يوميات الأخبار

أحمد الإمام يكتب: ولنا فى مولد أم هاشم نفحات

أحمد الإمام
أحمد الإمام


«أصوات من السماء يسبح معها المريدون فى أجواء ساحرة حتى الساعات الأولى من الصباح».


على بعد خطوات من مسجد السيدة زينب أو المشهد الزينبى كما يحلو لعشاق آل البيت أو سكان منطقة السيدة زينب أن يطلقوه على المسجد الشهير الذى يعود عمره إلى 14 قرنًا تقريبًا عشت سنوات طفولتى وصباى.. وجود ضريح حفيدة الرسول صلوات الله وسلامه عليه أضفى على المكان جلالًا وهيبة، حيث يحيطه سكان المنطقة بقلوبهم ومشاعرهم حبًا وعشقًا لآل بيت النبوة.

وبحكم نشأتى فى هذا المكان شاهدت عن قرب أيام وليالى الاحتفال بمولد السيدة زينب والتى تبدأ مع بداية أيام شهر رجب وتستمر لمدة شهر كامل وصولًا إلى «الليلة الكبيرة» فى نهاية الشهر.

مئات البشر يتوافدون من جميع محافظات الجمهورية.. رجال وسيدات وأطفال تمتلئ بهم شوارع وحوارى الحى، حيث يقيمون فى مخيمات صغيرة متلاصقة انتظارًا لليلة الموعودة وطمعًا فى بركات أم العواجز أو أم هاشم أو سيدة الديوان.. وكلها ألقاب يطلقها البسطاء على السيدة زينب رضى الله عنها.

بعض التجار الكبار فى الحى يقيمون شوادر كبيرة ويتفقون مع طباخين لإعداد مئات الوجبات يوميًا لإطعام ضيوف السيدة زينب القادمين من كل مكان، ويتم توزيع هذه الوجبات يوميًا وحتى الليلة الكبيرة.

وكلما اقتربنا من الليلة الكبيرة كلما ازدادت الشوارع والحوارى الضيقة المحيطة بالمسجد ازدحامًا بمئات البشر الذين لا يفعلون شيئًا سوى الصلاة وإقامة حلقات الذكر يوميًا.

من الطبيعى أن ينشط أصحاب المحال التجارية فى المنطقة ويبدأون فى استثمار هذا الزحام الرهيب لترويج بضاعتهم بداية من المطاعم ومحلات المشروبات والحلويات مرورًا بمحلات الملابس والأحذية وانتهاء بأصحاب المراجيح والألعاب الترفيهية الذين اعتادوا أن يجوبوا الموالد فى كل المحافظات، حيث يجدون سوقًا رائجة لألعابهم البسيطة.

وفى وسط هذا التلاحم البشرى ينشط أيضًا اللصوص بحثًا عن محفظة فى جيب أحد الغافلين أو موبايل مطل من حقيبة إحدى السيدات، ووسط هذا الطوفان البشرى تتعدد الجرائم من بعض ضعاف النفوس الذين يتوافدون على المكان لأغراضهم الدنيئة وليس تقربا إلى آل البيت بحال من الأحوال.

كان بيت العائلة فى أحد الشوارع القريبة من مسجد السيدة زينب يحمل اسم «الدرب الجديد» وكانت شبابيك البيت تطل على سينما صيفى تحمل اسم «سينما الأهلى»، واعتاد أطفال العائلة التكدس على الشبابيك الضخمة التى كانت عبارة عن تجويف عميق داخل الحائط بعرض متر كامل يسمح بجلوسنا على الشبابيك المحاطة بقضبان حديدية لمشاهدة الأفلام المعروضة فى السينما، والتى كان يصل عددها إلى ثلاثة أفلام فى الحفلة الواحدة.

والطريف أن القائمين على السينما يبدأون منذ بداية شهر رجب فى عرض أفلام دينية مثل الشيماء وفجر الإسلام وغيرها احترامًا لحلول مولد السيدة زينب.. وعندما تحل الليلة الكبيرة يمتلئ الميدان الفسيح والشوارع الجانبية عن بكرة أبيهم وتبدأ الاحتفالات الصاخبة ويتزاحم الجميع لمشاهدة كبار المنشدين مثل الشيخ سيد النقشبندى ومؤسس الإنشاد الحديث الشيخ على محمود وسلطان المنشدين الشيخ أحمد التونى ومداح الرسول محمد الكحلاوى وكروان الإنشاد ياسين التهامى.

أصوات من السماء يسبح معها المريدون فى أجواء ساحرة حتى الساعات الأولى من الصباح.

وبعدها ينفض المولد وتبدأ الوفود فى مغادرة المكان تدريجيًا حتى تخلو الشوارع من الزوار والمريدين وتعود الحياة إلى طبيعتها.. لا أريد الدخول فى معركة التشكيك فى إيمان الزوار والمريدين ولا أريد الخوض فى معارك السلفيين ضد الأضرحة والمقامات، ولكننى أتحدث عن احتفالية دينية كبرى تعبر عن حب البسطاء لآل البيت بغض النظر عن بعض التجاوزات والهفوات من البعض نتيجة ضعف الثقافة الدينية.

وتمضى الأيام وتبقى نفحات أم هاشم العطرة تمثل ذكرى جميلة لأجمل سنوات حياتنا فى رحاب أعرق أحياء القاهرة.

أمثال مرفوضة


الأمثال الشعبية والحكم المأثورة هى إرث الشعوب.. وهى التاريخ الشفهى الذى دونته الذاكرة وتناقلته الألسن ولم تدونه الأقلام.

وكما قال الحكماء: من لا ماضى له.. لا حاضر ولا مستقبل له.. ولكن.. وآه من كلمة لكن التى تأتى دائماً بالاستثناء الذى لا يسر الخاطر.

هذا الميراث الشعبى من الأمثال والأقوال ملئ ببعض الأمثال الشاذة والأقوال الملغومة التى يجب تنقية التراث منها، وخاصة الأمثال والأقوال التى تحرض على العنف والجريمة وتمجد الخديعة والمكر.. ويرددها بعض ضعاف النفوس ويعتبرونها دستورًا لحياتهم وقانونًا لسلوكياتهم المعيبة.

البداية مع مثل شائع جدًا ومستفز وهو «العلم فى الراس مش فى الكراس»، فهذا المثل يعتبر تحريضًا صريحًا وفجًا على إغفال مبدأ الاجتهاد والسعى والرغبة فى تحصيل العلم.

هذا المثل تحول إلى أسلوب حياة لكل طالب يهمل دروسه ويردده لمن يطالبه بالاهتمام بمذاكرته.

وتحول إلى قانون لكل فاشل عجز عن إكمال تعليمه والحصول على شهادة عليا أو مؤهل دراسى مرموق ويردده لمن يسأله عن مستوى تعليمه.

وهناك مثل آخر يعتبر دعوة واضحة للبلطجة وهو «العيلة اللى مفيهاش صايع.. حقها ضايع».

هذا المثل يقنن البلطجة والفتونة وكأنها السبيل الوحيد لاسترداد الحقوق وحفظها من الضياع.. وكأننا أصبحنا نعيش فى غابة لا يحكمها إلا قانون القوة وأخد الحق بالدراع.

ووصلت البجاحة بهذا المثل المعيب إلى درجة أنه اعتبر العيلة المحترمة الفاضلة التى لا تضم بين أفرادها شخصًا «صايع وبلطجى» وعديم الأخلاق والمبادئ عيلة ضعيفة ومكسورة الجناح وحقوقها ضائعة ومسلوبة ومستباحة.. هناك مثل آخر يحمل دعوة صريحة وسافرة للندالة والأنانية وهو «إن جالك الطوفان حط ابنك تحت رجليك».

وللتأكيد على قمة الندالة والأنانية اختار المثل الابن الذى يعد الأقرب إلى قلب كل أب ليطالبه بوضعه تحت قدميه حتى تبقى رأسه فوق سطح الماء إذا غمرته مياه الطوفان.

وهذا المثل كناية عن أى مشكلة طارئة تواجه أى إنسان فى حياته، حيث يطالبه صراحة بالتخلى عن أى قيمة أو أى شخص فى سبيل النجاة بنفسه وعبور الأزمة التى تعترض طريقه.. مثل آخر ينطوى على جريمة تنمر مكتملة الأركان وهو «أبو البنات مصطبة للأندال».. هذا المثل الخالى من الذوق واللياقة يعاير كل من رزق بخلفة البنات دون الذكور بأنه أصبح مستباحًا لكل من هب ودب.

وكأن خلفة الذكور ستعصمه من الايذاء وستمثل رادعًا لكل من يحاول إلحاق الضرر به وإيذائه فى حين أن هناك بنات بمائة رجل، وهناك سيدات وصلن إلى أعلى المراتب والمناصب ورفعن أسماء عائلاتهن عاليًا عكس بعض الذكور الذين لم يجلبوا لأسرهم سوى الأسى والألم.. وعلى نفس المنوال هناك مثل آخر وهو «يا مخلفة البنات يا شايلة الهم للمات».. هذا المثل يحمل نفس حالة التنمر والعنصرية ضد المرأة وكأن الهم اقترن بالبنات فقط دون غيرهن وكأن الهنا والنعيم كله مرتبط بالذكور.

واستمرارًا لحالة التنمر والعنصرية ضد البنات هناك مثل سخيف يقول: «عقربتين فى حيط ولا بنتين فى بيت».. مثل يتجاهل كل سمات الحنان والرحمة التى تتميز بها البنات ويحمل تعميمًا مرفوضًا ضدهن.. وكذلك مثل آخر لا يقل سخافة وهو «خلف البنات يحوج لنسب الكلاب».. ولماذا تناسب الكلاب وما الذى يجبرك على هذا.. ابنتك جوهرة مصونة ولؤلؤة مكنونة فى بيت أبيها حتى يتقدم إليها من يستحقها ويصونها ويقدرها بالعند فى هذا المثل السخيف والأمثال التى تسير على نفس شاكلته. والحقيقة لا أتخيل أن يصل الشطط ببعض الأمثال الشعبية إلى حد الدعوة لإعادة ظاهرة وأد البنات أو تمنى الموت لهن، فهناك مثل إجرامى يقول «موت البنات سترة».. هل أصبح الستر مقترنًا بموت البنات أو قتلهن؟!