«كوهين» يشرح أساليب عمل الموساد فى تجنيد العملاء وكيفية توجيه الهدف الضحية
الرئيس السابق للموساد: فى سيرته الذاتية يبدو أقرب إلى مرشح سياسى منه لمدير شركة استثمارية
أنا صاحب خطة سرقة الأرشيف النووى الإيرانى واتفاقات إبراهام
خضعت لاختبارات اقتحام الشقق وزرع أجهزة تنصت فى غرف الفنادق
«يوسى كوهين» الرئيس السابق للموساد ينسج حكايات وقصصًا شخصية فى سرده لمسيرته المهنية فى مذكراتٍ تجمع بين السيرة الذاتية فى وكالة الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية، والتاريخ والرأى والسياسة، بصفته شخصًا قام بأدوار محورية فى صياغة مفهوم الأمن الإسرائيلى الحديث، وبعد ثمانية وثلاثين عامًا من العمل فى الموساد، مديرا لها من « 2016 لعام 2021».
وكتابه «سيف الحرية: إسرائيل، الموساد، والحرب السرية» نشر باللغتين العبرية والإنجليزية فى آنٍ واحد، لكن تحت عنوانين مختلفين. فى الإنجليزية نشر بالعنوان السابق. أما فى العبرية، فيُطلق عليه، مثل شعار الموساد للاستخبارات والعمليات الخاصة، «بالحيل تصنع لنفسك حربًا». العنوان مستلهم من سفر الأمثال بالكتاب المقدس «الآية 18من الإصحاح 20» والحكمة منها هى أنه من أجل هزيمة العدو، لا يكفى أو ليس من الضرورى استخدام القوة، بل يجب اللجوء إلى التكتيكات والمكر والخداع.
الانطباع الأول لدى قراءة الكتاب هو أن «يوسى كوهين» يقدم لجمهور قرائه أوراق ومسوغات اعتماده بديلا مناسبًا «لنتنياهو»، مع أنه لا يزعم صراحةً وجود طموحات سياسية، إلا أنه يُقدّم مؤهلاته لدور قيادى مختلف، وهو منصب رئيس الوزراء. يبدو كوهين أقرب إلى مرشح سياسى منه إلى مدير شركة استثمارية.
وكما جلس «شارل ديجول» فى منزله الريفى منتظرًا خمسة عشر عامًا حتى شكره الشعب الفرنسى وعيّنه قائدًا للجمهورية، يجلس رئيس الموساد السابق «يوسى كوهين» فى منزله، وفى مكتبه الفاخر ببرج تل أبيب، منتظرًا دعوة الشعب الإسرائيلى له لرئاسة الوزراء. إذ لا يتردد «كوهين» فى القول إنه وحده القادر على إحداث التغيير الذى سيخلف فيه «بنيامين نتانياهو»، ويقود الليكود، ويرسى دعائم الوحدة بين أبناء الشعب.
أرث بن جوريون
يتمسح كوهين فى مقدمة كتابه بإرث «بن جوريون» فيقول: «لا تزال روح التحدى التى اتسم بها «بن جوريون» باقية فينا. لن تثنينا طلقات الصواريخ، ولن نستسلم للمنظمات الإرهابية كحماس وحزب الله، وللدول الإرهابية كإيران. نحن مستعدون للقتال لأننا يجب أن ننتصر. لحماية بلد مثل بلدنا من جيران يُظهرون عداءً تاريخيًا تجاهه، يجب أن نمتلك قدرات دفاعية وهجومية استثنائية. القوة التى أنشأناها فعّالة للغاية، وستظل كذلك دائمًا. إنها ببساطة ضرورة واقعية. وباعتبارى رجلاً كرس حياته للدفاع عن البلاد، وتوج ذلك بدوره كرئيس لجهاز الاستخبارات «الموساد» والأدوار الخاصة التى اضطلع بها بعد توليه منصب مستشار الأمن القومى، فإننى فخور بفهمى لطبيعة التهديدات التى نواجهها والتعامل معها بسرية وقوة ووقاية فى جميع أنحاء العالم».
يوم تغير العالم
فى فصل بعنوان« اليوم الذى تغير فيه العالم». يبدأ «كوهين» بتاريخ 7 أكتوبر 2023 ويكتب إنه على الرغم من أنه لم يعد يعمل فى الموساد، إلا أنه عرض خبرته وتجاربه على قادة إسرائيل، وقد قُبلت. وبينما يُقر بأنه لا يمكن إجراء تقييم شامل حتى الآن، يُقارن هجوم حماس بحرب يوم الغفران عام ١٩٧٣، ويُلقى باللوم فى عدم توقع الوضع فى غزة على تهاون القادة العسكريين الإسرائيليين. دون ذكر أسماء، يُوجّه نقدًا لاذعًا : «يُشكّل هؤلاء القادة...» ثقافة الحماية الذاتية الـ« مريحة للغاية» و« إنهم أنانيون» و«يعتقدون أنهم يعرفون كل شىء».
فى هذه المذكرات يسطع جانب أنانى، ليس فقط بالنظر إلى طموحات المؤلف السياسية، بل أيضًا إلى الانتقادات التى واجهتها أجهزة الأمن الإسرائيلية فى أعقاب هجمات السابع من أكتوبر. يحاول «كوهين» صرف اللوم عن الموساد نفسه بالقول إنه، على الرغم من اعتراضاته، أصبحت غزة مسئولية جيش الدفاع الإسرائيلى وجهاز الأمن الداخلى الإسرائيلى (الشاباك)، اللذين يفتقران إلى مهارات التجسس اللازمة لمراقبتها على النحو الأمثل.
السيسى أحبطها
هكذا يكشف كتاب رئيس الموساد الأسبق ورئيس الوزراء المستقبلى، عن رجل متعجرف لا يعرف الكلل، وزميل ملىء بالازدراء لزملائه السابقين فى المؤسسة الأمنية. وعلى غرار عدم احترامه لقدامى الجهاز الذين استوعبوه ورعوه، يُسىء كوهين أيضًا إلى زملائه-رئيسى جهاز الأمن العام (الشاباك) «رونين بار وناداف أرجمان»، ورئيس الأركان« أفيف كوخافى»، الذين يُحمّلهم مسئولية فشل السابع من أكتوبر. ويدّعى «كوهين»، من بين أمور أخرى، أنهم لم يُنصتوا لنصيحته، ومنعوا الموساد الذى كان يرأسه من استغلال ميزته فى تشغيل معدات استخباراتية وإدخالها إلى غزة، بهدف تحسين التغطية الاستخبارية التى كان من الممكن، وفقًا لكوهين، أن تمنع الكارثة.
وبمساعدة براعته اللفظية والبلاغية، يخفى مسئوليته عن تدفق الأموال من قطر إلى حماس، مدعيا أنه كان مجرد مبعوث ينفذ أوامر رئيس الوزراء نتنياهو. ويكشف رئيس الموساد السابق أنه كان العقل المدبر وراء خطة ترحيل نحو 1.5 مليون فلسطينى من غزة إلى سيناء المصرية، ردًا على هجوم حماس فى 7 أكتوبر 2023. ويقول إن خطته نصت على أن «تكون هذه الهجرة مؤقتة»، ويوضح أن مجلس الوزراء الإسرائيلى وافق على الخطة وكلفه بإقناع الدول العربية بها، باعتبار أن هدفها هو تقليل عدد الضحايا المدنيين لكن مصر رفضت الخطة رفضا قاطعا.
يقول «كوهين» فى تصريحات تالية إنه سافر إلى عواصم عربية، لكنه اكتشف أن العرب يخشون أن يصبح الترحيل «المؤقت» دائمًا. فأبلغهم استعداده لتقديم ضمانات دولية بأن يكون الترحيل مؤقتًا. وأجرى اتصالات بهذا الشأن مع الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان والصين والهند، لكن الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى، رفض الخطة رفضًا قاطعًا. فى ذلك الوقت، طُرح اقتراحٌ بأن يتولى «كوهين» بنفسه رئاسة فريق التفاوض بشأن صفقة تبادل أسرى، لكن زملاءه فى أجهزة الأمن الإسرائيلية أحبطوا الخطة.
وعن إعمار غزة كتب:
لقد لفت الرئيس ترامب انتباه العالم إلى السؤال المحوري: كيف سيُعاد إعمار غزة؟ من الواضح أنه لا أحد سواه يملك خطة عملية لإعادة إعمار المنطقة التى مزقتها الحرب، والمليئة بالألغام الأرضية والفخاخ المتفجرة. حتى فى غياب الوجود المميت لمسلحى حماس، تُعتبر غزة فخًا مميتًا.
على مدى سبعة عشر عاماً منذ تولى حماس السلطة فى غزة، دمرت الاقتصاد، وسرقت المساعدات الدولية، ولم تبن سوى نظام من الأنفاق ومصفوفة من الصواريخ، والغرض الأيديولوجى المعلن منها هو تحويل القطاع إلى جحيم مسلح هدفه الوحيد هو إحداث الدمار.
قد يتطلب تقييم إمكانات غزة جرأةً فى الخيال، لكنها إمكانات هائلة. تقع غزة على مفترق طريقين تجاريين قديمين، وتتمتع بجمال طبيعى خلاب وساحل متوسطى خلاب. وقبالة شواطئها، تقع رواسب من الغاز الطبيعى.
إن فشل إسرائيل السابق فى تأمين تمويل خارجى مستدام وخاضع للرقابة المناسبة هو سببٌ للندم المستمر. من غير المرجح أن يكون الدعم المالى من مصدرٍ تاريخيٍّ متعاطفٍ مع حماس، مثل قطر، مقبولاً لدى إسرائيل أو الولايات المتحدة، ولكن على الرغم من الصراع الذى أشعلته أحداث السابع من أكتوبر، فإن المنطقة لديها ما يدعو للتفاؤل.
إنجازات وهمية
يباهى «كوهين» بإنجازاته فيكتب أن سرقة الأرشيف النووى الإيرانى عام ٢٠١٨ كانت فكرته.» وشرح عندما طرح الموضوع لأول مرة أن الأمر استغرق عامين من التخطيط الدقيق. والنتيجة كانت نجاحًا باهرًا. بعد سبع سنوات، كان لذلك تأثير على الهجمات على المواقع النووية الإيرانية.
اختراقات مرعبة
فى سيرته الذاتية الجديدة، «سيف الحرية» ، يشرح يوسى كوهين، الرئيس السابق للموساد، أساليب عمل الموساد وتجنيد العملاء، وكيف تقوم وكالة الاستخبارات الإسرائيلية، «بتوجيه الهدف الضحية» لتنفيذ أوامر إسرائيل-طوعا أو كرهاً.
يقول: أولاً، سيخترق هاتفك الذكى، ذلك «الممتلكات الشخصية للغاية»، ويفتح كل شىء من بياناتك المصرفية ورسائل بريدك الإلكترونى إلى منشوراتك على مواقع التواصل الاجتماعى وأنت ثمل. ثم يأتى دور تحديد نقطة ضعفك-نعم، كما يقول، لدينا جميعًا نقطة ضعف. يكتب كوهين: «الجشع، المال، المنصب، الأيديولوجية، الصداقة، الجنس، الحب، تأمين مستقبلهم، المعتقدات، الكراهية، الغيرة. بمجرد أن أعرف أى زر أضغط، يصبح لديّ ما أتعامل معه».
نتعلم كيف نتسلل إلى عقول أعدائنا. نقيس أساليب تفكيرهم، وغرائزهم الثقافية، ودوافعهم السياسية. نخطط باجتهاد على المدى البعيد، ونستجيب بسرعة عند الضرورة. هذه الصفات، التى تعززها الجرأة والقدرة على التفكير الأفقى، تقودنا إلى أعظم نجاحاتنا.
على الجانب الآخر يشرح الرئيس السابق للموساد أساليب تدريب عناصر الموساد، يرغب المدربون فى رؤيتك تتفاعل مع التعرّض للشكوك والتوتر. يحتاجون لمعرفة مدى قدرتك على الاندماج. يُقدّرون قدرتك على التفكير بوضوح فى ظل ظروف صعبة وفى بيئة جديدة كليًا. يتحدّونك ويوجهونك، ويبذلون قصارى جهدهم لزعزعة توجهك وزعزعة توازنك. يضيف: «تتّسم المهمات الاستراتيجية بنفس الدهاء والدقة التى يُبدع بها عملاء الموساد شخصيةً ما ويُجسّدونها فى سياق قصةٍ مُغطّاة. ويقول إنه شخصيًا تدرب على اقتحام الشقق وزرع أجهزة تنصت فى غرف الفنادق، وكانت المهارات المطلوبة، كما يقول، «شجاعة قناص، وغرائز لاعب ورق، وحظ شيطانى». ويواصل: «لا بدّ لى من الاعتراف بأننى ابتسمتُ ابتسامةً حقيقيةً عندما قدّم لى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أول زعيمٍ أجنبيٍّ يُدعى إلى البيت الأبيض خلال ولاية الرئيس ترامب الثانية، جهازَ استدعاءٍ ذهبيّاً».
العملية السرية
كانت هذه إشارة ذكية إلى العملية السرية التى نُفذت فى سبتمبر الماضى، والتى فُجّرت فيها آلاف أجهزة النداء واللاسلكى المزروعة بالمتفجرات برسالة مشفرة تُلزم عناصر حزب الله الإرهابيين بالاحتفاظ بها. وقد دمر الضرر الجسدى والنفسى الذى ألحقته العملية التنظيم الإرهابى، وشكّل نقطة تحول فى الحرب.
«كوهين» مزيجٌ غريبٌ سياسيًا: يصف نفسه بأنه يساريٌّ اجتماعيًا، ويدعم حقوق مجتمع الميم (المثليين ومزدوجى النوع)، وسياسات تغير المناخ، ومع ذلك يقول أيضًا إن غزة يجب أن تبقى تحت السيطرة الإسرائيلية، وأن دونالد ترامب-الذى ساعد كوهين فى إبرام اتفاقيات إبراهام-هو أفضل ما حدث للشرق الأوسط منذ عقود.
مع ذلك يكتب فى مذكراته هذه: «لم أوافق على قرار الرئيس ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووى الإيرانى خلال ولايته الأولى. وما زلتُ على ثقة تامة بقدرته على تعظيم الضغط على أعدائه، وهى قدرة تجلّت بوضوح فى إصراره الدؤوب على حرمان إيران من القدرة على إنتاج أسلحة نووية. الملالى اليوم أكثر عرضة للخطر من أى وقت مضى؛ وطهران ضعيفة اقتصاديًا. لقد فقدت جزءًا كبيرًا من حلفائها ونفوذها فى الشرق الأوسط. وسيتعين عليها أن تستمع إلى الموسيقى الجديدة الصادرة عن واشنطن».
ويزعم «كوهين» أيضًا أن «كوخافي» عارض بشدة ومنع تنفيذ عملية اغتيال الجنرال قاسم سليمانى، القائد الكاريزماتى لفيلق القدس التابع للحرس من جميع الجهات. فى النهاية، قتلت الولايات المتحدة سليمانى فى يناير 2020، بمساعدة معلومات من المخابرات الإسرائيلية.
فى إطار التباهى بنجاحاته المبكرة أشار إلى أنه عمل، فى إطار عمله الاستخباراتى، كـ «عالم آثار» فى لبنان و«تاجر شاي» فى السودان وكان أول نجاح كبير له عندما كُلِّف بالحصول على معلومات عن مصير «يوسى فينك» و«رحميم الشيخ»، وهما مقاتلان من كتيبة شاكيد فى لواء جفعاتى، تعرضا لكمين نصبه حزب الله فى جنوب لبنان عام 1986 واختطفا.
مُتخفيًا فى صورة رجل أعمال، أُرسل كوهين إلى أمريكا الجنوبية أواخر ثمانينيات القرن الماضى، حيث تواصل مع شيعى لبنانى كان يعرف حزب الله ويعمل معه، فقرر بدء حياة جديدة هناك. فى مرحلة ما، نجح كوهين فى إقناعه بالتعامل معه، وأحضره إلى تل أبيب، ثم أقنعه لاحقًا بالعودة إلى لبنان والتقرّب من الدائرة المقربة لحزب الله.
مهمة ناجحة
تكللت المهمة بالنجاح. قدّم اللبنانيون، الذين امتنع كوهين عن الإفصاح عن دورهم-ربما لأسباب رقابية-معلومات عن ملابسات اختطاف الجنديين، للتأكد من أنهما لم يكونا على قيد الحياة. فى عام ١٩٩٦، أُعيدت جثتاهما إلى إسرائيل فى صفقة تبادل مع حزب الله.
فى حالة أخرى، يقول «كوهين» إن الموساد والجيش الإسرائيلى قلّلا من شأن الدكتور محسن فخر زاده، الذى اعتُبر «مديرًا سيئًا لا ينبغى أن يُبدى اهتمام به»، ولم يتّضح أنه «محنك وذكي» إلا عندما حصل الموساد بقيادته على الأرشيف النووى فى عملية جريئة عام ٢٠١٨. مع ذلك يعرف المراقبون أن هذه مبالغةٌ فادحة. فقد كانت أهمية فخر زادة ومركزيته معروفةً فى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية وفى الدول الغربية لعِقدٍ على الأقل قبل سرقة الموساد للأرشيف. وبعد مرور عامين ونصف تقريباً، وفى عملية جريئة ومبتكرة اعتمدت على الذكاء الاصطناعى بقيادة كوهين، تم القضاء على فخر زادة فى عملية نسبت إلى الموساد.
النووى الِإيرانى
فى وقت لاحق من مسيرته المهنية، تناول كوهين البرنامج النووى الإيرانى باستفاضة. فى كتابه، يتفاخر بأنه انتحل صفة محامٍ لبنانى يعيش على طريق بيروت- باريس، ونجح فى تجنيد فيزيائى إيرانى فى العاصمة الفرنسية، زوده بمعلومات قيّمة: «كنت أول من نقل إلى إسرائيل المعلومات المتعلقة ببناء أجهزة الطرد المركزي» التى حصلت عليها إيران من د. الباكستانى عبد القادر خان. مع ذلك هناك روايات أخرى تفيد بأن أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية، وليس الموساد، هى التى كانت أول من حذر من أنشطة خان فى إيران.
خطب ود
فى سياق التودد إلى الزعماء العالميين والإقليميين المؤثرين فى السياسة الإسرائيلية تمهيدًا لمنصبه الطامح إليه سرد كوهين نبذات عن علاقاته معهم ورأيه فيهم فكتب: من خلال دورى، تعرفتُ على العديد من قادة العالم. فلاديمير بوتين قائدٌ يعمل على مستويات متعددة، وفى كثير من الأحيان فى آنٍ واحد. كانت علاقتنا العملية، القائمة على خلفية مشتركة فى مجتمع الاستخبارات، قويةً ومثمرةً. إنه جيوسياسيٌّ ماهر، واستراتيجيٌّ متعمق، وقائدٌ بالفطرة.
فى أكتوبر 2024، استضاف «بوتين» زعماء 36 دولة، بما فى ذلك الصين والهند والإمارات العربية المتحدة ومصر وإيران، فى قمة الاقتصادات الناشئة التى تشكل مجموعة البريكس، وبالتالى دحض التصور السائد بعزلة روسيا، وأكد على عبثية العقوبات الغربية، والتمسك بمبدأ النظام العالمى الجديد.
الرئيس «ترامب» يعمل بسرعة ومنطقية، ويُبرم الصفقات. وكان من الأهمية بمكان إرساله، فى غضون شهر من تنصيبه، فريقًا من ثلاثة أشخاص إلى الرياض لإجراء محادثات مباشرة مع نظرائهم الروس. وقد عبّر أجواء هذا الاجتماع، الذى يُعقد عادةً فى أوروبا، عن تقدير كبير لأهمية المملكة العربية السعودية السياسية وإمكاناتها الاقتصادية.
أثارت هوية المشاركين والوسطاء السعوديين اهتمامًا كبيرًا. انضم إلى ستيف ويتكوف مستشار الأمن القومى مايك والز، ووزير الخارجية ماركو روبيو، الذى سبق أن تحدث مطولًا مع نظيره سيرجى لافروف. أعلم من تجربتى الشخصية الطويلة أن وزير الخارجية الروسى المخضرم رجلٌ ذكيٌّ، وداهية، ومرنٌ بشكلٍ فريد.
رافق «لافروف» الدبلوماسى «يورى أوشكوف»، وهو من أوثق حلفاء الرئيس «بوتين». لقد عملنا معًا كثيرًا. بصفته سفيرًا سابقًا لدى الولايات المتحدة، فهو يفهم عقلية الجمهوريين. وقد أبرز حضور «كيريل دميترييف»، رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسى، الأهمية الاقتصادية للمحادثات. ويُعدّ المضيفان، وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، ومستشار الأمن الوطنى سعيد العيبان، من أبرز مساعدى الأمير محمد بن سلمان (المعروف باسم MBS)، ولى العهد السعودى ورئيس الوزراء.
لديّ ثقة كبيرة فى محمد بن سلمان كشخصية محورية فى المنطقة. عرفته رجلاً صارماً ـ ولكنه عادل ـ ذكياً وعملياً. فى الأربعين من عمره، يشغل منصب الحاكم الفعلى لمملكة تضمّ أحد أصغر سكان مجموعة العشرين. لديه القدرة على أن يكون واجهةً لتحول فى الاهتمامات والتوقعات بطريقة تُحدّد ملامح عصر جديد.
تستفيد المملكة من موقعها الاستراتيجى على مفترق طرق ثلاث قارات، وكونها ملتقى الأسواق المتقدمة والناشئة. وقد حقق محمد بن سلمان نجاحًا باهرًا فى موازنة المصالح الجيوسياسية المتنافسة. وهو يقف فى طليعة جيل جديد من القادة الإقليميين.
اتفاقيات إبراهام
الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة وحاكم أبوظبى، شخصيةٌ شامخة، وقائدٌ بارز. حقق تقدمًا ملحوظًا بقيادة اتفاقية سلام مع إسرائيل والمشاركة فى توقيعها، ضمن اتفاقيات إبراهام، وتطوير علاقاتٍ مع الدول الأوروبية، حيث تختلف مواقفها تجاه الشرق الأوسط. وعلى وجه الخصوص، أقام علاقاتٍ مهمة مع دولٍ رئيسية فى الاتحاد الأوروبى، مثل فرنسا وإيطاليا.
من الواضح لنا أنه إذا أرادت إسرائيل أن تُعامل كلاعبٍ مؤثر على الساحة العالمية-وهى كذلك بالفعل-فلا بد أن تمتلك أصولًا قابلة للتحويل. وقد عبّر مستشار الأمن القومى فى إحدى الدول العربية عن ذلك بقوله: «كما تعلم يا يوسى، هذا هو السؤال. لدينا المال، وأنتَ تملك الجسر والعقل. فلنوحد جهودنا ونُغيّر المنطقة معًا».
عن التمهيد لاتفاقيات إبراهام كتب كوهين: لقد استغرق الأمر سنواتٍ من المفاوضات الدقيقة والسرية للوصول بالاتفاقية ومعاهدات السلام المتزامنة مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين إلى تحقيقها التاريخى. بالإضافة إلى الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، كان ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة وملك المغرب محمد السادس حكيمين فى دعمهما.
رجل من الماضى
بالمقارنة مع قادةٍ بمكانتهم، يُعدّ الغياب الواضح لزعيم فلسطينى معتدل يُمكن التعامل معه أمرًا مُستهجنًا. ورغم وعده بوقف المعاملة المالية التفضيلية للإرهابيين المعتقلين وعائلات الإرهابيين الذين قُتلوا فى العمليات، فإن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يبدو بوضوح رجلًا من الماضى، عمره، 89 عامًا، لا يُؤهله للمنصب بقدر ما يُؤهله رفضه المُستمر للتفاوض بحسن نية. لم تتغير عقليته. رافع فتاح، خليفته المُعيّن على مضض، يبلغ من العمر 75 عامًا؛ ولا شىء فى خلفيته كعضو مُخضرم فى الحرس القديم لحركة فتح يُشير إلى أنه سيُقدّم معه شيئًا مُختلفًا.
من المرجح أن يظل الوضع فى المنطقة متقلبًا خلال النصف الأول من ولاية الرئيس ترامب الثانية، مع اتضاح تداعيات سقوط نظام بشار الأسد فى سوريا. وتشير الدلائل الأولية إلى أن أحمد حسين الشرع، الرئيس المؤقت الذى قاد الانتفاضة، والمعروف بأبى محمد الجولانى، يدرك تمامًا ما هو مطلوب منه لإعادة بناء بلده الممزق والفقير. كانت أول زيارة رسمية له خارج بلاده إلى المملكة العربية السعودية، حيث أدى فريضة الحج فى مكة المكرمة، ونال شرف دخول الكعبة المشرفة. بالإضافة إلى الإلهام الروحى، كان يبحث بلا شك عن استثمارات لإصلاح البنية التحتية وإعادة بناء الاقتصاد. توجه إلى تركيا، وتوخى الحذر العملى رافضًا استبعاد احتمال استمرار روسيا فى الاحتفاظ بموانئها الاستراتيجية المهمة، وفتح قنوات اتصال مع الرئيس بوتين.

خطابات ندب المراقبين الأسبوع المقبل
عودة اختبارات القدرات.. وتقييم التخصصات النظرية
«تسول» الاحتياج والاحتيال فى قاهرة المماليك







