الدورة 57 لمعرض القاهرة للكتاب.. على أعتاب المستقبل

ياسر عبدالحافظ
ياسر عبدالحافظ


على الأغلب ستخرج علينا إحصائيات هذا العام مؤكدةً على زيادة أعداد الجمهور الوافد إلى الدورة الـ 57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، وهي الأرقام التي نتوقعها سلفاً من خلال وجودنا بين الجمهور داخل الأجنحة وفي القاعات؛ فالملاحظة الأساسية خلال هذه الدورة لا تقتصر على تنامي الأرقام فحسب، بل في كثافة وجود الجمهور في الصالات، حتى إن صديقة عربية علقت على ذلك بقولها إن الأمر يشبه «موسم الحج»، فازدحام المطوفين هناك يقابله هنا ازدحام القراء الذين لا تهدأ حركتهم بحثًا عما جاء كل منهم لأجله.

إن إقبال الجمهور على فعل ثقافي هو أمر كله خير من حيث المبدأ، وهو علامة صحة وحيوية لهذا المجتمع، ودليل على استمرار التقدير الفطري لفعل الثقافة والإبداع كما يمثل هذا الزحام مؤشراً حقيقياً على انحسار أفكار التطرف، وانفتاحاً على قبول الأفكار والتوافق على أسس الثقافة العامة القائمة على الحرية والحوار.



تكتسب هذه المشهدية أهمية خاصة في زمن يتسع فيه الميل العالمي نحو الانغلاق الهوياتي ورفض الآخر؛ كأن ما نراه في تظاهرة معرض الكتاب هو إعلان صامت لكنه قوي عن الانحيازات المصرية التي تتأكد عبر المناسبات الحضارية المختلفة.

هي الانحيازات ذاتها التي أكد عليها الجمهور في تبنيه المطلق لحدث افتتاح المتحف المصري الكبير، ويعيد التأكيد عليها هذه الأيام بوجوده الكثيف في ساحة مركز  مصر للمعارض والمؤتمرات الدولية بالتجمع الخامس، ممرراً رسالة واضحة بأنه لا خوف على ما نسميه بـ «القوة الناعمة المصرية»؛ لأنه هو مصدرها الحقيقي، والضامن الوحيد لاستمرارها.

من الضروري في تقديري الالتفات بجدية إلى جمهور معرض الكتاب ووضعه تحت الدراسة، سعيًا للاستفادة المستقبلية في تأسيس صناعة ثقافية مستدامة لا موسمية؛ فالملاحظة الأساسية هذا العام تكمن في وجود احتياج ثقافي ومعرفي حقيقي لدى أجيال جديدة، يمكن تلمس تطلعاتها من خلال نشاطها الإلكتروني المصاحب لتظاهرة المعرض. فبين «يوتيوب» ومنصات التواصل الاجتماعي والتطبيقات المختلفة، يتواجد معرض الكتاب بصور تتعدد وتتنوع باختلاف أذواق المستخدمين.

إذ يعلق كثيرون على فيديوهات تقدم نصائح حول أهمية زيارة المعرض، وما يمكن اقتناؤه، وكيفية قضاء يوم مثمر، فيما يطرح آخرون أسئلة تفاعلية حول الأعمال التي يُنصح بشرائها والأنشطة الواجب حضورها. يحرص بعضهم على إحصاء عدد مرات زيارته للمعرض، بينما يكتشفه آخرون للمرة الأولى.

وعندما نذهب إلى هناك، لا يسعنا إلا رؤية تلك الوجوه الشابة التي تبحث عن المعرفة بشغف، ومن خلال نقاشاتهم يثور السؤال: هل إدارة المعرض، والإدارة الثقافية بشكل عام، على اتصال حقيقي بالوسائط التكنولوجية والبيانات الضخمة التي يولدها هذا النشاط، بحيث تستخدمها في إدارة العمل الثقافي وضبطه وتوجيهه لتلبية الاحتياجات المتزايدة؟ أم أنها تكتفي بدور «منظم الحدث» الذي يترك الأمور تمضي وتُعبّر عن نفسها بعفوية؟

في سياق هذا التطوير يمكن رؤية فعالية تصريحات صحفية سابقة، على بداية الدورة، للمدير التنفيذي للمعرض د. أحمد مجاهد قال فيها إن هذه الدورة ستشهد توسعًا في الأنشطة الثقافية والفنية، وقد تحقق ذلك بالفعل في فعاليات موسيقية وفنية في الساحة الخارجية والتي استقطبت شريحة واسعة، وأعادت التذكير بالدور الذي لعبه المعرض في مدينة نصر؛ حيث لم يكن الكتاب يوماً غاية وحيدة، بل كان ‹الحالة› التي تدمج المعرفة بالبهجة.

إن عودة الروح لتلك الفعاليات الخارجية تعني استعادة المعرض لحيويته كفضاء عام يتنفس فيه الفن بجانب الأدب، مما يكسر حدة ‹الجمود النخبوي› ويجعل من زيارة المعرض تجربة إنسانية متكاملة تجذب الأسرة المصرية بكافة فئاتها. استقطاب تلك الشرائح الواسعة عبر الموسيقى والفن مدخل ذكي لترسيخ عادة القراءة لدى جيل قد لا تجذبه الكتب، لكنه يستجيب لحيوية الإبداع حين يتجسد أمامه صوتاً وصورةً وحركة، وهذا التوسع لا يخدم فقط الجانب الترفيهي، بل يكرس مفهوم المركز الثقافي المفتوح الذي يتجاوز حدود قاعات العرض المغلقة، ليصبح المعرض ساحة تفاعلية تجسد حيوية الشخصية المصرية في تذوق الفنون بمختلف تجلياتها.

من المهم الإشارة إلى المجهود الضخم الذي بذلته الإدارة القائمة على المعرض هذا العام، والذي أضفى حيوية ملموسة على الفعاليات. ومن السهل ملاحظة أن هذه الدورة تستفيد من استراتيجيات بعض النسخ التاريخية للمعرض التي كانت تعتمد انفتاحًا حيويًا يضع الجمهور شريكًا أساسيًا.

هنا يسعى البرنامج الثقافي للتواصل مع الجميع؛ الرسمي والهامشي، والتجارب الإبداعية المتباينة، في تمثيل ديمقراطي لانشغالات الساحة، تاركاً للمجال العام، وقوانين العرض والطلب، وعلاقة الجمهور بالنص، حرية تشكيل المشهد الثقافي العام، ورسم ملامح صورته.

أظن أنه بموازة ذلك، تبرز ضرورة وضع أطر عامة لكيفية التعامل مع الجمهور الواسع لمعرض الكتاب، فالقدرة على الجذب لا بد أن يرافقها القدرة على تنظيم وجود الجمهور على أرض المعرض لضبط الحركة التي تتحول في أوقات إلى ازدحام الباحثين عن هدف. يلزم مع كثافة الأنشطة وامتدادها على مساحة واسعة رسم خطط مقترحة لبرنامج ثقافي تنبني على علم الإدارة بما سيتم تقديمه مسبقًا، في هذا الصدد ثمة برامج شبابية على الوسائط التكنولوجية تضع مقترحاتها: أين تذهب، كيف تقضي يومًا مفيدًا في المعرض، من أين تشتري كتبًا بأسعار رخيصة، العروض الفنية المقترحة، وغير ذلك، أظن أن إدارة المعرض في حاجة لتكثيف وجودها  على الوسائط الجماهيرية بحيث تقدم تصوراتها عن السياقات الثقافية المختلفة في المعرض كأهداف للزيارة. 


وقد كشف البرنامج المهني لمعرض الكتاب في دورة هذا العام عن أنه لا غنى عنه إذا أردنا العمل على تحسين بيئة عمل صناعة النشر بما يعود بالفائدة على أطرافها:  الكاتب والناشر والقارئ.

وعلى سبيل المثال في هذا، الندوة التي شارك في أعمالها  غفانتسا جوبافا رئيسة اتحاد الناشرين الدوليين، ومحمد رشاد رئيس اتحاد الناشرين العرب، وفريد زهران رئيس اتحاد الناشرين المصريين، وأدارها د. أحمد سعيد الرئيس التنفيذى لمجموعة بيت الحكمة، حيث كشفت الندوة بصراحة عن حجم المصاعب التي تعاني منها مهنة النشر في مصر، وقدمت تصوراتها لعلاج الأزمات، ولأهمية ما قيل خلالها مما يمس عصب صناعة النشر في مصر كان الأجدر أن تتسع أعمالها إلى ورشة عمل موسعة بحضور ناشرين ومتخصصين في الصناعة باعتبارها فرصة يمكن من خلالها التوصل إلى آليات تخفف من وطأة المشاكل، وتستثمر في صناعة تشهد رواجًا ملحوظًا (عدد القراء يزداد في مصر وفقًا لاحصائيات أشار إليها فريد زهران، اقرأ تغطية لفعاليات الندوة ص8)

أخيرًا، يمكن القول أن الدورة الحالية نجحت في التمثيل الديمقراطي لانشغالات الساحة الثقافية، تاركةً للقوى الفاعلة حرية تشكيل المشهد، لكن التحدي القادم يكمن في تحويل هذه العفوية الجماهيرية إلى مساراتها الثقافية في فعل يؤسس لصياغة مشروع متكامل للصناعات الثقافية المصرية.