ما يحدث فى القاهرة سيجعلها أجمل مدن العالم، وليس أحلامًا ولكنه واقع نلمسه بالفعل على الأرض رغم تشكيك المشككين تارة بحجة هدم المقابر وأخرى بضياع الأموال فيما لا يجدى.
ربنا يعطينا العمر لنرى القاهرة تعود لعصرها الذهبى وجمالها ورونقها التاريخى الذى نراه فى الأفلام الوثائقية أو الأفلام المصرية القديمة التى كانت تؤكد أنها عروسة المدن، وتخيلوا أن القاهرة كانت تسبق باريس ولندن وفقًا للتقارير الرسمية فى تنسيقها وجمالها ونظافتها، الحكاية مش كلام لكن تلك هى الحقيقة.
بصراحة ما يتم فى القاهرة من تطوير شىء إعجازى رائع يستهدف عودتها لعصرها الذهبى مع بداية القرن التاسع عشر لما كانت تسمى القاهرة الخديوية، بالمبانى الرائعة التى تشهد بعظمتها والتى ظلمناها بقبح ما شوهنا به وجهها بأجهزة التكييف واللوحات الإعلانية، فصارت مسخًا كان لابد من محوه والقضاء عليه.
ما يتم الآن فى المنطقة التاريخية بمجرى العيون والسيدة نفيسة والسيدة عائشة وما يتم فى وسط البلد وخلق مسارات لربط أضرحة ومزارات آل البيت بدأت آثاره تظهر للعين وتؤكد أن المنطقة ستكون مزارًا سياحيًا ودينيًا جاذبًا، ولا مثيل له فى العالم بما أعد لها من خطط تعيد الجمال من جديد.
والغريب هنا فى من شكك فى المشروعات وكان الهجوم ضاريًا خاصة بعد إقدام الدولة بجرأة على إزالة آلاف المقابر المحيطة بالمنطقة وتوسيع المحاور وخلق مسارات جديدة بشكل حضارى، وأقاموا المشانق للدولة كيف نهدم المقابر ونقتحم حرمة الموتى مع أن علماءنا أفتوا بجواز ذلك للمصلحة العامة، هؤلاء لو أتعبوا أنفسهم الآن لزيارة المكان لأدركوا كيف تحولت الأماكن الموحشة إلى مناطق رائعة الجمال وطرق نموذجية، يتم استكمالها فى إطار مشروع ضخم، وشككوا فى أن المحافظة أزالت مسجدين أثريين هما الغورى والمسبح عند منزل كوبرى السيدة عائشة ولو ذهبوا إلى هناك الآن لرأوا المآذن التى تم رفعها حجرًا حجرًا وبعناية ترتفع ويتم ترميم المسجدين فى بانوراما متحفية رائعة الجمال مع السيدة عائشة والسيدة نفيسة وخلال أيام يتم رفع الكوبرى الحديد من الميدان وتوسعة الشوارع بعد إيجاد الطريق البديل.
وهاجم البعض هدم مقابر المشاهير بالمنطقة التى يتم تطويرها مع أن الدراسات أكدت أنها كلها، منطقة الإمام ومجرى العيون غارقة فى المياه الجوفية التى جعلت منها مبانى آيلة للسقوط، بل وانهارت بالفعل لتخرج أحشاءها، ولك أن تتخيل تلك الضجة مع أن ملاك تلك المدافن بعضهم لم يزرها من سنوات والحقيقة أن الدولة والمحافظة أحسنتا لما تم اتخاذ القرار بإنشاء مقبرة تحمل اسم مقبرة الخالدين ينقل إليها رفات المشاهير والعظماء وبينهم الشاعر الكبير أحمد شوقى وشاعر النيل حافظ إبراهيم ومشاهير قراء القرآن ورجال السياسة، مقبرة نقل إليها شواهد بعض القبور وهى تحف معمارية أصرت الدولة على إنقاذها وترميمها لتنقل للمقبرة التى نقل إليها بالفعل رفات الشاعر الكبير أحمد شوقى فى منطقة عين الصيرة.
المتابعة الدقيقة من د. مصطفى مدبولى رئيس الوزراء، ووزير الإسكان والمتابعة اليومية من الدكتور إبراهيم صابر محافظ القاهرة للمشاريع تؤكد حرص الدولة على إعادة القاهرة عروسًا وأحلى مما كانت، ويجعلنا نقول للمشككين كفاكم.
المحافظ أكد لى أن التطوير يشمل كل شارع وكل منطقة بعد القضاء على العشوائيات، ويشمل ذلك إنشاء الحدائق العامة كالفسطاط على مساحة ٤٨٠ فدانًا فى مكان كان مقلبًا للقمامة، وأن ما يحدث فى القاهرة سيجعلها أجمل مدن العالم، ما يحدث ليس أحلامًا ولكنه واقع نلمسه بالفعل على الأرض رغم تشكيك المشككين تارة بحجة هدم المقابر وأخرى بضياع الأموال فيما لا يجدى.. إعادة الحياة لشوارع ومبانى القاهرة القديمة يمكن لأى مواطن أن يلمسه بوضوح الآن فقد أتمت المحافظة جزءًا كبيرًا من تطوير وسط البلد وجزءًا من تطوير القلعة والمنطقة المحيطة وأنشأت مسارات لمساجد آل البيت فى بانوراما تجمع بين الماضى والحاضر وتربط التاريخ بالأماكن وهو ما يجعل مصر قبلة للسائحين والرواد بما تحوى من كنوز ورموز ورفات للخالدين الذين كتبوا تاريخها ولا تنساهم.
«الخال» والوصية
أبريل القادم يكون قد مر على رحيل الخال الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودى ١١ عاماً، الرجل الذى عاش «بسيطًا» ومات أيضًا «بسيطًا»، كما أوصى بلا ضجيج، ورغم السنوات لازال الشاعر الكبير والصديق يعيش فى وجدانى ووجدان كل مصرى عرفه من أشعاره أو قرب منه وعاشره.
أكثر من ٢٠ عامًا كنت قريبًا منه «استأمننى»على مراجعة يومياته التى كان يختص بها الأخبار وتنشر الاثنين من كل أسبوع، كان يرسلها على الفاكس، وأتلقاها لإعدادها بعد الجمع للنشر فى الصفحة الأخيرة بالأخبار، وكان استلام اليوميات من الفاكس متعة بما تتضمنه ولجمال الأوراق المنمقة والخط الجميل الواضح ومن حبى له ولاستمتاعى باليوميات استأذنته فى الاحتفاظ بنسخة لى للذكرى مع أنها ملك للأخبار ولم يمانع، الخال كان فى قمة التمكن من اللغة العربية، ومن المستحيل أن تجد خطأً إملائيًا فيما يكتب وكان ذلك ما يسهل عمل الزملاء فى التصحيح الذين يعانون معنا من الأخطاء.. وكان لإعداد يوميات الخال «طقوس» معقدة، فلم يكن يطمئن على النشر إلا بعد أن يرى بروفة نهائية كنت أرسلها له بالفاكس مطبوعة لأنها تحمل اسمه وبعد أن يطمئن أو يجرى أى تعديل يرسلها مرة أخرى لنرسلها لرئيس التحرير للنشر.
أتذكر اللحظة التى مات فيها، وقبلها بأيام كان أستاذى الأديب الكبير جمال الغيطانى قد أخبرنى أن الخال فى غيبوبة وأنه يرقد فى مستشفى الجلاء العسكرى فى حالة حرجة، حتى جاء يوم الوفاة عند الثالثة ظهرًا ليخبرنى الخال تعيش إنت وأسرعت للمستشفى لألقى نظرة وداع عليه، ولحقت به فى مصعد المستشفى على ترولى ينقله بصحبة خادمه محمود الذى كان يقوم بكل طلباته، ووقفت حتى نقل لسيارة الإسعاف التى نقلته للإسماعيلية ليدفن هناك كوصيته.
فى مذكراتى وبين أوراقى وجدت بعض ما كان يكتبه الخال لى على أغلفة اليوميات ومنها كلمة حاولت أن أفهمها منه وهى «الحنش.. أسامة شلش مع تحياتى» وفتحت البعض لأرى كيف كان الخال يعيش نبض الوطن وهو يكتب ومنها سطوره التى كتبها عن إقبال الناس على تقديم الدعم بنقودهم لقناة السويس وهو يصف الناس بأنهم شعب آمن برئيسه وصدقه فقدم له كل الدعم، ولن أنسى فرحته فى يوميات كتبها تحت عنوان «الثأر» بعد أن قامت القوات الجوية المصرية بضرب معاقل الإرهابيين فى ليبيا بعد قتل الـ ٢١ مصريًا المسيحيين وكانت فرحته أكبر وهو يستمع إلى أغنيته فى صباح يوم الضربة بعد بيان الجيش بالثأر وكانت أغنية اضرب لعبد الحليم.
للخال معى ذكريات عظيمة ولكنى أتوقف أمام ما شاهدته لحديث مع ابنته آية وزوجته الإعلامية الرائعة نهال كمال حول وصيته والتى كتبها بخط يده وكانت كموال حب كقصائده ليقول فيها «أنا كتاب مفتوح، عشت بسيطًا، وأرحل بسيطًا، وأرجو تحقيق ذلك، لا أريد تشييعًا رسميًا قاهريًا، مهما كانت الوعود، من أراد أن يشاركنا حقًا فى رحيلنا، فأهلًا وسهلًا، أما القاهرة وكرنفالاتها وضجيجها، فلا تخيل علينا ولا تليق بى».
الله يرحمك يا خال حتى فى رحيلك مبدع.
الإسكندرية «وترامها» أبو دورين
من منا لايعشق الإسكندرية وشواطئها، ومبانيها التاريخية، ومن منا من لم يردد وهو يتجول فى حواريها وأزقتها مواويل وطقاطيق سيد درويش.
أنا من عشاق التاريخ والآثار وتربطنى بالاثنين علاقة حب منذ صغرى، ولهذا أسعدنى جدًا قرار محافظة الإسكندرية بالإبقاء على ترام المدينة الشهير، ولا أعرف من كان صاحب فكرة إزالته للتجميل وتوسيع الشوارع، قطعًا هو لا يعرف قيمته الحقيقية كأثر، ارتبطت به الإسكندرية من عقود.
عشنا طفولتنا وشبابنا نركبه من فيكتوريا شرق المدينة إلى محطة الرمل الشهيرة غربها، مرورًا بأحيائها الشهيرة، فسحة جميلة، والإحصاءات تقول إن هناك ما يقارب الـ ٨٠ ألفًا يستخدمونه يوميًا.
الترام «التاريخى» دخل الخدمة بالمدينة فى عهد الخديو محمد سعيد باشا منذ أكثر من ١٦٠ سنة كاملة وبالتحديد فى ٨ يناير ١٨٦٣، بعربات كانت تجرها الخيل وكان السائقون من الطلاينة والكمسارية أغلبهم من مالطة وكانوا يعتبرون أنفسهم مع اليونانيين من أهل البلد وفعلًا اختلطوا بأهلها وصاروا نسيجًا واحدًا، بل وتجد لهم أصول حتى الآن.. وفى عام ١٩٠٣ تم استخدام عربات تعمل بالكهرباء، وكان ذلك أول استخدام لها فى وسيلة مواصلات بالشرق الأوسط كله، وتم تسييره على قضبان حديدية، وتعارف الناس على ترام الرمل الذى كان يكتسى بلونين الأزرق ومنه أبو دورين والأصفر، الأزرق كان يمر بالمناطق الراقية، جناكليس وزيزينيا ورشدى، وكان يتكون من ٣ عربات، خصصت إحداها للسيدات والثانية للرجال وثالثة مشتركة وكانت التذكرة بـ ٢٥ قرشا، أما الترام الأصفر فكان يكمل المسيرة من الرمل للمناطق الشعبية، الأنفوشى وكامب شيزار وكرموز، ويكفى أن نعرف أن هناك متحفًا تجرى إقامته بمعاونة الأمم المتحدة فى محطة الرمل يحكى قصة ترام الإسكندرية العريق يحتوى على كل ما يخص الترام.

السيد النجار يكتب: ومـاذا عن..؟
حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين







