أتوموبيل الفن

مدحت عبدالدايم يكتب: سمير الإسكندراني يستقل «فيات» المخابرات وينقذ حياة عبد الناصر

مدحت عبدالدايم
مدحت عبدالدايم


نجح فى إيقاع أكبر رؤوس الجاسوسية في أوروبا والشرق الأوسط، بعد مجاراتهم وإقناعهم بقدرته على تنفيذ مطالبهم، وأبرزها تصوير الأسطول البحرى المصري، وتسبب فى تفكيك ست شبكات تجسس كبرى، وإنقاذ حياة عبد الناصر وعبد الحكيم عامر من عمليتى اغتيال، وتسبب فى إقالة الكولونيل "هركابي" من رئاسة المخابرات الإسرائيلية، ونظرًا للإقبال الشعبى الكبير على ساحات المحاكم، لمتابعة وقائع قضية التجسس الكبرى سُمح للمواطنين بحضور الجلسات بتذاكر رمزية، فى واحدة من ملاحم انتصارات جهاز المخابرات فى طور تأسيسه، على أجهزة مخابرات متعددة، وفى بيان رسمى تداولته وسائل الإعلام نعته المخابرات العامة يوم رحيله فى 13 أغسطس 2020 بمزيد الحزن والأسى، نظرًا لما قدمه لوطنه من خدمات جليلة جعلت منه نموذجًا فريدًا فى الجمع بين الفن الهادف الذى عرفه به المصريون، وبين البطولة والتضحية من أجل الوطن، واختُتم البيان بالدعاء للفنان "سمير الإسكندراني" بالرحمة، والابتهال إلى الله بأن يسكنه فسيح جناته، مع تقديم خالص العزاء لأسرته الكريمة.

شهد حى الغورية مولد سمير فؤاد محمد محمد محمد الإسكندراني في 8  فبراير 1938، لأب يعمل بتجارة الأثاث ويهوى الفن، وبحكم مهنته ارتبط بصداقات عديدة ومتشعبة وخاصة مع الفنانين والشعراء وأبرزهم: "أحمد رامى وبيرم التونسى وزكريا أحمد" ما دفع ابنه إلى عشق الفنون فدرس بكلية الفنون الجميلة، واستهوته الإيطالية فتوسع فى دراستها، وعلى إثر حبه لفتاة إيطالية تسكن بشارع عبد العزيز- الذى انتقل إليه مع أسرته- وكان يعرف بحى الأجانب، سافر لدراسة الأدب والفن بمنحة من الحكومة الإيطالية بمدينة "بيروجيا" عام 1958، وأبدى تفوقًا فى دراسته وعُرف بروحه المرحة واندماجه مع الآخرين، وشارك بالغناء فى كثير من احتفالات المعاهد الدراسية والجاليات المختلفة، كما برع فى عمل ديكورات تلك الحفلات، وذاعت شهرته فتقرب إليه شخص مصرى يدعى "سليم" يكبره بنحو عشر سنوات، وتعاملا كصديقين حميمين، كان ذلك الشاب ينفق ببذخ ويدعوه إلى سهراته الخاصة، معربًا له عن إعجابه بشخصيته المنفتحة، وكان يختفى لنحو أسبوعين ويظهر فجأة، وفى إحدى السهرات عَرف من صديقة مشتركة إنه يحمل جواز سفر أمريكى فارتاب فى أمره، إذ كان ذلك الجواز فى تلك الحقبة كنظيره الإسرائيلي، وعلى الرغم من إجادته العامية المصرية ازدادت شكوكه حين ناداه أحد الناس بـ "روبرتو" وهنا أوهمه سمير بأنه من أصول يهودية مغربية وأن جده اعتنق الإسلام مجبرًا للزواج والعيش فى مصر، فصارحه سليم بأنه يهودى مصرى عاش فى "حارة اليهود" وغادرها بعد العدوان الثلاثي، لدراسة الإلكترونيات فى إنجلترا، ووعده بمساعدته على تدبير المال والبقاء فى إيطاليا للعمل والزواج.
وعن طريق "سليم" التقى رجلًا يدعى "جوناثان شميث" ألمانى الجنسية، سأله: ما رأيك فى حكومة البكباشية؟ فرد: ديكتاتورية، فقال لديك ميول طيبة، ونحن نسعى لاسترداد أموالنا التى أخذها عبد الناصر فى عملية التأميم، لكن سنك الصغير لن يمكننا من ذلك، فباغته الإسكندراني: السن ليست معوقًا فالموسيقار "موتسارت" قاد فريقًا سيمفونيًا كبيرًا وعمره سبع سنوات، فقال: سنلتقى غدًا، وتوالت اللقاءات، ومنحه مبلغًا ماليًا لشراء ملابس وطلب منه العمل معه بـ "منظمة البحر الأبيض المتوسط لمحاربة الشيوعية" وكلفه بالعودة إلى مصر لجمع معلومات، والتطوع فى الجيش، وقام بتدريبه على الكتابة بالحبر السري، والتعامل بالشفرة ووسائل التخابر، وأساليب التمويه والتخفي، ومنذ ذلك الوقت اختفى "سليم" أو "روبرتو" إلى الأبد.

فى القاهرة سعى الإسكندرانى إلى لقاء عبد الناصر بعد أن نصحه شقيقه "سامي" المقيم بالنمسا بذلك حين زاره بإيطاليا، ولنحو شهر لم يفلح فى تحقيق أمنيته، إلى أن اتصل والده بصديق قديم له فى المخابرات، وحين رآه يصر على لقاء عبد الناصر وعده بأن يرتب له لقاء مع شخصية مرموقة بالمخابرات، وكان سمير يستشعر مراقبته فطلب منه إذا أراد أن يعرف الحقيقة أن يقابل تلك الشخصية فى "جروبي" وتكون معه زوجته أو سيدة تبدو كذلك، وهنا أدرك رجل المخابرات أن سمير تلقى تدريبًا عاليًا، وتم اللقاء بالفعل بعد ساعة كأن الأمر مصادفة، وأنهما يعرفان بعضهما من سنوات، واصطحبه الرجل فى سيارته البيضاء "فيات 1300" وتركه بعد تغيير الطريق ليستقل سيارة أخرى تنتظره، وفى فيلا صغيرة بمصر الجديدة، وبعد أقل من ربع ساعة دخل جمال عبد الناصر، فارتمى فى حضنه باكيًا "محتاج لك يابا" وحاول تقبيل يده فرفض مستغفرًا، واستمع إليه لأربع ساعات متصلة دون أن يقاطعه، قص سمير كل شيء وطريقة المقابلات والتدريب وعناوين الأماكن وتليفونات الأشخاص وغير ذلك، وعهد به عبد الناصر إلى مدير المخابرات صلاح نصر، وقال له: "هذا الرجل يمثلنى وأنت من أبناء الثورة وستعمل معنا" وبعد التحرى عن كل ما قاله سمير، تم تأهيله لمخاطبة العملاء وجمع معلومات عنهم وتلقى الأموال داخل مصر، وتبادل الرسائل والاتصالات مع شخصيات كبرى فى الخارج والداخل، إلى أن تمكنت المخابرات من كشف العديد من المؤامرات والخطط التى تستهدف النيل من مصر وجيشها ومؤسساتها وقادتها.   

يقول الإسكندراني: "لا أحب أن يشكرنى أحد على واجبى الوطني، وأرفض مهاجمة بلدى من بعض المصريين المقيمين بالخارج، لنختلف أو نتفق على أى شيء داخل بلدنا، أما خارجه فكلنا جنود هذا الوطن" ويكشف: "كانوا يخططون لدس السم لعبد الناصر فى عملية يشرف عليها "إسحاق رابين" وكانوا يعتبرون عبد الناصر الخطر الأكبر والدائم عليهم، كما خططوا لضرب طائرة المشير عامر وقتله، وثائق التجسس والبرقيات المرسلة بالشفرة إلى حيفا وردود مخابرات إسرائيل عليها تبقى شاهدة على ملحمة خداع مصرية للموساد داخل إسرائيل وفى إيطاليا وألمانيا وهولندا، بطلها الطالب سمير الإسكندرانى ورجال المخابرات، وعلى إثرها تداعت شبكات التجسس وسقطت واحدة بعد الأخرى".

عمل سمير الإسكندرانى مذيعًا بالقسم الإيطالي، وأجاد نحو خمس لغات، واستكمل نشاطه الغنائي، ودرس الموسيقى ومارس التلحين، وأعاد توزيع أغنيات من التراث، ومن أبرز أعماله الغنائية: "مين اللى قال، كام وردة، دوسة، زفوا الخبر، البلبل، يا صلاة الزين، قمر له ليالي، نويت أسيبك، يا نخلتين فى العلالي، قدك المياس، آه ياجميل ياللى ناسيني، ياللى عاش حبك يعلم، قولوا لحبيبي، غالية يا بلدي، طالعة من بيت أبوها" ولحن له الموسيقار محمد عبد الوهاب:"النيل الفضي" وشاركه دويتو "لا تهجرني"، وتبقى أغنيته الوطنية "يا رب بلدي" التى كتبها عبد السلام آمين على جبهة القتال 1967، ولحنها سيد مكاوي، درة التاج فى مسيرته الفنية، وكثيرًا ما كان يرددها حينما يقود سيارته المكشوفة "مرسيدس" Cabriolet مطوفًا شوارع القاهرة التى عاش فى كنفها وتربى فى جنباتها، وأحبها حبًا لا يعادله حب.