هوامش

ما صفت القلوب إلا بعد كدر

حمدى رزق
حمدى رزق


يصدق العنوان أعلاه، وهو مثل عربى عميق المغزى، على الحفاوة المصرية بزيارة الرئيس التركى « رجب طيب أردوغان» نهاية الأسبوع الماضى، خطوة عزيزة، وكرم مصرى خالص، وشوق تركى لزيارة الأشقاء، المسافة بين القاهرة وأنقرة لا تُقاس بالأميال، بل تُقاس بدفء العلاقات ومستقبلها.

الحدث فى التقارب المصرى التركى يبرهن على نجاح «دبلوماسية الصبر الجميل»، وصبرت مصر طويلًا، كعادتها تصبر، وملقبة بأم الصابرين، وسبحانه مغير الأحوال ومؤلف القلوب.

مولفة ع الصبر، وياعينى على الصبر، وصبرت طويلًا على الأذى فى ملف غزة، وتحملت صابرة الغُرم، وزيادة اتهامات باطلة ملفقة جرافيًا بغلق المعبر، شيرتها منصات إخوانية عقورة لا ترعوى لوطن ولا لعلم ولا لنشيد.

وها هو المعبر مفتوح ع الجانبين، وها هى مصر ترعى اتفاقًا يحفظ دماء الفلسطينيين، ويمنع التهجير، ويؤكد اسم الدولة الفلسطينية، ويمهد لحل الدولتين، ويعبد الطريق إلى سلام مستدام، ويجمع العواصم العالمية على مشروع إعمار غزة وفق النموذج المصري، الذى يراعى الحال والأحوال، ويمنع مشاريع غربية كانت ستمسح اسم غزة من الوجود.

وصبرت مصر على عواصم عربية كادت لها، وابتدرتها العداء المجاني، وبغت واستكبرت على الشقيقة الكبرى، وأمعنت فى الخصام، بغية استلاب الدور والمكانة ، وها هى العواصم نفسها تأتى طواعية وعن طيب خاطر متلهفة وفى شوق عارم إلى حضن مصر الدافئ، وقلبها الطيب، قلب الأم يغرف ويسامح.
لن نجتر، ولن نعدد أسباب العداء، ولسنا فى محل عتاب، والعتب على قد العشم، ولكن مصر مفطورة على الصبر.. وصبر جميل.

وصبرت مصر على عواصم غربية، اختلط عليها أمر ثورة 30 يونيو، وتحفظت على صيرورة العلاقات، وجمدت المساعدات، ولم تبادلها مصر معاملة بالمثل، وبدبلوماسية ذكية، وسردية وطنية تتمتع بالصدق والمصداقية، وشرف فى زمن عز فيه الشرف، عادت العلاقات كما كانت وأكثر اقترابًا، وتفاهمًا، واتساقًا فى المواقف، وتناغمًا فى الفضاء الدولي.

واتخذت بعض العواصم الإفريقية موقفًا عجولا متعجلًا غير مدروس تحت وطأة ضغوط، وبإيعاز من أعداء فى القارة السمراء محتملين، وتحفظت على عضوية مصر فى اتحاد أسسته مصر (الاتحاد الإفريقي)، وصبرت مصر على الأذى المجانى ولم يضق صدرها، وتبدل الحال، وصارت مصر قبلة إفريقيا ومقصد زعاماتها، وحط الرئيس السيسى الرحال فى مرحبًا به وحفاوة فى عديد من هذه العواصم السمراء.

وصبر جميل، وباتزان استراتيجى حاذق، يزن العلاقات بوزنها، وينوع فى الاتجاهات، ويرسم السياسات الخارجية، عظمت مصر من مكانتها لدى عواصم تكيل بمكيالين أو بمكاييل. صدق ومصداقية القيادة السياسية المصرية تجاوزت الانحيازات والمكاييل السياسية، إلى علاقات متوازنة ، واستراتيجية بين القاهرة وعواصم بعيدة مكانيًا قريبة سياسيًا، وصارت علاقات القاهرة بالشرق والغرب مضرب الأمثال.

مصداقية القيادة المصرية قصرت المسافة بين القاهرة وواشنطن، وما بين القيادتين، السيسى وترامب، من كيمياء سياسية متفاعلة وطّدت لعلاقات استراتيجية عميقة، بين قيادة عالمية طموح، وقيادة إقليمية خبيرة قادرة على توفير الحلول السلمية لأعقد القضايا الإقليمية، وفى مقدمتها غزة والسودان وليبيا والصومال وأخرى على شواطئ البحرين الأبيض والأحمر وصولا حتى الملف النووى فى إيران.

خلاصة المقال، ينطبق على زيارة الرئيس التركى اردوغان للقاهرة مقولة شعبية: «قرب حبة تزيد محبة»، وتحتاج ترجمة إلى التركية.

مصر لا ترد حبيبًا ولا غريبًا، ولا طالب وصال، وبين أحضانها ملايين من المحبين الذين قصدوا مصر لأنها وطن من لا وطن له، وحضن شعبها يسع شعوب الأرض جميعًا.