يوميات الأخبار

لم يبيعوها

سليمان قناوى
سليمان قناوى


وحين يهل الشهر الكريم: أنت الآن على نظام ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾

كذبة مسمومة ألقت بها الدعاية الصهيونية ليبتلعها بعض العرب، بأن الفلسطينيين قبل عام النكبة (1948)، باعوا أرضهم. يأتى الفيديو الأخير لأحد المسنين بالبلدة القديمة بالقدس، لينسف هذه الفرية، بعد أن رفض بيع محله بـ 40 مليون دولار. موقع المحل استراتيجى، به فتحة تقود لأنفاق تؤدى إلى المسجد الأقصى وحائط البراق. الإفك الصهيونى ركز على ترسيخ الكذبة بالأذهان، لكى يقنع العرب إذا كان الفلسطينيون قد فرطوا فى أرضهم وقبضوا الثمن، فعلى أى أساس يطالبون اليوم بتحريرها؟ فنّد هذه الكذبة بالإحصاءات د. خالد الخالدى رئيس قسم التاريخ والآثار بالجامعة الإسلامية بغزة (المدمرة الآن)، مؤكداً أن مساحة الأراضى التى وقعت تحت أيدى الصهاينة حتى عام 1948 دون قتال أو حرب، بلغت حوالى 2.2 مليون دونم (الفدان يساوى 4 دونمات)، أى ما يعادل 8.8% من مساحة فلسطين، التى تبلغ 27 مليون دونم. حصل الصهاينة على تلك الأرض بأربع طرق: 
الأول: ستمائة وخمسون ألف دونم امتلكوا جزءاً منها كأى أقلية تعيش بفلسطين منذ مئات السنين، وتملك أرضاً تقيم عليها، وحصلوا على الجزء الآخر بمساعدة الولاة الأتراك الماسونيين، الذين عيَّنتهم حكومة الاتحاد والترقى على فلسطين. وقد تآمرت جمعية الاتحاد والترقى على السلطان عبد الحميد، وأسقطته لرفضه كلَّ عروض الصهاينة لتمكينهم من أرض فلسطين. ومن هذه الإغراءات منحه 5 ملايين ليرة إنجليزية ذهباً لجيبه الخاص، وتسديد جميع ديون الدولة العثمانية البالغة 33 مليون ليرة ذهباً، وبناء أسطول لحماية الإمبراطورية بمبلغ 120 مليون فرنك ذهبي، وتقديم قروض بـ 35 مليون ليرة ذهبية دون فوائد، لإنعاش خزانة الدولة العثمانية، وبناء جامعة عثمانية بالقدس. 
الطريق الثانى: 665 ألف دونم، حصل عليها الصهاينة بمساعدة حكومةِ الانتداب البريطانى المباشرة، وقد قُدمت لهم على النحو الآتي:   
 ـ أعطى المندوب السامى البريطانى منحة للوكالة اليهودية ثلاثمائة ألف دونم.
  ـ باع المندوب السامى البريطانى للوكالة اليهودية - وبأسعار رمزية - مائتى ألف دونم. 
  ـ أهدت حكومة الانتداب للوكالة اليهودية أرض السلطان عبد الحميد فى منطقتى الحولة وبيسان - امتياز الحولة وبيسان ـ ومساحتهما 165.000 دونم.    
الطريق الثالث: 606 آلاف دونم، اشتراها الصهاينة من إقطاعيين لبنانيين وسوريين، وكان هؤلاء الإقطاعيون يملكون هذه الأراضى الفلسطينية عندما كانت سوريا ولبنان والأردن وفلسطين بلداً واحداً تحت الحكم العثماني، يُسمى بلاد الشام. وعندما هزمت تركيا، واحتل الحلفاء بلاد الشام، قسمت هذه البلاد إلى 4 دول: خضعت سوريا ولبنان للاحتلال  الفرنسى، وشرق الأردن للاحتلال البريطاني، وفلسطين للانتداب البريطانى توطئة لجعلها وطناً قومياً لليهود. وهكذا أصبح كثير من الملاك السوريين واللبنانيين يعيشون فى بلد، وأملاكهم فى بلد آخر، فانتهز كثير منهم الفرصة وباعوا أرضهم فى  فلسطين للصهاينة الذين دفعوا لهم فيها أسعاراً خيالية، وبنوا بثمنها العمارات الشاهقة فى بيروت ودمشق. 
الطريق الرابع: بالرغم من جميع الظروف التى وضع فيها الشعب الفلسطيني، والقوانين المجحفة التى سنها المندوب السامى (كان يهودياً غالباً)، إلا أنَّ مجموع الأراضى التى بيعت من قبل فلسطينيين خلال ثلاثين عاماً (حتى عام 1948) بلغ ثلاثمائة ألف دونم، وقد اعتبر كل من باع أرضه للصهاينة خائناً، وتمت تصفية الكثير منهم. ومن العوامل التى أدت إلى سقوط بعض الفلسطينيين فى بئر الخيانة:   
 ـ لم يفطن الفلسطينيون فى السنوات الأولى للاحتلال البريطانى لنوايا الصهاينة الخبيثة، وتعاملوا معهم بالحسنى كما يطالبهم الإسلام بحسن معاملة الأقليات.  
  ـ القوانين الإنجليزية التى سنتها حكومةُ الانتداب، والتى وُضعت لتهيئة كل الظروف لتصل الأراضى لأيدى الصهاينة. ومنها قانون صك الانتداب، وتنص المادة الثانية منه: تكون الدولة المنتدبة مسئولة عن جعل فلسطين فى أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تكفل إنشاء الوطن القومى لليهود. 
 3- الإغراءات الشديدة التى قدمها الصهاينة للذين يبيعون الأرض، فقد بلغ ما يدفعه الصهيونى ثمناً للدونم الواحد عشرة أضعاف ما يدفعه العربي. وقد تسبب ذلك فى سقوط بعض أصحاب النفوس المريضة، ومثل هذه النوعية لا تخلو منها أمة من الأمم. أما باقى أرض فلسطين فقد احتلها الصهاينة فى أعقاب حربى 1948 و1967، وأباد مئات الآلاف من الفلسطينيين عبر الاعتداءات والمجازر اليومية العديدة، والتى لا تزال مستمرة حتى الآن فى الضفة الغربية وقطاع غزة، ولم تتوقف يوماً.
التسخين لرمضان
حين ينتصف شهر شعبان، أحرص على بدء تمارين الإحماء الرمضانية. فكما يبدأ لاعبو الكرة فى التسخين استعداداً للمباراة. أبدأ فى الإحماء لمباراة رمضانية تستمر مسابقتها ثلاثين يوماً، درعها وكأسها غفران من الذنوب: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر». وما أعظمها من درع، وما أجملها من جائزة، أن تخرج من رمضان خالى الوفاض من ذنوبك كلها، لتعود أبيض السريرة كما ولدتك أمك. هذا هو كأس العالم للفوز بالجنة والنجاة من النار.
تمارين الإحماء تبدأ باستطالة العضلات والجوارح الإيمانية بالحرص على صلاة الجماعة بارتياد المساجد. سنودع كسل11 شهراً، ونقبل على المساجد فيما تبقى من شهر شعبان، حتى نعتاد على صلاة الجماعة فى رمضان، فنصبح تلقائياً مستعدين مع سماع الأذان على ترك كل ما يلهى عن الصلاة والإسراع للمساجد. لا أدعى التقوى، فكثيراً ما قصرت فى صلاة الجماعة، لكنى أحاول أن أعوض ذلك ليكون رمضان - امتداداً لما بعده - فى الاستمرار بالالتزام بصلاة الجماعة. ضمن التسخين لرمضان سنجرى أيضاً «تقسيمة» بين أولادنا، ليقرأ كل منهم سورة ويتدبر معانيها، ونديرحواراً عن الدرس الذى خرجوا به. ليكون ذلك اعتياداً على العيش مع القرآن وبالقرآن طوال أيام وليالى رمضان. وكما يتجنب اللاعبون «الفاولات» حتى لا يحصلوا على الإنذار أو الطرد، «فاولاتنا» فى رمضان هى الغيبة والنميمة والكذب والرياء والنفاق، وكلها كفيلة بطردنا من رحمة الله وغفرانه، ومن ثم نخرج من رمضان بهزيمة كبرى. ضربة الجزاء القاسية فى رمضان أيضاً هى الانشغال بالسوشيال ميديا ومسلسلات التليفزيون وبرامج المقالب السخيفة التى لا تراعى فينا إلَّاً ولا ذمة، عبر مشاهد العرى والرقص والتهافت والإلحاح مع سبق الإصرار والترصد على إيقاع المشاهدين فى الأوزار، فهى تحرمهم نعمة غض البصر وهم جالسون فى بيوتهم (أسرع ديليفرى للكبائر). أقول مع سبق الإصرار والترصد لأن هذه المسلسلات بدأ العمل فيها منذ ستة أشهر، وبدلاً من أن نقول خلال هذه الفترة: «اللهم بلغنا رمضان»، كما كان يردد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتمنى ألا يقول البعض: «اللهم بلغنا مسلسلات رمضان». كما أتمنى ألا تقتصر قراءة اليوميات على العنوان فقط، فيفهم البعض كلمة التسخين على أنها الاستعداد لموائد و»عزومات» رمضان، أما إن كان لموائد الرحمن، فسخنوا براحتكم. أيقظوا أهليكم بتمارين التسخين لرمضان. لأنه حين يهل الشهر الكريم: أنت الآن على نظام: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وانسى بقى نظام: «ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوًا».


  بالتأكيد شتان بين صيام شهر رمضان، وبين الالتهاء بكرة القدم، كونها مضيعة للوقت، مثيرة للمشاحنات بين الناس، لكننى استعنت بمفردات الكرة كى أوضح  لجيل النشء المهووس بكرة القدم أهمية الاستعداد لرمضان. فعلاً فارق كبير بين شهر تسلسل فيه الشياطين، ومدرجات تسكنها الأبالسة.