«التراث الحضاري».. سلسلة إبداعية أصيلة للروائية سلوى بكر

الروائية سلوى بكر
الروائية سلوى بكر


في هدوء الصابرين وعمل المخلصين تمضى الروائية سلوى بكر ومجموعة من العاملين معها في نشر معرفة من نوع خاص، عبر سلسلة (التراث الحضاري) الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، التى تقدم مجموعة من العناوين المعنية بالجانب الحضارى المستنير من التراث، عبر الانفتاح على فروعه المختلفة من الطب والهندسة والتاريخ والجغرافيا، رافضة حصر التراث فى المفهوم الفقهى فقط، وخلال سنوات قليلة تحولت السلسلة إلى نافذة مفتوحة على مختلف أفرع التراث العربى فى مختلف فتراته التاريخية، وقدمت عناوين مهمة أعادت التأكيد على مدى ثراء هذا التراث وقدرته على الحياة فى اللحظة الراهنة، ومن هنا أهمية تسليط الأضواء على هذه التجربة.

العناوين الصادرة حديثًا عن السلسلة التى تترأسها سلوى بكر، تكشف عن فلسفتها، فمن كتاب فى الاقتصاد وضبط صك العملة فى العصر المملوكى والذى يحمل عنوان (شذور العقود فى ذكر النقود) للمقريزى، مرورًا بكتاب يتحدث عن الآلات والميكانيكا فى العصر العباسى بعنوان (كتاب الحيل) لنبى موسى بن شاكر، وكتاب (العمل بالأسطرلاب) وهى أداة تعد السلف للبوصلة الحديثة، من تأليف أمية بن أبى الصلت، وليس انتهاء بكتاب (القانون فى الطب) لابن سينا، أحد أهم الكتب فى تاريخ الطب عالميا، تبدو فى كل هذه العناوين سلسلة التراث الحضارى وكأنها نافذة حقيقية تبعث برسالة عظيمة لكل عربى فى زمن صعب، وهى: ثق فى تراثك وثق فى حضارتك وتراث أجدادك، واعمل على استلهام روح هذه الحضارة للاقتباس من الآخرين ثم الإبداع المستقل، وهى رسالة نحن أحوج ما نكون لها فى هذا الزمن. 

أهمية رسالة السلسلة التى تحتفل هذه الأيام بصدور العدد السبعين منها بعنوان (عقود الجمان فى وقائع الأزمان) للمؤرخ المملوكى ابن إياس، تكمن فى التأكيد على كشف حقيقة الأجيال العربية المعاصرة التى تنبهر بالنموذج الغربى عن أننا كنا نمتلك حضارة عظيمة فى ظل الإسلام والأديان الأخرى التى احتضنها الإسلام، وأن هذه الحضارة تجلت فى الطب والهندسة والفلك والتاريخ وكل الحقول المعرفية، عندما كانت اللغة العربية لغة علم وأدب وثقافة وحضارة، بفضل العقول التى أبدعت فى مختلف المجالات المعرفية واستطاعت تطويع العربية لتعبر عن جميع ما فى أذهانهم من أفكار وإبداعات.

◄ اقرأ أيضًا | سلوى بكر: لدينا مشكلة أمية غير ظاهرة نراها عبر وسائل التواصل الاجتماعي 

◄ رسالة السلسلة

من جهته، قال الدكتور أسامة السعدونى، أستاذ التاريخ الإسلامى ومدير تحرير سلسلة التراث الحضارى، لـ«آخر ساعة»، إن رسالة السلسلة هى أن «نفتح الباب الواسع للاطلاع على تراثنا، ونهد الجدار الحاجز بيننا وبين هذا التراث، لكى ننطلق إلى آفاق إبداعية أصيلة، فالانطلاق والتقدم واللحاق بركب الحضارة، يتطلب منا ترجمة أحدث ما توصل إليه العلم الحديث إلى لغتنا العربية، كما فعل من قبل المسلمون وكما فعل الأوروبيون عندما نقلوا من العربية، بالتوازى مع الاطلاع على التراث الحضارى الخاص بنا الذى يمثل لنا الجذر والأصل الذى نستند إليه، وهو ما يدعو للافتخار بهذا التراث واستلهام روحه فى إنتاج معرفة جديدة، ولتحقيق هذا الهدف رحبنا بجهود المحققين من مختلف الأقطار العربية فمعنا باحثون من المغرب والسعودية والكويت وسوريا وغيرها من الدول العربية، ولا يتوقف الأمر عند مشاركة الباحثين العرب بأعمالهم فى السلسلة، بل إن النجاح الأكبر يتمثل فى حجم الاتصالات التى تصلنا من أقطار عربية مختلفة تسأل عن وصول أعداد السلسلة إلى الجزائر والمغرب ودول الخليج وغيرها، ويسألون إذا كانت الهيئة العامة ستشارك فى معارض الكتاب بدولهم من أجل الحصول على عناوين السلسلة، وظنى أن هذا هو النجاح الأكبر».

وأشار مدير تحرير السلسلة إلى أن عنوانها «التراث الحضارى»، يشمل مفهوم التراث بأشكاله المختلفة المتعلقة بمصر وتراثها المصرى القديم حتى الفترة الإسلامية، وكذلك التراث العربى الذى يشمل مختلف الأقطار العربية، والتراث الإسلامى بمعنى أنه مظلة حضارية تشمل حتى غير المسلمين الذين أنتجوا وأبدعوا تحت هذه المظلة، فالتراث الحضارى هو الموروث الذى تم إنجازه تحت مظلة هذه الحضارة فى مختلف حقول المعرفة المتباينة، سواء فى الطب أو الكيمياء أو الفيزياء أو الهندسة أو الميكانيكا؛ ففى الفرع الأخير أخرجنا ثلاثة كتب منها كتاب (الحيل) لبنى موسى، وكذلك فى الجبر أخرجنا كتاب (الجبر والمقابلة) للخوارزم، بتحقيق مصطفى مشرفة، أما التاريخ فصدر عن السلسلة مجموعة من عيون كتب التاريخ، مثل كتاب (جامع التواريخ) لرشيد الدين الهمذاني، وبعض الكتب التاريخية فى فترات لم يتوافر فيها مصادر تاريخية، وكذلك (كتاب العنوان المكلل بفضائل الحكمة المتوج بأنواع الفلسفة الممدوح بحقائق المعرفة) للمؤرخ المسيحى أجابيوس بن قسطنطين المنبجى.

وعن آلية عمل السلسلة، قال السعدونى: «فى بداية السلسلة كان النشر يتوقف على إعادة نشر الكتب التى سبق أن حققت ونشرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب فى فترات سابقة، ونفدت طبعتها القديمة من الأسواق، ثم توجهنا إلى نشر مخطوطات لم تحقق وتنشر من قبل، واعتمادنا على الباحثين وجهودهم العلمية، فعملنا اجتماعات متوالية لبحث المخطوطات التى تستحق النشر، ثم نرسل إلى المحقق المهتم بالحقل الذى يدور حوله موضوع المخطوط، وإذا لم يكن لديه القدرة على كتابة مقدمة التحقيق نطلب من أحد كبار المتخصصين أن يكتب الدراسة التى تصدر مع النص المحقق، كذلك اشترطنا أن يلحق كل محقق بالنص المحقق ملحقا بآخر الكتاب ويتعلق بمعجم اصطلاحى يتضمن مصطلحات النص المحقق وشرحها المعاصر، لتقريب النص إلى القارئ العام والمثقف والمتخصص الحديث، كما يساعد هذا المعجم على أى عمل فى تعريب العلوم».

وتستعد سلسلة (التراث الحضارى) لنشر مجموعة من العناوين الجديدة التى تشكل إضافة إلى المعرفة بالتراث العربى، فمن الكتب التى ستصدر خلال الفترة المقبلة كتاب جديد ينشر لأول مرة لمؤرخ مصر الأشهر المقريزى، كما يصدر كتاب نادر عن طب الأسنان بعنوان (الضرس)، ولم يصل لنا من كتب طب الأسنان إلا هذا الكتاب الذى ينشر للمرة الأولى، وكتاب آخر سبق نشره، كما تم تصوير عدد من المخطوطات بالمكتبة البريطانية بلندن على أمل فرزها وتحديد المناسب منها تمهيدا للنشر فى السلسلة خلال الفترة المقبلة.