في نهاية السبعينيات وطوال عقد الثمانينيات من القرن الماضي، كان هناك اسم أدبى يسيطر على مبيعات الروايات، كان الاسم الأكثر مبيعا، رواياته تطبع وتبيع آلاف النسخ، هذا الاسم هو إسماعيل ولي الدين، الروائي الأشهر في تلك الفترة، الذى كُتبت له الشهرة المضاعفة مع تحويل العديد من أعماله الروائية إلى أفلام سينمائية حققت نجاحًا مدويًا، لكنها جلبت له الكثير من المشاكل والأزمات التى أثرت على مسيرته الأدبية، قبل أن تنحسر الأضواء عنه.

وبدأ مؤخرًا مشروع لاستعادة إسماعيل ولي الدين ومشروعه الأدبى من النسيان، عبر المشروع الجديد الذي تم الإعلان عنه، لإعادة نشر أعماله بالتوازى مع ذكرى رحيله الرابعة التي تحل في 21 يوليو الجاري.

أنهت إحدى دور النشر الاتفاق مع وريث إسماعيل ولي الدين على إعادة نشر أعمال الروائي الكبير في طبعة جديدة تصدر خلال الفترة المقبلة، بالتوازى مع إطلاق مشروعات أخرى لتعريف الأجيال الجديدة بهذا الروائى، الذى لن يصدق أبناء الأجيال الشابة أنه كان ذات يوم الأكثر مبيعًا فى مصر، وأن كبرى جهات الإنتاج السينمائى كانت تتصارع على كل ما ينتجه لتحويله إلى أعمال سينمائية فورًا، ومن المتوقع أن تصدر الأعمال الكاملة قبل النسخة المقبلة من معرض القاهرة الدولى للكتاب، كما تعتزم دار النشر إصدار عدة كتب تتضمن دراسات عن عوالم ولى الدين الروائية والسينمائية، بالتزامن مع الذكرى التسعين لميلاده التى تحل هذا العام.

◄ اقرأ أيضًا | وداعا..صاحب «الباطنية».. إسماعيل ولى الدين عاش فى عزلة ومات فى صمت
وُلد ولى الدين في 15 ديسمبر 1935م، وتخرج في جامعة القاهرة بقسم العمارة كلية الهندسة العام 1956، ثم التحق بالقوات المسلحة كضابط مهندس، وظل فى الخدمة حتى تقاعد برتبة عقيد فى عقد السبعينيات بعد حرب أكتوبر بسنوات قليلة، واتخذ قراره بناء على رغبته في التفرغ لكتابة الأدب، إذ بدأ النشر بقصة قصيرة في مجلة صباح الخير العام 1967م، ثم نشر أول مجموعة قصصية بعنوان (بقع فى الشمس) 1968، ثم أصدر مجموعته الثانية (الطيور الشاحبة) 1969م، ثم نشر أولى رواياته (حمام الملاطيلي) 1971م، التى أثارت جدلا كبيرا عندما تحولت إلى فيلم سينمائي بالاسم ذاته 1973م، وجاءت روايته الثانية بعنوان (الأقمر) 1972م، واللافت هنا أن أولى رواياته صدرت بدراسة للأديب الكبير يحيى حقي الذى أفاض فى مدح موهبة ولي الدين.

اعترف يحيى حقي وهو أحد أكبر القامات الأدبية فى تاريخ مصر، بموهبة إسماعيل ولى الدين، وقال عن روايته الأولى: «أعانتنى هذه الرواية على الاهتداء إلى السر الذى كنت أبحث عنه لأعرف من أين يتأتى لعمل دون بقية الأعمال الفنية الكبيرة أن يبلغ أقصى قدرة على الاستحواذ، على النفاذ، على الانتشار والتدفق فى الشرايين، معينًا لا ينضب للارتواء والشبع، للروح والعقل، على البقاء، على الاستمرار، على الكمون سباتًا فى أدراج خفية نضع فيه جواهرنا لننساها، ونحن نحس طوال الوقت بتوهج أشعتها فى ضمائرنا وبأنها ضمان لنا من طارئ العوز والإملاق».

وصدرت (الأقمر) بدراسة مرفقة ليحيى حقى، الذي أشاد بالعمل، ووصف الرواية بأن جميع شخوصها «من حى وجماد موصوفة بصدق وحب وإحساس مرهف، تنبض بالحياة وتظل بالذاكرة بعد أن تفرغ من القراءة، وهل نطلب من الفن شيئا بعد ذلك؟»، بينما قال عنها الروائى والناقد الكبير علاء الديب: «فى الأقمر تطور وإحكام للبناء أوضح بكثير من حمام الملاطيلى، والرواية تدور حول البحث عن الخلاص بالضياع فى العدم، وتمرد اجتماعى على القيم البرجوازية... إن الأقمر نجاح واضح فى التوحيد بين الشخصيات الإنسانية، وفيها تبدو قدرة المؤلف على صناعة مأساة قاهرية عنيفة الأحداث».

توالت أعمال إسماعيل ولي الدين (الذي رحل في يوليو 2021م)، بعد (الأقمر)، وأبرزها رواية (حمص أخضر) 1973م، ثم (تجربة حب) 1974م، و(حب تحت الحراسة) 1975م، و(السلخانة) 1976م، و(طائر اسمه الحب) 1976م، و(دار التفاح) 1977م، و(الموت خلف الفندق) 1977م، و(حب تحت الأشجار) 1978م، و(رحلة الشقاء والحب) 1978م، و(الباطنية) 1979م، و(العاشقان) 1980م.
أعمال إسماعيل ولي الدين، الذي عاش في عزلة تامة منذ مطلع الألفية حتى وفاته، جعلته يحصل على الكاتب الأكثر إثارة للجدل، على عدة مستويات، فالكثير من التعاطى السينمائى مع أعماله ركز على الجانب الحسي والشخصيات المشوهة والمنحرفة التي استعرضها في أعماله، مع فصلها في الكثير من الأحيان عن مضمون تناول ولى الدين الذي استخدمه كنموذج ورمز لمفاسد في المجتمع، لذا كانت الرقابة بالمرصاد لهذه الأفلام ومنعت عددًا منها وفي مقدمتها فيلم (حمام الملاطيلي) الذي أُنتج في سبعينيات القرن الماضي، كذلك شن بعض نقاد الأدب هجومًا على منتج ولى الدين، واعتبروا أن أعماله أقل من حيث الحجم والتعمق في الخطوط الدرامية من أن يطلق عليها روايات، وأنها في أحسن الأحوال قصص قصيرة طويلة بعض الشيء، أو معالجات فنية يستخدمها صناع السينما بشكل أولى، وهو ما يفسر الإقبال الكبير من المخرجين على أعمال ولي الدين.
«معرض الكتاب».. حضور واسع للجيل الجديد
محمد خضير يوثق مسيرة أحمد منيب في كتاب جديد بالتزامن مع مئوية ميلاده
السقوط في بئر الخيانة.. أحدث فصول اتصالات «الإخوان» مع المخابرات الأجنبية







