى الواقعية من الغرب، وأن نكون أكثر تحلياً بروح النقد. فلا غنى لمصر ولا للعالم العربى عن استقبال علوم الغرب وثقافته. ولكن لا ينبغى أن يكون لديهما أى أوهام عن وجود وفاق أساسى مع أوروبا.

السيد النجار يكتب: ومـاذا عن..؟
حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين







