أتوموبيل الفن

مدحت عبدالدايم يكتب: علي إسماعيل مايسترو العروبة وقائد سيارات لا يباري

مدحت عبدالدايم
مدحت عبدالدايم


أهدر الكيان الصهيونى دم الموسيقار "على إسماعيل" فور إذاعة نشيد "فدائى يا أرض الجدود" الذى قام بتلحينه عام 1956، من كلمات الشاعر المناضل "سعيد المزين" والذى غدا "النشيد الوطنى الفلسطيني" وقابل المايسترو الكبير التهديدات الصهيونية بمزيد من الثبات والإصرار على أداء الواجب القومى، فكان حاضرًا فى كل المناسبات الوطنية، متطوعًا بالجهد والأجر فى سبيل تحرير الأرض، والعمل على إزالة آثار العدوان وإعادة بناء القوات المسلحة فى أعقاب معركة 1956، ومن خلال ما عرف بالمساهمة فى دعم المجهود الحربى بعد يونيو 1967 . 

ولد "على إسماعيل حسن خليفة طه جاد" فى درب الدقاق بحى المناصرة بالقاهرة، فى  28 ديسمبر 1922- لأب يعمل مدرسًا للموسيقى، وقائدًا لفرقة الموسيقى الملكية، حصل على الشهادة الابتدائية من مدرسة "بنبا قادن" بالقاهرة، وانتقل مع الأسرة إلى محافظة السويس لعام واحد لظروف عمل والده، وحصل على دبلوم مدرسة الصناعات البحرية، وهو الشقيق الأكبر لكلٍّ من الفنان الممثل جمال إسماعيل، وحسن وخديجة إسماعيل، تطوع وشقيقه حسن كمجندين بإدارة موسيقات الجيش، قبل التحاقه بمعهد فؤاد الأول للموسيقى، ورافق عبد الحليم حافظ بقسم الآلات، والمايسترو أحمد فؤاد حسن، والملحن كمال الطويل، والمطربة فايدة كامل، واشتهر كعازف على آلات الساكسفون والكلارنيت والفاجوت، وعمل بفرقتى "ببا عز الدين" و"محمد عبد الوهاب" ورأس فرقة الأختين "رتيبة وأنصاف رشدي" و"فرقة موسيقى كازينو شهرزاد" وشجعه كمال الطويل و"محمد حسن الشجاعي" مستشار الموسيقى بالإذاعة على المشاركة بالبرامج، واعتمد ملحنًا عام 1952، وأحبَّ الشاعرة "نبيلة قنديل" (10 سبتمبر 1933- 14 يناير 1988) وطلبها للزواج فرفضه شقيقها قائلًا: "لا نزوِّج بناتنا إلى زمارين" ونظرًا لمعاناتها فى كنف زوجة أبيها المتوفى، هربت معه وتزوجا، وعرفت كمونولوجست باسم "سعاد وجدي" وتفرغت لبيتها لاحقًا ولكتابة الأغنيات، وشكلا معًا ثنائيًا فنيًا رائعًا. 

قدم العديد من الألحان المتميزة لأبرز مطربى عصره، وأشهرها: "حماتى بتحبني" لإسماعيل يس، ولثريا حلمي: "دكتور جيكل ومستر هايد، القرعة بتتباهى بشعر بنت اختها، عيب إعمل معروف، لا تؤجل عمل اليوم، كانى ومانى، خير الأمور أوسطها، مين علمك هذا، من شابه أباه" ولسعاد وجدي: "بوريه م الناس، مالك ومال الدنيا، لو قلبى طب، ذهب مع الريح"، ولشادية: "راحة فين يا عروسة"، ولشريفة فاضل: "أم البطل"، ولصباح: "شوبش يا حبايب العروبة"، ومن ألحانه لعايدة الشاعر: "فالح يا وله، الطشت قاللى، آه يا لمونى، كايدة العزال"، ولفايدة كامل:"دع سمائي" ولمحمد قنديل: "كفاح العرب" ولمحمود شكوكو "فلوس الست" ولنجاة "عزة الغرام" ولوردة "سلام يا مصر" وللثلاثى المرح: "الحلوة قالت للقمر، حلاوة شمسنا، العتبة جزاز، على نور العين، ما انتاش خيالى يا وله، يا بابا اسمعنا، ودينا القناطر، آهو جه يا ولاد، سبحة رمضان، افرحوا يا بنات، سكر نبات، هل هلال الصوم، الكحكة أم سكر، عبد الناصر محبوبنا، شربات الوحدة، يا أسمر يا سكر" وللمجموعة: "يا غنوة مصر".

جاب على إسماعيل الملقب بـ "بيتهوفن الشرق" ربوع العالم صحبة فرقة "رضا" للفنون الشعبية، وبهر الغرب بموسيقاه ذات الطابع المصرى الفريد، وحمل على عاتقه مهمة تبسيط الموسيقى التصويرية للأفلام لتلائم الذوق العربى، كما في: "الأيدى الناعمة، السفيرة عزيزة، الأرض، لا تطفئ الشمس، البنات والصيف، يوم من عمرى، معبودة الجماهير، أبى فوق الشجرة، ثرثرة فوق النيل، أنف وثلاث عيون، أجازة نصف السنة، الزواج على الطريقة الحديثة، غرام فى الكرنك، عروس النيل، هجرة الرسول، الشموع السوداء، صغيرة على الحب، قصر الشوق، مراتى مدير عام، حرامى الورقة، آه من حواء، بين القصرين، العصفور، الاختيار، حكايتى مع الزمان" ووضع موسيقى بعض الأفلام التسجيلية. 

جدد الأغنية العربية بما أضافه إليها من توزيع موسيقى "هارموني" معتمدًا على دراساته الموسيقية وثقافته الموسوعية، ووظف الآلات الموسيقية توظيفًا علميًا مدروسًا، وقاد الأوركستر قيادة واعية دقيقة بحساب زمن دخول الآلات والأصوات الفردية والمجاميع، وجمع توزيعه بين العلم وعفوية الإبداع، وآمن بضرورة هذا التجديد الموسيقار محمد عبد الوهاب، نجاة الصغيرة، شادية، صباح، وفايزة أحمد، ويعد عبد الحليم حافظ فى طليعة الفنانين الذين وثقوا بموهبته وبقدرته على الخروج بالألحان العربية إلى العالمية، فعهد إليه بتوزيع العديد من الأغنيات الوطنية والعاطفية، وأهمها: "بالأحضان، ذكريات، الفوازير، المسئولية، حكاية شعب، مطالب شعب، بستان الاشتراكية، بلدى، يا أهلًا بالمعارك، البندقية اتكلمت، المسيح، فدائى، الوطن الأكبر، موال النهار، التوبة، بعد إيه، بأمر الحب، خايف مرة أحب، ضحك ولعب، جواب، راح، لست قلبى، مغرور، بلاش عتاب، وحياة قلبى وأفراحه، لا تكذبى، لست أدري" فيما لحن له 14 أغنية، أشهرها: "يا مغرمين، أصيل ونخيل، الجدول، العيون بتناجيك، فى سكون الليل، مركب الأحلام، نشيد الثأر، بالدم، ما تصدقنيش".  

ووفقًا لما ترويه ابنته" شجون" وخصت به "أخبار السيارات": امتلك على إسماعيل عام 1956 سيارة من طراز "ستروين" SITROENفرنسية الصنع، سوداء اللون، كما امتلك سيارة "كونسل" Consul انجليزية الصنع، صفراء اللون موديل 1964، ولتعدد أسفاره وجولاته الفنية مع فرقة رضا، ومشاركاته بالمهرجانات الدولية، ظل حريصًا على اصطحاب الأسرة للتنزه فور عودته إلى القاهرة، ولتمتعه بخفة ظل نادرة وبروح مرحة، اشتهر بعمل "مقالب" فى المقربين منه، من ذلك تظاهره بالنوم أثناء السفر للتنزه بالإسكندرية، فظل "يموِّج" بالسيارة، حتى ظننا أنه قد نام، ولكنه كان يستعرض مهارته فى قيادة السيارات، ولما استغرق فى الضحك عرفنا أنه مقلب من مقالبه الشهيرة، وتؤكد "شجون": "كان دائم الدندنة، فى البيت والسيارة بشكل لافت ومحبب، وتنفى وجود طقوس خاصة بوالدها حال التأليف الموسيقى، فتقول: "كانت أفكاره حاضرة، وإذا اكتملت يجلس إلى "البيانو" بمكتبه، دون أن يغلق الباب، ودون أن يكون فى عزلة، وكثيرًا ما كان يستدعينا لنسطر له الورق – كنوتة موسيقية- ولأنه كان محبوبًا من جميع المشتغلين بالوسط الفنى كان بيتنا مزارًا لمحبيه على كثرتهم، حتى بعد رحيله، أما أبرز من رافقوه التنقل بالسيارة فكمال الطويل وبليغ حمدى، ونظرًا لارتباطه بمصر رفض عروضًا للإقامة بفرنسا وألمانيا"، ولا تنسى "شجون" دخولها إلى مكتبه لتجده يبكى بينما يستمع إلى أغنية "جبار" لعبد الحليم حافظ، فأخذت تربت على كتفه وتسأله: "مالك؟" فقال وهو يغالب دموعه: "شايفة "الأستاذ أندريا رايدر" إزاى وزع اللحن"، وأثناء إجراء بروفات إحدى المسرحيات بمسرح ليسيه الحرية، أصيب بإغماءة، توفى على أثرها بعد نقله إلى المستشفى فى 16 يونيو 1974، وجراء تلك الصدمة اندفع عبد الحليم حافظ مهرولًا دون حذاء إلى الخارج بصحبة كمال الطويل، وهو يبكى ويقول "على مات.. حتة من المزيكا ماتت يا كمال".