بين الرغبة في اللامركزية والواقع التقني لقاعات العرض.. يقف المهرجان القومي للسينما أمام اختبار حقيقي: هل تعود السينما إلى جمهورها، أم يتكرر فقدان البوصلة؟
تمثل عودة المهرجان القومي للسينما حدثا منتظرا بعد سنوات من التراجع والارتباك والتأجيل، ليس فقط بوصفه تظاهرة فنية، بل باعتباره المنصة الرسمية الوحيدة التي يفترض أن تحتفي بالسينما المصرية، وتعيد طرح أسئلتها الكبرى، وتقيّم منجزها السنوي بعيدا عن منطق السوق وحده.
لكن قرار إدارة المهرجان الجديدة بعرض الأفلام في قصور الثقافة بالمحافظات، إلى جانب القاهرة، يفتح بابا واسعا للنقاش، لا حول النوايا، بل حول القدرة على التنفيذ.
النية جيدة.. لكن هل القاعات جاهزة؟
من حيث المبدأ، يبدو القرار جذابا ومحمودا، من حيث كسر مركزية القاهرة، وإتاحة الأفلام لجمهور أوسع ، وإعادة ربط السينما بالمحافظات التي غُيبت طويلًا بحكم ظروف اقتصادية وتخطيط قاصر.
لكن يظل السؤال الجوهري:هل قاعات السينما في قصور الثقافة مجهزة فعليا لعرض سينمائي يليق بصناع الأعمال وبالجمهور؟
الإجابة الواقعية، للأسف، تميل إلى النفي. فمعظم هذه القاعات تعاني من شاشات غير مهيأة للعرض السينمائي الاحترافي .. لا تقنيًا، ولا صوتيًا، ولا حتى من حيث فلسفة التلقي.
شاشات صغيرة، أجهزة عرض قديمة مستهلكة أو غير مخصصة للـ DCP، نظم صوت لا تعكس التصميم الصوتي للأفلام، غياب العزل الصوتي والإضاءة المناسبة، نقص الكوادر الفنية المدربة على تشغيل العروض.. في هذه الظروف، لا يُعرض الفيلم.. بل يُشوَه.
وفي هذه الحالة، لا يتحول “نشر الثقافة السينمائية” إلى مكسب، بل قد يصبح إساءة غير مقصودة للأفلام نفسها، حين تُعرض في ظروف تقنية تفرغ التجربة من معناها الجمالي.. فأين ستُعرض الافلام وكيف؟
والسؤال الاخر من يخسر؟
الخسارة هنا مزدوجة:
صناع الأفلام الذين يُقدم عملهم في صورة أقل من مستواها الحقيقي، والجمهور الذي لا يختبر السينما بوصفها تجربة سمعية وبصرية متكاملة.
والأخطر أن المهرجان نفسه قد يخسر مصداقيته، حين يُختزل في كونه “فعالية عرض” لا “تجربة سينمائية”.
دروس قاسية من دورات سابقة
ليست أزمة القاعات وحدها ما يهدد عودة المهرجان، فالدورات السابقة كشفت عن مشكلات أعمق، منها:ارتباك في الرؤية والهوية، وغياب خطاب نقدي واضح، ولجان تحكيم لا تثير نقاشا حقيقيا، وندوات شكلية بلا جمهور أو تأثير، بجانب تغطية إعلامية خافتة لا تعكس أهمية الحدث.
كل ذلك ساهم في تآكل بريق المهرجان، وتحوله تدريجيا من “مرآة للسينما المصرية” إلى مناسبة بروتوكولية.
كيف نسترد البريق؟
إذا كان الهدف الحقيقي هو إحياء المهرجان لا مجرد إعادته، فهناك خطوات ضرورية لا مفر منها، خاصة وهو يقتحم عامه الخامس والعشرين، وهو رقم مهم، أولًا: الواقعية في التوسع، باختيار عدد محدود من قصور الثقافة المؤهلة فعليا، أو الاكتفاء بعروض خاصة بعد تطوير تقني مؤقت (شاشات متنقلة، تجهيزات احترافية).
ثانيًا: الاستثمار في البنية التحتية, واعتبار العروض السينمائية مشروعا طويل الأمد بتحديث قاعات مختارة لتصبح نواة لسينما حقيقية في المحافظات.
ثالثًا: استعادة الدور النقدي عبر ندوات حقيقية يديرها نقاد وسنمائيون ونقاشات حول الصناعة، لا مجاملات، أيضا إتاحة مساحة للاختلاف والجدل.
رابعًا: هوية واضحة للمهرجان.. هل هو مهرجان جوائز؟ أم منصة تقييم سنوية؟.. أم جسر بين الدولة وصناع السينما المستقلة؟ وقد يكون غياب الإجابة هو بداية كل الأزمات.
خامسًا: إشراك النقاد وصناع السينما أنفسهم في التخطيط لا التنفيذ فقط، في صياغة الرؤية لا الاكتفاء بالحضور الشرفي في صناعة القرار، لا في الصورة التذكارية.
إن عودة المهرجان القومي للسينما خطوة مطلوبة، لكن العودة وحدها لا تكفي. فالسينما لا تُكرَم بالنوايا، بل بالاحترام التقني والفكري. وإذا لم تطرح الأسئلة الصعبة الآن، فقد نجد أنفسنا بعد دورة أو اثنتين أمام مهرجان “قائم”، لكنه بلا أثر.. وبلا ذاكرة.
تطبيع الذكاء الاصطناعى
خالد محمود يكتب : « الشهود المحترفون » .. كيف صنع النقد صورة سينما نجيب محفوظ ؟
ياسمين صبري والبطولة المطلقة







