يوميات الأخبار

الميت الحى!!

عمر عبد العلى
عمر عبد العلى


احتضنتنى أمى وهى تبكى وقالت: سامحنى يا ابنى، أنا اللى قلت لك تيجى تفطر معايا فى يوم كله بركة.. لكن ربك كبير… نجاك ورجعك ليا 

.. وعملت فى مهنة الصحافة وأنا فى سنواتى الأخيرة من الدراسة الجامعية بقسم الصحافة بكلية الآداب جامعة سوهاج، كانت مكافأتى الشهرية خمسين جنيها فقط!.. كانت الحياة بسيطة والأسعار رخيصة، وكان شغف العمل الدءوب فى مهنة صاحبة الجلالة يجعلنا نتجاوز الصعاب ونتحمل أوجاعا كثيرة.
فى صباح يوم النصف من شعبان عام 2001، وبعد خمس سنوات عجاف من العمل المتواصل، صدر قرار تعيينى.. وفى اليوم نفسه كانت الفرحة فرحتين، إذ زادت مكافأتى من خمسين جنيها إلى مائة جنيه شهريا. كانت فرحتى لا توصف، وكنت صائما فى ذلك اليوم المبارك وهو يوم النصف من شعبان.. على الفور، اتصلت بوالدتى الحاجة أمينة الكودى - رحمها الله -، كانت أمى أيقونة الحياة بالنسبة إلى، وهى الدافع لى لمواصلة عملى وتحقيق حلمى فى أن أكون صحفيا أحمل هموم الناس وهكذا جاء مقالى « يوميات مواطن»، لكن كان همى الأول والأخير كيف أدخل الفرحة والسرور إلى قلب والدتى حتى أسعدها.
قلت لها مبتسما: والله يا أمى، ربنا كريم، «علشان كده أول ولد رزقت به من عند الله بعد الزواج سميته كريم بجانب توأمه نزار «. جاء صوت أمى الحنون عبر الهاتف يقول: إيه يا ابني؟ هتفرحنى بحاجة حلوة النهارده؟.. قلت لها: نعم يا أمى، اتعينت والله دلوقتى حالا، وربنا استجاب لدعائك.. قالت لى: طب تعالى يا حبيبى، لو صايم تفطر معايا، الوقت لسه بدرى، وهعملك فطير أبيض ولحمة فى «القعباية» زى ما بتحب.. قلت لها: حاضر يا أمى.. وعلى فكرة يا أمى، أنا كمان قابض «مية جنيه»، هجيب لك بيهم حاجة حلوة.. بحثت عن تذكرة قطار إلى سوهاج فلم أجد، فقررت أن أركب ميكروباص من محطة أقاليم الصعيد بالمرج.. جلست فى المقعد الأمامى بجوار السائق، وجاء رجل كبير فى السن وقال لي: ممكن أقعد جنب الشباك؟ صدرى بيوجعنى وعايز شوية هوا.
فقلت له: طبعًا، اتفضل.
تحرك السائق بنا، وكان هناك خلل فى الإطار الأمامى للسيارة.. قال إنه سيصلحها فى الطريق، لكنه نسى ذلك.. وبعد أن تجاوزنا ميدان الرماية بالهرم، دخلنا الطريق الصحراوى الغربى المتجه للصعيد وبلدى شطورة بمدينة طهطا بمحافظة سوهاج.. أمام مدينة العياط التابعة لمحافظة بنى سويف، انفجر إطار السيارة الأمامى !.. كانت الدنيا نهارا، وفجأة تحول النهار إلى ليل حالك، وظلام لا يعلمه إلا الله.. لم أشعر بشىء وبعد فترة من الوقت عاد إلى وعيى بعد أن فقدته، فوجدت نفسى ملقى على جانب الطريق وحدى، لا أحد بجوارى، والدماء تغمر وجهى وملابسى وتنهمر كالسيل.. وجدت كوفية بجانبى، فوضعتها داخل جرح عميق فى رأسى..نظرت يمينا ويسارا فلم أر أحدا بجوارى !!.. أين الميكروباص؟ أين الركاب الذين كانوا حولى؟.. أُغمى علىّ مرة أخرى.. قالوا لى بعد ذلك إن السيارة سقطت فى الوادى، وإننى كنت الوحيد الذى طار من الزجاج الأمامى، بينما توفى معظم الركاب.. حضرت سيارات الإسعاف، أخذت بعض الجرحى، ثم عادت لتكمل طريقها.. بدأت أصرخ فى السيارات المارة: خدوا « المية جنيه» بس وصلونى المستشفى!.. لكن لم يتوقف أحد… الجميع تركنى والدماء تغمرنى... أُغمى على مجددا.. وفجأة سمعت صوت الإسعاف، فنهضت ورميت نفسى بداخلها، فوجدت نفسى تحت جثث ومصابين، ونقلنا إلى مستشفى العياط المركزى.
هناك، وجدت سيدة كبيرة ترتدى السواد، تشبه أمى، احتضنتنى وبدأت تخرج الزجاج من جسدى، وعيناها تفيضان حنانا وهى تقول بنظراتها:  لا تخف يا ابنى، إنت زى ابنى.. أجروا لى عملية جراحية، وجاءت أمى وأشقائى وعائلتى من سوهاج إلى المستشفى، أمى تصرخ وتنادى: فينك يا عمر؟ قالوا لها: ابنك مات.. صرخت من أعماقى، وأنا ملفوف فى الشاش لا أستطيع الحركة :لا يا أمى … أنا حى ! النفس لسه فيا!.. اللى مات هو من جلس بدلا منى فى المقعد، الذى قال لي: «لو سمحت أقعد جنب الشباك»!
احتضنتنى أمى وهى تبكى وقالت: سامحنى يا ابنى، أنا اللى قلت لك تيجى تفطر معايا فى يوم كله بركة.. لكن ربك كبير… نجاك ورجعك ليا.
الشيخ راغب موشيه
وهنا نواصل سرد حكاية الشيخ راغب موشيه، التى عشتها بنفسى، بعد أن تسلل «راغب» إلى جسد صديقى حسين، وأصبح ضيفا ثقيلا فى جسد شخص آخر، ليحكى لنا عن حياته القديمة كـ»يهودى» فى الإسكندرية، عن التجارة والصداقات، وعن نهايات انتهت بجريمة قتل!.. قررنا البحث عن وسيلة لإخراج «عفريت» الشيخ راغب من جسد صديقى حسين، لكن جميع المحاولات باءت بالفشل. واستمر عفريت الشيخ راغب فى جسد حسين لأشهر، يروى لنا حكايات تشيب لها الولدان... كان صديقى حسين يعيش حياة طبيعية مع الجميع، لكن عندما يعود ليلا ويخلد إلى النوم، تظهر عليه علامات غريبة، حيث تتصلب ملامحه، ويتحجر جسده، ويتغير لونه إلى داكن شاحب، وكأنه شبح فى جسد إنسان.
اقتربت منه وسألته: من أنت؟ رد قائلًا:  أبلغتك أكثر من مرة... أنا قرين حسين.. سألته مرة أخرى:  ولماذا تعيش بداخله؟.. أجاب:  هو فى حمايتى، ولن يستطيع أحد الاقتراب منه.. سكت وقلت: «حاضر».. لكن فضولى دفعنى لاستكمال الحديث معه عن حياته الماضية. وكانت المفاجأة!.. تحدث معى عفريت حسين «الشيخ راغب»، عن قصص جمعته بأصدقائه فى تلك الحقبة، وقال إنه كان دائم الحضور فى حفلات أم كلثوم، لم يتخلف عن واحدة منها أبدا. وفجأة توقف عن الحديث وقال إنه يريد سماع القرآن.. قلت له:  ألست يهوديا كما ذكرت لى؟
قال: نعم، لكننى أحب أن أسمع الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، صوته يعجبنى.. كان لدىّ شريط كاسيت للشيخ عبد الباسط، وعندما سمع صوته انشرح وجهه، وتبسم، وتغيرت ملامحه، وظل يردد:  انظر إلى هذا الصوت الجميل... هذا الرجل هدية من السماء.. وبعد لحظات، طلب منى الشيخ راغب الإذن بالانصراف.
قلت له: لماذا؟ أنا أرغب فى سماع بقية الحكاية.
قال: لا أستطيع الاستمرار، سأعود بعد صلاة الفجر.
قلت له: لماذا بعد الفجر؟
قال: فى قرآنكم آية تقول: «إن قرآن الفجر كان مشهودا».. ثم لاحظت أن حسين استيقظ من نومه وهو يشتكى من آلام فى جسده.. أيقنت فى تلك اللحظة أن قرينه خرج مؤقتا من ضلوعه على أن يعود مرة أخرى عندما يخلد صديقى حسين إلى النوم !!
رحلتى مع الشيخ ياسين التهامى
فى قريتى الصغيرة فى الصعيد، حيث كانت السماء تزينها النجوم وتملأ الأرجاء أصداء الضحك والفرح والسرور، كان عمرى لا يتجاوز الثامنة. كانت تلك الليلة -  ومازالت - عالقة فى ذاكرتى وهى ليلة زفاف ابن عمى حيث كان منزله على أطراف القرية.. كان الاحتفال مهيبا، والأجواء مليئة بالفرح والتقاليد القديمة التى لا يزال الكثير منها حيا فى قلوبنا.. لكن ما جعل تلك الليلة استثنائية بالنسبة لى، هو أن الشيخ ياسين التهامى، المنشد الدينى المشهور، هو من يحيى تلك الليلة بصوته العذب. لم أكن قد سمعت من قبل صوتا مثله، ذلك الصوت الذى يحمل بين طياته الحنين والروحانية.. كنت أستمع باهتمام شديد لما ينشده الشيخ التهامى الذى كان فى ذلك الوقت شابا يافعا، كانت عيناى تتابعانه بشغف، وصوته كالعازف الذى ينسج من الكلمات لحنا خاصا بالروح. شعرت وكأننى جزء من تلك الألحان، تسرى فى دمى وتثير فى قلبى شعورا لا أستطيع تفسيره.. لكن الأمر الذى لا ينسى هو قرارى المفاجئ. فى تلك اللحظة، شعرت بشيء غريب يجذبنى للبقاء. رغم أن عائلتى كانت تستعد للعودة إلى البيت، رفضت العودة معهم. وقلت لشقيقى الأكبر.. لن أعود إلى البيت !!. بعد تلك الليلة الروحانية التى قضيتها مع الشيخ ياسين التهامى، أصبح هذا الصوت الذى يحمل عبق الذكرى هو شغفى الأول. تعلقت به بشدة، وكأننى أدمنت سماع ألحانه العذبة، أصبحت أطلب من أعمامى وأصدقائى أن يصطحبونى معهم فى أى مكان أو ليلة يتم فيها حضور الشيخ ياسين التهامى، مهما كان المكان بعيدا أو صعب الوصول إليه.. كانت رحلاتنا تبدأ بعد غروب الشمس لحضور حفلات الشيخ التهامى، نسير بين القرى والنجوع المجاورة.. ورغم جمال تلك اللحظات، إلا أننا كنا نواجه الكثير من الصعاب فى طريقنا. كانت الطريق التى نسلكها ليلا مليئة بالمخاطر، وغارقة فى ظلام دامس، لا يكسر هدوءه إلا أصوات أقدامنا وترديد الأذكار فى صدورنا. كانت العتمة تحيط بنا من كل جانب، والمجهول ينتظرنا فى كل زاوية، خاصة مع وجود الذئاب والكلاب الضالة التى كانت تجوب تلك الأماكن فى الليل.. وحتى اليوم، وبعد قرابة 42 عامًا من تلك الليلة، لا يزال صوت الشيخ ياسين التهامى يرن فى أذنى كما لو كان بالأمس.. ولم يكن حبى للشيخ ياسين يقتصر فقط على صوته، بل امتد ليشمل أبناءه الذين ورثوا عنه تلك الموهبة الفريدة، محمود، مهدى، ومحمد، أبناء الشيخ ياسين، وهم يواصلون تلك المسيرة الروحانية التى بدأها والدهم.