خالد محمود يكتب : هل نحتفل بالعودة أم نعيد إنتاج الأزمة؟ المهرجان القومى للسينما.. عودة ضرورية بأسئلة مؤجلة

خالد محمود
خالد محمود


بين‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬اللامركزية‭ ‬والواقع‭ ‬التقني‭ ‬لقاعات‭ ‬العرض‭.. ‬يقف‭ ‬المهرجان‭ ‬القومي‭ ‬للسينما‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي‭: ‬هل‭ ‬تعود‭ ‬السينما‭ ‬إلى‭ ‬جمهورها،‭ ‬أم‭ ‬يتكرر‭ ‬فقدان‭ ‬البوصلة؟

تمثل‭ ‬عودة‭ ‬المهرجان‭ ‬القومي‭ ‬للسينما‭ ‬حدثا‭ ‬منتظرا‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬التراجع‭ ‬والارتباك‭ ‬والتأجيل،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بوصفه‭ ‬تظاهرة‭ ‬فنية،‭ ‬بل‭ ‬باعتباره‭ ‬المنصة‭ ‬الرسمية‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تحتفي‭ ‬بالسينما‭ ‬المصرية،‭ ‬وتعيد‭ ‬طرح‭ ‬أسئلتها‭ ‬الكبرى،‭ ‬وتقيّم‭ ‬منجزها‭ ‬السنوي‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬منطق‭ ‬السوق‭ ‬وحده‭.‬

لكن‭ ‬قرار‭ ‬إدارة‭ ‬المهرجان‭ ‬الجديدة‭  ‬بعرض‭ ‬الأفلام‭ ‬في‭ ‬قصور‭ ‬الثقافة‭ ‬بالمحافظات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬القاهرة،‭ ‬يفتح‭ ‬بابا‭ ‬واسعا‭ ‬للنقاش،‭ ‬لا‭ ‬حول‭ ‬النوايا،‭ ‬بل‭ ‬حول‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التنفيذ‭.‬

النية‭ ‬جيدة‭.. ‬لكن‭ ‬هل‭ ‬القاعات‭ ‬جاهزة؟

من‭ ‬حيث‭ ‬المبدأ،‭ ‬يبدو‭ ‬القرار‭ ‬جذابا‭ ‬ومحمودا،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬كسر‭ ‬مركزية‭ ‬القاهرة،‭ ‬وإتاحة‭ ‬الأفلام‭ ‬لجمهور‭ ‬أوسع‭ ‬،‭ ‬وإعادة‭ ‬ربط‭ ‬السينما‭ ‬بالمحافظات‭ ‬التي‭ ‬غُيبت‭ ‬طويلًا‭ ‬بحكم‭ ‬ظروف‭ ‬اقتصادية‭ ‬وتخطيط‭ ‬قاصر‭.‬

لكن‭ ‬يظل‭ ‬السؤال‭ ‬الجوهري‭:‬هل‭ ‬قاعات‭ ‬السينما‭ ‬في‭ ‬قصور‭ ‬الثقافة‭ ‬مجهزة‭ ‬فعليا‭ ‬لعرض‭ ‬سينمائي‭ ‬يليق‭ ‬بصناع‭ ‬الأعمال‭ ‬وبالجمهور؟

الإجابة‭ ‬الواقعية،‭ ‬للأسف،‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬النفي‭. ‬فمعظم‭ ‬هذه‭ ‬القاعات‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬شاشات‭ ‬غير‭ ‬مهيأة‭ ‬للعرض‭ ‬السينمائي‭ ‬الاحترافي‭ .. ‬لا‭ ‬تقنيًا،‭ ‬ولا‭ ‬صوتيًا،‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬فلسفة‭ ‬التلقي‭.‬

شاشات‭ ‬صغيرة،‭ ‬أجهزة‭ ‬عرض‭ ‬قديمة‭ ‬مستهلكة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مخصصة‭ ‬للـ‭ ‬DCP،‭ ‬نظم‭ ‬صوت‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬التصميم‭ ‬الصوتي‭ ‬للأفلام،‭ ‬غياب‭ ‬العزل‭ ‬الصوتي‭ ‬والإضاءة‭ ‬المناسبة،‭ ‬نقص‭ ‬الكوادر‭ ‬الفنية‭ ‬المدربة‭ ‬على‭ ‬تشغيل‭ ‬العروض‭.. ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الظروف،‭ ‬لا‭ ‬يُعرض‭ ‬الفيلم‭.. ‬بل‭ ‬يُشوَه‭.‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬لا‭ ‬يتحول‭ ‬“نشر‭ ‬الثقافة‭ ‬السينمائية”‭ ‬إلى‭ ‬مكسب،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يصبح‭ ‬إساءة‭ ‬غير‭ ‬مقصودة‭ ‬للأفلام‭ ‬نفسها،‭ ‬حين‭ ‬تُعرض‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬تقنية‭ ‬تفرغ‭ ‬التجربة‭ ‬من‭ ‬معناها‭ ‬الجمالي‭.. ‬فأين‭ ‬ستُعرض‭ ‬الافلام‭ ‬وكيف؟

والسؤال‭ ‬الاخر‭ ‬من‭ ‬يخسر؟

الخسارة‭ ‬هنا‭ ‬مزدوجة‭:‬

صناع‭ ‬الأفلام‭ ‬الذين‭ ‬يُقدم‭ ‬عملهم‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬مستواها‭ ‬الحقيقي،‭ ‬والجمهور‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يختبر‭ ‬السينما‭ ‬بوصفها‭ ‬تجربة‭ ‬سمعية‭ ‬وبصرية‭ ‬متكاملة‭.‬

والأخطر‭ ‬أن‭ ‬المهرجان‭ ‬نفسه‭ ‬قد‭ ‬يخسر‭ ‬مصداقيته،‭ ‬حين‭ ‬يُختزل‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬“فعالية‭ ‬عرض”‭ ‬لا‭ ‬“تجربة‭ ‬سينمائية”‭.‬

دروس‭ ‬قاسية‭ ‬من‭ ‬دورات‭ ‬سابقة

ليست‭ ‬أزمة‭ ‬القاعات‭ ‬وحدها‭ ‬ما‭ ‬يهدد‭ ‬عودة‭ ‬المهرجان،‭ ‬فالدورات‭ ‬السابقة‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬مشكلات‭ ‬أعمق،‭ ‬منها‭:‬ارتباك‭ ‬في‭ ‬الرؤية‭ ‬والهوية،‭ ‬وغياب‭ ‬خطاب‭ ‬نقدي‭ ‬واضح،‭ ‬ولجان‭ ‬تحكيم‭ ‬لا‭ ‬تثير‭ ‬نقاشا‭ ‬حقيقيا،‭ ‬وندوات‭ ‬شكلية‭ ‬بلا‭ ‬جمهور‭ ‬أو‭ ‬تأثير،‭ ‬بجانب‭ ‬تغطية‭ ‬إعلامية‭ ‬خافتة‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬أهمية‭ ‬الحدث‭.‬

كل‭ ‬ذلك‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬تآكل‭ ‬بريق‭ ‬المهرجان،‭ ‬وتحوله‭ ‬تدريجيا‭ ‬من‭ ‬“مرآة‭ ‬للسينما‭ ‬المصرية”‭ ‬إلى‭ ‬مناسبة‭ ‬بروتوكولية‭.‬

كيف‭ ‬نسترد‭ ‬البريق؟

إذا‭ ‬كان‭ ‬الهدف‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬إحياء‭ ‬المهرجان‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬إعادته،‭ ‬فهناك‭ ‬خطوات‭ ‬ضرورية‭ ‬لا‭ ‬مفر‭ ‬منها،‭ ‬خاصة‭ ‬وهو‭ ‬يقتحم‭ ‬عامه‭ ‬الخامس‭ ‬والعشرين،‭ ‬وهو‭ ‬رقم‭ ‬مهم،‭ ‬أولًا‭: ‬الواقعية‭ ‬في‭ ‬التوسع،‭ ‬باختيار‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬قصور‭ ‬الثقافة‭ ‬المؤهلة‭ ‬فعليا،‭ ‬أو‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بعروض‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬تطوير‭ ‬تقني‭ ‬مؤقت‭ (‬شاشات‭ ‬متنقلة،‭ ‬تجهيزات‭ ‬احترافية‭).‬

ثانيًا‭: ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭, ‬واعتبار‭ ‬العروض‭ ‬السينمائية‭ ‬مشروعا‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭ ‬بتحديث‭ ‬قاعات‭ ‬مختارة‭ ‬لتصبح‭ ‬نواة‭ ‬لسينما‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬المحافظات‭.‬

ثالثًا‭: ‬استعادة‭ ‬الدور‭ ‬النقدي‭ ‬عبر‭ ‬ندوات‭ ‬حقيقية‭ ‬يديرها‭ ‬نقاد‭ ‬وسنمائيون‭ ‬ونقاشات‭ ‬حول‭ ‬الصناعة،‭ ‬لا‭ ‬مجاملات،‭ ‬أيضا‭ ‬إتاحة‭ ‬مساحة‭ ‬للاختلاف‭ ‬والجدل‭.‬

رابعًا‭: ‬هوية‭ ‬واضحة‭ ‬للمهرجان‭.. ‬هل‭ ‬هو‭ ‬مهرجان‭ ‬جوائز؟‭ ‬أم‭ ‬منصة‭ ‬تقييم‭ ‬سنوية؟‭.. ‬أم‭ ‬جسر‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬وصناع‭ ‬السينما‭ ‬المستقلة؟‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬غياب‭ ‬الإجابة‭ ‬هو‭ ‬بداية‭ ‬كل‭ ‬الأزمات‭.‬

خامسًا‭: ‬إشراك‭ ‬النقاد‭ ‬وصناع‭ ‬السينما‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬التخطيط‭ ‬لا‭ ‬التنفيذ‭ ‬فقط،‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬الرؤية‭ ‬لا‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالحضور‭ ‬الشرفي‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬القرار،‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬الصورة‭ ‬التذكارية‭.‬

إن‭ ‬عودة‭ ‬المهرجان‭ ‬القومي‭ ‬للسينما‭ ‬خطوة‭ ‬مطلوبة،‭ ‬لكن‭ ‬العودة‭ ‬وحدها‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭. ‬فالسينما‭ ‬لا‭ ‬تُكرَم‭ ‬بالنوايا،‭ ‬بل‭ ‬بالاحترام‭ ‬التقني‭ ‬والفكري‭.‬‭ ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬تطرح‭ ‬الأسئلة‭ ‬الصعبة‭ ‬الآن،‭ ‬فقد‭ ‬نجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬بعد‭ ‬دورة‭ ‬أو‭ ‬اثنتين‭ ‬أمام‭ ‬مهرجان‭ ‬“قائم”،‭ ‬لكنه‭ ‬بلا‭ ‬أثر‭.. ‬وبلا‭ ‬ذاكرة‭.‬

;