صياغة عقد اجتماعى عربى ثقافى جديد يُنتج جيلًا قادرًا على مواجهة تحديات العصر الرقمى والعولمة
بناء ذاكرة عربية شاملة تحفظ الإنجازات الثقافية والتاريخية لفلسطين
فى ظل التحولات الكبرى التى يشهدها العالم، وتزايد التحديات التربوية والثقافية والعلمية أمام الأمة العربية، يبرز الدور المحورى للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، كأداة عربية لحماية الهوية وصون التراث وتعزيز مكانة الثقافة العربية فى عصر العولمة والرقمنة.. وفى حوار شامل مع «الأخبار».
أكد د. محمد ولد أعمر، المدير العام للمنظمة، أهمية صياغة عقد اجتماعى عربى ثقافى جديد يواكب التحديات الراهنة، ويعزز وحدة الرؤية تجاه الهوية والقيم والمستقبل.
مشيرًا إلى أن اللغة العربية تمثل الركيزة الأساسية للهوية العربية، وأداة لنقل الثقافة وتعزيز التضامن والإبداع. وأوضح ولد أعمر، أن الدولة المصرية جعلت الثقافة محورًا أساسيًا فى سياساتها لبناء الإنسان وصون الهوية وتحقيق العدالة الثقافية، مشيدًا بدورها الريادى فى دعم المشروع الثقافى العربى المشترك
فى ظل الأزمات السياسية التى يعيشها العالم العربى، كيف ترى علاقة الثقافة والتعليم بإرساء الاستقرار السياسى والاجتماعى؟
فى ظل الأزمات السياسية والاجتماعية التى تعيشها بعض الدول العربية، يصبح الحديث عن دور الثقافة والتعليم فى ترسيخ الاستقرار أمرًا استراتيجيًا لا غنى عنه، فالثقافة والتعليم يشكلان العمود الفقرى لأى مجتمع قادر على الصمود أمام التحديات، وبناء نُظم تعليمية وثقافية واجتماعية مرنة ومستدامة، وهما ليسا مجرد أدوات لنقل المعرفة، بل محركان أساسيان لصناعة وعى مجتمعى متوازن قادر على إدارة الأزمات والتكيف معها.
كيف تسهم المنظمة فى بناء مستقبل حضارى للأمة العربية؟
من هذا المنطلق، تعمل الألكسو على تهيئة بيئة تربوية وثقافية وعلمية مرنة، تربط بين المعرفة والقيم، وتدعم قدرة المجتمعات العربية على تحويل الأزمات إلى فرص لتطوير التعليم والثقافة، وتعزيز الاستقرار.
موقف عربى موحد
هل ترى أن غياب مشروع ثقافى عربى مشترك هو ما أضعف الموقف العربى المُوَحَّد فى القضايا الدولية؟
نحن نعتبر كل أنشطة المنظمة ومبادراتها بمثابة مشروع ثقافى عربى مشترك، يمثل عنصرًا أساسيًا لتعزيز الهوية العربية وتنسيق الرؤية المشتركة بين الدول، وهو عامل مهم فى تقديم موقف عربى موحد على الصعيد الدولى، ومع التحديات المعاصرة، أدركت الألكسو أهمية تطوير هذا المشروع لتعزيز التعاون الثقافى وإتاحة مساحة للبلدان العربية لتبادل الخبرات والإنتاج الثقافى بشكل متكامل.
ما دور الألكسو فى تعزيز الهوية العربية فى زمن العولمة الرقمية والاختراقات الثقافية الغربية؟
فى زمن العولمة الرقمية والاختراقات الثقافية الغربية، تضطلع (الألكسو) بدور محورى فى تعزيز الهوية العربية وصون التراث الثقافى والمعرفى، ومن أبرز مشروعاتها فى هذا الإطار بوابة النقوش، التى توثّق كنوز التراث العربى فى صيغة رقمية تتيح للباحثين والمهتمين الوصول إليها عبر منصة إلكترونية متخصصة.
كما تعمل المنظمة على توسيع المبادرات الرقمية لدعم الهوية العربية من خلال رقمنة التراث والإنتاج الثقافى، وإنشاء منصات تعليمية وثقافية رقمية موجهة للشباب، تجمع بين الأصالة والانفتاح، وتغرس فى الأجيال الجديدة الاعتزاز بالهوية العربية فى مواجهة تحديات العصر الرقمي.
أين تقف الثقافة العربية اليوم بين الحداثة والتراث؟ وهل يمكن صياغة «نهضة عربية» ثقافية جديدة؟
ترى منظمة (الألكسو)، أن الثقافة العربية قادرة على الجمع بين التراث والحداثة دون تناقض، إذ تثمن الموروث الثقافى العربى لكنها لا تغلق الباب أمام التطوير والتجديد.
وقد تَجَسَّد هذا التوازن فى إطلاق سجل التراث المعمارى والعمرانى فى الوطن العربى، الذى شمل مواقع تراثية ومعاصرة على حد سواء، إلى جانب دعم الدول العربية فى تسجيل تراثها المادى وغير المادى لدى اليونسكو، بما يواكب التطورات العالمية فى صون التراث.
وأكدت الألكسو، أنها مُنفتحة على فكرة صياغة نهضة عربية ثقافية جديدة، وتواصل جهودها لمساندة الدول العربية فى تحقيق هذا الطموح.
هل مبادرات المنظمة كافية لحماية اللغة العربية؟
تُعدّ اللغة العربية ركيزة أساسية للهوية العربية وعمودًا من أعمدة المشروع الحضارى العربي، فهى ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل إطار لفهم التاريخ والحضارة، وأداة لنقل الثقافة وتعزيز التضامن والإبداع، وقد مَكَّنت الأمة العربية عبر القرون من الإسهام فى التراث الإنسانى علمًا وفكرًا وأدبًا وفنًا.. وفى عصر العولمة والرقمنة، يُواجه الحفاظ على العربية تحديات متزايدة، خصوصًا مع تراجع استخدامها لدى الأجيال الناشئة، ما يجعل إدماجها فى التعليم، والبحث العلمى، والإعلام، والتكنولوجيا، ضرورة لضمان استمرارها كلغة حية ومعاصرة.. «الألكسو» تدرك أن حماية اللغة العربية مسئولية جماعية، وفى هذا الصدد أطلقت عدة مبادرات استراتيجية، من أبرزها الإطار المرجعى المشترك للغة العربية بالتعاون مع البنك الإسلامى للتنمية، والذى يهدف إلى توحيد المعايير التعليمية وملاءمتها مع متطلبات العصر، إلى جانب برامج أخرى مثل تطوير المناهج التفاعلية وتعزيز البحث العلمى بالغة العربية وتوثيق التراث اللغوى وإنتاج محتوى رقمى وتأهيل المعلمين وبناء شراكات إقليمية ودولية.
كيف يمكن للمؤسسات الثقافية العربية استعادة دورها مع تصاعد «الثقافة الرقمية» ومنصات التواصل الاجتماعى؟
هذا التحدى يمكن أن يتحول إلى فرصة استراتيجية إذا ما اعتمدت هذه المؤسسات على تبنى أساليب مبتكرة تتماشى مع التحولات الرقمية العالمية.. من خلال إنشاء منصات رقمية متكاملة تعرض محتوى عربيًا أصيلًا ومتخصصًا، يواكب اهتمامات الجمهور ويُحَفِّزه على التفاعل، هذا يشمل المحتوى المرئى والصوتى والكتابى، بحيث تصبح هذه المؤسسات مرجعًا ثقافيًا موثوقًا.. كما يمكن لهذه المؤسسات أن تعتمد على الشراكات مع صناع المحتوى الرقمى والمبدعين العرب لتعزيز حضور الثقافة العربية على الشبكة، مع ضمان جودة الرسالة الثقافية وحفظ الهوية العربية.
وهل يمكن بناء «جبهة ثقافية عربية» موازية للعمل السياسى العربى المشترك؟
الجبهة الثقافية العربية موازية للعمل السياسى العربى المشترك، وليس خيارًا ثانويًا بل ضرورة استراتيجية لتعزيز الهوية العربية وتقوية الموقف العربى المشترك على المستويين الإقليمى والدولى، ونرى تحقيق ذلك من خلال عدة محاور منها توحيد الرؤية الثقافية بين الدول العربية عبر إنشاء برامج ثقافية مشتركة تحدد أولويات الثقافة العربية وتعكس قيمها المشتركة، مع الحفاظ على التنوع المحلى لكل بلد.. بالإضافة إلى تطوير آليات التعاون المؤسسى بين وزارات الثقافة، الجامعات، والمراكز البحثية العربية، بهدف إنتاج محتوى معرفى وإبداعى مشترك، سواء فى الأدب أو الفنون أو الإعلام الرقمى، ليكون بمثابة «رؤية عربية موحدة» توازى الخطاب السياسى.. هذا بخلاف دعم وتعزيز حضور الثقافة العربية عالميًا.
حماية الهوية
وماذا عن الشباب العربى فى هذا الزخم الثقافى؟
لابد من الاستثمار فى الشباب العربى، عبر برامج تدريبية ومشاريع ابتكارية، بحيث يصبح لديهم القدرة على صيانة الرسالة الثقافية والمساهمة فى صياغة خطاب عربى موحد وقوى على المستوى الدولى، بهذه الطريقة، يمكن للثقافة أن تصبح شريكًا فاعلًا للعمل السياسى العربى، وتعمل على تقوية الوحدة وحماية الهوية وتعزيز الحضور العربى فى المحافل العالمية.
كيف تنظرون إلى قضية فلسطين من منظور ثقافى تعليمى.. وما دور الألكسو فى الحفاظ على الذاكرة العربية تجاهها؟
تنظر «الألكسو» إلى قضية فلسطين من منظور ثقافى وتعليمى وهى أولوية فى العمل العربى المشترك، وفى هذا الإطار، تسعى المنظمة لدعم الدولة الفلسطينية فى تسجيل تراثها وصونه. بهدف بناء ذاكرة عربية شاملة تحفظه وتربط الأجيال الجديدة بقيمها وهويتها.
هل يمكن صياغة «عقد اجتماعى عربى ثقافى» جديد يُوحِّد الرؤية تجاه القيم والهوية والمستقبل؟
العقد موجود، لكن هناك تحديات تُواجه العالم وتواجهنا كدول عربية، ومن الممكن صياغة عقد اجتماعى عربى ثقافى جديد يُوَحِّد الرؤية تجاه القيم والهوية والمستقبل، وتعمل «الألكسو» على ذلك بالفعل من خلال مبادراتها السابقة والحالية.
دعم اللغة العربية
هل يمكن الحديث عن «كتلة عربية معرفية» قادرة على المنافسة عالميًا.. وكيف يمكن بناؤها؟
نسعى إلى بناء كتلة عربية معرفية قادرة على المنافسة عالميًا، تقوم على الإنسان العربى المبدع والتعليم النوعى الذى يجعل الطالب منتجًا للمعرفة لا مستهلكًا لها، وتُرَكِّز الجهود على تعزيز البحث العلمي، ودعم اللغة العربية فى مجالات العلوم والتكنولوجيا، وتمكين الشباب ليكونوا قادة الابتكار والتغيير.
حرصت الدولة المصرية على وضع المحور الثقافى ضمن أولوياتها لتعزيز بناء الإنسان وحفظ الهوية وتحقيق العدالة الثقافية، منذ تولى الرئيس السيسى مهام الحكم.. ما رأيكم؟
منذ عام 2014، جعلت الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى، الثقافة محورًا رئيسيًا فى مشروعها لبناء الإنسان وصون الهوية وتحقيق العدالة الثقافية، ما يعكس دورها الريادى عربيًا ودوليًا فى دعم الثقافة والتعليم، وقد تَجَسَّد هذا التوجه فى التعاون الوثيق مع الألكسو عبر مشاريع نوعية، أبرزها تسجيل الملفات التراثية العربية فى اليونسكو والندوة الإقليمية حول التراث المغمور بالمياه بمكتبة الإسكندرية عام 2024، وتواصل مصر، ترسيخ ريادتها عبر مبادرات لحماية التراث، ودعم الصناعات الثقافية، وتمكين الشباب العربى إبداعيًا، بما يعزز مكانتها كجسر حضارى يربط بين الرؤية الوطنية والمشروع الثقافى العربى المشترك. ولعل معركة مصر الثقافية التى كللت بالنجاح والفوز الساحق لقيادة اليونسكو، خير دليل على قوة مصر فى محيطها العربى والإقليمى والدولى، ومن هنا نبارك لمصر وللعرب والمسلمين على فوز د.خالد العنانى بمنصب مدير عام منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو»، وأتمنى من الجميع دعمه على جميع الأصعدة لإنجاح مهمته.

من العشوائية إلى التطوير| «التونسى».. سوق عصرى بـ «استايل موحد»
«إعادة توظيف ثقافى وسياحى» على غرار العديد من الدول العربية والإسلامية
نصيب المصريين من المقامرات العالمية 1,7 مليار دولار!







