ع الزيرو

عثمان علام يكتب: تحديات سوق السيارات في مصر

عثمان علام
عثمان علام


خلال العامين الأخيرين شهد سوق السيارات حراكاً غير مسبوق فى مصر، وذلك بعد فترة طويلة من التباطؤ الحاد نتيجة الصدمات الاقتصادية والتشديد النقدي. فمع دخول 2024-2025، بدأ السوق فى استعادة جزء كبير من نشاطه، مستفيداً من تحسّن أسعار المعروض نسبياً وعودة شريحة من المستهلكين إلى الشراء، فى وقت فرضت فيه الدولة قواعد جديدة أعادت تشكيل خريطة المستوردين والمنتجين.

البيانات الرسمية للمجلس المصرى للمعلومات السوقية (AMIC) أظهرت قفزة بلغت نحو 83٪ فى المبيعات خلال الشهور السبعة الأولى من 2025، بإجمالى يقترب من 90 ألف سيارة، هذا الانتعاش لا يعنى عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الأزمة، لكنه يعبّر عن مرحلة انتقالية يتشابك فيها الطلب المكبوت مع معروض لا يزال محدوداً فى بعض الفئات، وترهلاً فى فئات أخرى .

وقد ساهمت عدة عوامل فى ارتفاع الطلب مؤخراً، أبرزها تراكم الرغبة فى الشراء بعد سنوات من الترقب، واستقرار نسبى فى سعر الصرف، بجانب توسع ملحوظ فى أنظمة التمويل والتقسيط التى تقدمها البنوك الكبرى مع الوكلاء، كما برز توجه واضح نحو السيارات الاقتصادية ذات الاستهلاك المنخفض، سواء من فئة الهاتشباك أو الطرازات العاملة بالغاز الطبيعى والكهرباء، مما يعكس تحولاً قسرياً فى سلوك المستهلك.

الإجراءات الحكومية لتنظيم استيراد السيارات فرضت واقعاً جديداً على السوق، فالقيود التى حددت حق الأفراد فى استيراد سيارة واحدة كل خمس سنوات، وشروط الإفراج الجمركى المشدد، قلّصت تدفق السيارات المستوردة، خصوصاً الفاخرة والمستعملة القادمة من الخارج. وهذا الانكماش فى المعروض فتح المجال أمام المنتج المحلى الذى بدأ يستعيد جزءاً من مكانته، مدعوماً بخطط حكومية لتوطين التصنيع وإطلاق خطوط إنتاج جديدة لعلامات صينية وأمريكية، هذا بالإضافة الى التقفيل المحلى الذى هبط بأسعار العديد من السيارات.

انتعاش المستعمل كان متوقعاً، لكنه جاء مصحوباً بارتفاع الأسعار أيضاً، فمع نقص المعروض من السيارات الجديدة وزيادة القيود على استيراد المستعمل، أصبح السوق المحلى يحدد السعر وفق قاعدة العرض المحدود والطلب المتزايد، ما خلق فرصة لتجار قطاع المستعمل، لكنه وضع المستهلك تحت ضغوط مالية أكبر.

ورغم الجهود الحكومية لدعم السيارات الكهربائية عبر إعفاءات جمركية وبرامج تحفيز، فإن الانتشار لا يزال محدوداً، فشبكة الشحن ما تزال فى مرحلة مبكرة، وأسعار المركبات الكهربائية تفوق قدرة معظم الشرائح، مما يجعل التحول الكهربائى خطوة بطيئة لكنها قادمة لا محالة إذا ما تحسنت البنية التحتية وزادت عدد نقاط الشحن، مع وضع حزمة حوافز أخرى تجعل المستهلك يقدم على شراء سيارة صديقة للبيئة .

لكن يظل سعر الصرف عاملاً حاسماً فى تحديد أسعار السيارات الجديدة وقطع الغيار، فيما يسهم التضخم العالمى فى رفع تكلفة المواد الخام، كما أن سياسات تسعير الوقود المرتقبة قد تدفع المستهلكين مستقبلاً للبحث عن سيارات أكثر كفاءة أو طرق نقل بديلة.

ورغم الانتعاش النسبي، يبقى السوق محاطاً بعدة تحديات، منها ارتفاع عبء التمويل على الأسر، والبيروقراطية المصاحبة لعمليات الاستيراد، وضعف بنية شحن المركبات الكهربائية، إلى جانب وجود سوق رمادية تستغل الثغرات لتحقيق أرباح غير خيالية.

التحليلات تشير إلى استمرار ارتفاع المبيعات خلال الـ12 إلى 18 شهراً المقبلة إذا ظلّ الاستقرار فى سعر الصرف قائماً. وعلى المدى المتوسط، يمكن أن يشهد السوق تحولاً نوعياً نحو السيارات المحلية والكهربائية إذا دعمت الدولة هذا التوجه بحوافز واقعية، أما السيناريو السلبى فيتمثل فى عودة التضخم أو تشديد قيود الاستيراد دون تعزيز التصنيع المحلي، وهو ما قد يؤدى إلى نقص معروض جديد وارتفاع غير مسبوق فى الأسعار.

سوق السيارات فى مصر أمام فرصة ذهبية لصناعة قصة نجاح جديدة إذا نجحت الدولة فى تحقيق توازن بين تنظيم السوق وتشجيع المستثمرين وتطوير البنية التحتية، وما بين انتعاش المبيعات وتحديات القدرة الشرائية، وبين الحماس الحكومى للتصنيع والواقع الاقتصادى الضاغط، يبقى مستقبل قطاع السيارات مرهوناً بقرارات دقيقة تضمن استمرار النمو واستعادة الثقة لدى المستهلك والشركات على حد سواء.

ويبقى أن هناك فرصة ذهبية لمن يريد الشراء، فالأسعار وخاصةً لموديلات 2025 باتت منخفضة نسبيًا، ومعظم الوكلاء يريدون التخلص من هذا المخزون مع بداية العام الجديد 2026، والذي من المتوقع أن يحافظ على سعره دون تحريك فى المدى القريب، لكن يظل الفيصل هو حاجة المستهلك للشراء، وتوفر السيولة النقدية .