فنان نادر التكرار، نسيج وحده، حباه الله بصوت آسر فتان، سليم المقامات، صافى النغمات، يملأ القلوب شجنًا، ويشيع البهجة فى النفوس، ويستقطب أرواح المستمعين، فعلى ضفتى حنجرته يصدح "أرغول" مصرى شجي، محمَّلٌ بأنداء الصباح، وتباريح العشاق، يفيض رقة وقوة وعذوبة، وتختصر مواويله لوعة أحلام العذاري، وعذابات الكادحين، أو تختصر عذاباته هو شخصيًا، وتفيض بحكمة البسطاء، إذ يسكب معاناته غناءً وشدوًا "لك يوم يا ظالم فيه راح تبات مظلوم" ليسكن مطرب "البيض الأمارة والسمر العذاري" عبد الغنى السيد قلوب أهل المحروسة ولا يبرح، رغم مرور الزمن وتفننه فى محو أسماء الكثيرين، ممن سلكوا ذياك الطريق.
ولد "عبد الغنى سيد محمد سرور" فى 16 يونيو 1908 بحى عابدين بالقاهرة، عمل بمهنة والده "ستورجي" بمعارض "على خليل" للموبيليا ولم يستكمل تعليمه، وتصادف أن استمع إليه الملحن "زكى مراد" وكان صديقًا لصاحب المعرض، فسحره صوته وقرر أن يتبناه موسيقيًا، واصطحبه إلى بيته وعلمه أصول الغناء مع أولاده ليلى ومنير، وقدمه فى الحفلات والأفراح وتهافتت عليه محطات الإذاعات الأهلية، واعتمد مطربًا بالإذاعة المصرية منذ افتتاحها عام 1934، وحقق نجاحًا كبيرًا فى وجود عمالقة الغناء فى عصره، وعرفت السينما طريقها إليه، فمثل وغنى بمجموعة من الأفلام التى ساهمت فى سطوع نجمه بشكل غير مسبوق، وأبرزها: "وراء الستار 1937، شيء من لا شيء 1938، عريس من استنبول 1941، عايدة 1942، طاقية الإخفاء، شارع محمد على 1944، سفير جهنم 1945، نور من السماء، ليالى الأنس 1947، بنت العمدة، البيت الكبير 1949، ضحيت غرامي، أسرار الناس 1951، بينى وبينك، المرأة كل شيء 1953، كيلو 99 عام 1955".
البداية الحقيقية لأرغول الطرب كانت من خلال ألحان الموسيقار رياض السنباطي، وبلغت أكثر من 60 لحنًا، أبرزها "شفت الأمل والهنا" وتجاوز توزيع أسطوانة "نسيتى حبى بعد اللى كان" مليون نسخة فى فرنسا وحدها، وحاز عنها الجائزة البلاتينية، ومن تلك الأغنيات: "يا ذكرى أول غرامي، هجرتنى ليه، سليت ودادي، والله يا رب الحب مرار" فضلًا عن درته الخالدة: "آه م العيون" ومن بين رصيد غنائى تجاوز 850 أغنية لحن له محمد عبد الوهاب أغنيات: "أنا وحدى يا ليل، آه م الزمان، بكره ح تندم، جبال الكحل، أنا وياك، الحلو شاورلى بمنديله، يا حبيبى الله يخليك، يا اللى غرامك حلالي" وغيرها، وحظى محمود الشريف بنصيب الأسد من جملة ألحانه وأشهرها: "يا وله يا وله، البيض الأمارة، ع الحلوة والمرة، إيه فكر الحلو بيا، بايعنى والا شاريني، لا أنت ولا أنا، الفرح والضني، ياللى بعادك طال، أنا وانت فى الهوي، يا قلبى جرالك إيه، يا شاغل روحك، موال ما تحسب إن البعاد فرقنا" ومن روائع محمد الموجى غني: "وحيد وأنا مش وحيد، عينى يا عيني، ربيع جمالك، من كلمتين، يا ليالي، يا نسمة العصاري، يا بايع الصبر، حلم جميل، الزحف المقدس" وغنى لكمال الطويل: "أنا باستنى معادك، أنا جنبك باقى الدنيا" ولبليغ حمدي: "سحر جمالك، أنا متنسيش" ومن أجمل ألحانه لنفسه: "وحشتنى عيونك، وحياتك ما ح اعاتبك، عطشان والنبي، انت على بالي، ليه بتنساني" أما أشهر أغنياته الوطنية فهي: "ادتنى الثورة خمس فدادين، العربى أخو العربي، حررناها، نداء الوطن، كلنا عمال، ثورة الأحلام، يا مسافر المنصورة، تحيا بلادي، من شعبى لعبد الناصر، قولوا لمصر".
وفى تصريحات خاصة لـ "أخبار السيارات" يقول ابنه الوحيد المهندس وموزع الموسيقى "محمد عبد الغنى السيد": والدى توفى وعمرى 7 سنوات، أذكر بعض الأشياء بالإضافة إلى ما قمت بجمعه عن سيرته الذاتية من والدتى والمقربين، ويؤكد: تزوج والدى ثلاث مرات، وأنجب من الأولى "زينب وبثينة"، وانفصلا ليتزوج من ابنة أحد الوزراء وطلقها بعد أسبوع، فيما كانت الزيجة الأخيرة من والدتى وأنجب منها "ليلى وإيمان وأنا" وأضاف: "أعكف على توثيق سيرته حرصًا منى على عدم تشويهها، ولكونها تعرض لجزء مهم من تاريخ مصر، وغنية بالأحداث والتفاصيل الدرامية، حيث ابتلى والدى فى صباه بزوجة أب قاسية القلب، كانت تعاقبه بسكب الماء المغلى على جسده، وحين اكتشف جدى ما فعلته طلقها على الفور، وأعاده إلى أمه ليعيش معها، خاصة أنها لم تتزوج، وتولى والدى مهمة الإنفاق عليها ورعايتها".
ويضيف الفنان محمد عبد الغني: والدى أجاد القراءة والكتابة وترك مكتبة كبيرة وهو صاحب خط جميل ويعشق الرسم، وفيلسوف عميق الرؤى بالفطرة، ونفى نجله ما شاع على لسان أحد النقاد من أن الشاعر سيد مرسى كان يعمل "مكوجيًا" ويراسل خادمة الشاعر مأمون الشناوي، وكتب لها أغنية "ع الحلوة والمرة" فوقعت فى يد الشناوى وأعطاها للملحن محمود الشريف، وصحح: "كان سيد مرسى صديقًا لأبى وشاعرًا كبيرًا ومدرسًا للغة العربية ويذاكر لى ولأختي، وقصة الأغنية مختلقة تمامًا"، وعن سيارته الخاصة قال: امتلك والدى سيارة "ستوديبيكر" Studebaker أمريكية الصنع، لونها أخضر فستقى جميل، لا يبرح مخيلتي، وهى سيارة واسعة ومريحة تتسم بمتانتها ومزودة بناقل حركة يدوى رباعى السرعات، وكان يرافقه فى جولاته بالسيارة أنور وجدى وليلى مراد وشادية وكمال الطويل ومعظم الفنانين، ونظرًا لتمتعه بخفة ظل نادرة عاش محبوبًا من جميع الفنانين، وكان حريصًا على اصطحاب والدتى وأفراد الأسرة فى جولاته بتلك السيارة التى بعناها بعد رحيله لمرورنا بضائقة مالية.
وعن وفاة عبد الغنى السيد المفاجئة يذكر نجله: أن والده أصيب بجلطة فى الساق ألزمته الفراش لفترة طويلة، وأن كوكب الشرق السيدة أم كلثوم كانت من أكثر الفنانين زيارة ومواساة له، وتصادف أن اتصلت به الفنانة تحية كاريوكا فى الثالثة صباحًا، بعد تشاجرها مع زوجها فايز حلاوة وإصرارها على الطلاق، فسارع بالذهاب إليها على الرغم من خطورة الحركة عليه، ونصحها بعدم الانفصال والحفاظ على زيجة دامت طويلًا بعد تعدد زيجاتها وطلاقها، ولكنها رفضت نصحه بحدة متناهية واتهمته بمحاباة زوجها، وتأثر من طريقتها الحادة فى معاملته، وحكت لى والدتي، أن الجلطة تحركت فأغلقت الشريان التاجى فتوفى بعد نقله إلى المستشفى بثلاث ساعات فى 9 ديسمبر 1962، وأضاف أن الفنان عبد الحليم حافظ شارك والده الغناء فى نشيد "الثأر" ونظرًا للصداقة الوطيدة بينهما اكتفى بغناء "فى يوم فى شهر فى سنة" التى يحبها ويطلبها عبد الغنى السيد، فى أول حفل يقيمه بعد رحيله بثلاثة أيام -وكان محددًا سلفًا- وطلب من الفرقة الموسيقية وجمهور الحاضرين الوقوف حدادًا، ناعيًا ومؤبنًا فنانًا ترك بصمته الخاصة فى دنيا الفن واصفًا رحيله بالخسارة الكبيرة.
وليد عبدالعزيز يكتب: تحديات صناعة السيارات.. وحوافز التوطين
مدحت عبدالدايم يكتب: شكري سرحان فتى الشاشة ورائد مدرسة الوعي
عثمان علام يكتب: تشتري سيارة صيني والا !!!!!







