نظام «آيات الله» من الصعود إلى محاولات البقاء

 كتابه «صعود وسقوط نظام آيات الله»
كتابه «صعود وسقوط نظام آيات الله»


 

«المؤلف» الإسرائيلى يفسر الواقع الإيرانى محملا بأمنيات واشنطن وتل أبيب

فى كتابه «صعود وسقوط نظام آيات الله» للبروفيسور «عوزى رابى» الأستاذ المتفرغ بجامعة تل أبيب يستعرض رحلة «نظام آيات الله» فى إيران منذ البدايات، والظروف التى أدت إلى صعوده وسقوط «حكم الشاه».

يقارب المؤلف بين تلك الظروف وبين الأوضاع الحالية فى إيران ويزعم أنها مشابهة لظروف سقوط الشاه وما دامت البدايات متشابهة فالنهايات أيضًا ستكون متشابهة. بل إنه يؤكد أن السؤال ليس ما إذا كان «نظام آيات الله» سينهار، فالسقوط فى رأيه بدأ بالفعل.

وأن دور حكم «آيات الله» بشكله الحالى على مسرح التاريخ انتهى الآن، ولم يعد الأمر سوى مسألة وقت. وأنه وصل إلى اللحظة التى انكشفت فيها الهوة العميقة التى لا يمكن رأبها بينه وبين المجتمع الذى يسعى للسيطرة عليه. يكتب المؤلف: «إن هذا الكتاب مُهدى إلى إيران التى كانت، وإلى الشعب الإيرانى الذى لا يزال يعانى من وطأة نظامٍ متوحش، وإلى عصر الفرص والسلام والازدهار الذى انفتح أمام إيران وإسرائيل والشرق الأوسط برحيل آيات الله».

 

نظام الملالى توقف عن المبادرة ودخل فى حالة من البقاء السلبى

رحيل آيات الله يفتح الفرص أمام إسرائيل والمعارضة الإيرانية

الحرس الثورى هو «دولة ظل» تُسيطر على الاقتصاد والجيش

جيل الألفية هم وقود الثورة للإطاحة بالنظام الحالى

 

من الواضح أن الكاتب يفسر وقائع الحاضر تفسيرًا محمّلًا بالتفكير الرغائبى فى سقوط نظام الملالى وهو الهدف الذى جمع بين «واشنطن وتل أبيب» فى أوائل الهجوم الإسرائيلى-الأمريكى المشترك فى يونيو 2025، والذى عُرف لاحقًا باسم «حرب الأيام الاثنى عشر»، فيكتب: «يُعلّمنا التاريخ أن الأنظمة الفاشلة والمحتضرة لا تهبط من على الساحة بسلاسة، بل تُسحب منها قسرًا، وتُدفع فى كل الاتجاهات، بعد أن يصبح زوالها شبه مُؤكد. ويستشهد بالهزيمة الاستراتيجية التى مُنيت بها ألمانيا النازية ١٩٤٣.

واعتبرت فيها معركتا «ستالينجراد وكورسك»، قبل عامين من نهاية الحرب رسميًا، نقطة التحول التى أصبحت عندها الهزيمة حتمية لا رجعة فيها. ورغم استمرار الحرب، وتدمير مدن مثل: «دريسدن»، استمرت القيادة الألمانية فى القتال إما لعدم وجود ما تخسره أو لعجزها عن استيعاب الواقع، لكنها كانت تُصارع سقوطها المُتوقع.

نمر من ورق

يزعم المؤلف أن إيران كانت عند هذه النقطة تحديدًا، وأن «حرب الأيام الاثنى عشر» كانت بمثابة «ستالينجراد» بالنسبة لها حين قرر الشعب الإيرانى التخلص من النظام الطفيلى بأسلوبٍ سلسٍ وأصيلٍ ومُبتكر .. وأصبح جيل الألفية فى إيران أكبر تهديد وجودى للنظام. لقد أثبتت تلك الحرب أن النمر الذى بناه النظام بعناية فائقة-نمرٌ ذو حكمٍ مرعبٍ من الداخل وأذرعٍ إمبراطوريةٍ ضخمةٍ من الخارج-لم يكن فى الواقع سوى نمرٍ من ورق.

منذ تلك اللحظة، توقف النظام عن المبادرة ودخل فى حالةٍ من البقاء السلبى.

يعترف المؤلف أنه أصدر هذا الكتاب انطلاقًا من إدراك أن التاريخ لا ينتظر استنتاجاتٍ بأثر رجعى، وأن الهدف هو عرض محاولات النظام اليائسة للبقاء، والفرصة الاستراتيجية الهائلة التى تلوح أمام إسرائيل والعالم الحر. ليس على إيران أن تصبح بؤرة فوضى وانهيارًا مثل سوريا؛ بل يمكنها، بل يجب عليها، أن تعود إلى قيمها الأصيلة، وإلى ثقافتها العريقة التى ضاعت مؤقتًا فى غياهب النسيان.

مشهد البداية

شهد صباح الأول من فبراير عام ١٩٧٩ لحظةً نادرةً امتزج فيها التاريخ بالإيمان. هبطت طائرة «بوينج» تابعة للخطوط الجوية الفرنسية على مدرج مطار «مهرآباد» فى طهران. وبين ركاب الطائرة، برز رجل مسنّ يرتدى رداءً أسود، محاطاً بمعارفه وإعلاميين.

كان الرجل، الذى رأى نفسه مصدرًا للسلطة العليا، يتصرف باسم الله متجاوزًا أى التزام إنسانى أو اجتماعى، هو من سيُشكّل بشكل حاسم شخصية الجمهورية الإسلامية فى مهدها. إنه «روح الله موسوى الخميني»-المولود فى مدينة خمين غرب إيران، رجل دين شيعى متشدد ومتعصب-نُفى من بلاده عام ١٩٦٤، بعد معارضته العلنية للشاه وللإصلاحات التى نفذها كجزء من «الثورة البيضاء».

بالنسبة لمعظم الركاب، كانت مجرد رحلة عابرة للقارات؛ لكن بالنسبة للرجل الملتحى، وللحشود التى اكتظت بها شوارع العاصمة الإيرانية، كانت تلك اللحظة بداية عهد جديد. أمام مئات الآلاف الذين ملأوا المطار وشوارع المدينة.

انهمرت دموع الحشود، وصدحت الصلوات، وهتفت أناشيد الحمد، وكأنّ العائد إلى وطنه ليس ثائراً، بل رسول من الله.

قال الخمينى عند هبوط الطائرة: «لم أعد لأحكم، بل عدت لأخدم الشعب». لكن سرعان ما اتضح أن الخدمة التى قدمها الرجل كانت ثورةً دينيةً خالصةً، يحكمها رجال الدين. بالنسبة لأنصاره، كانت لحظة فداء، أما بالنسبة لمعارضيه، فكانت بداية النهاية.

على مدار حوالى خمسة عشر عامًا من المنفى-أولًا فى تركيا، ثم فى العراق، وأخيرًا فى باريس-بنى مكانته وأصبح الزعيم الروحى لثورة ناشطة لا هوادة فيها، طالبت بوضوح بحكم علماء الدين. لم يخفِ الخمينى أهدافه: «هدفنا هو الإطاحة بهذا النظام الشيطانى «حكم الشاه الملكي» وإقامة دولة إسلامية قائمة على العدل».

قوة اللحظة

لفهم قوة تلك اللحظة، لا بد من العودة بضع سنواتٍ إلى الوراء. كانت إيران فى أواخر سبعينيات القرن الماضى بلدًا منقسمًا. أبراج زجاجية فى طهران، وأضواء نيون، وملاهٍ متألقة، وحفلات كوكتيل فى قصور السفراء، ودور أزياء باريسية، كل ذلك شكّل صورةً من الفخامة التى نظر إليها الغرب بحسد.

كان ممشى بحر قزوين يُتيح لمحةً عن تلك الأيام، مع اليخوت الخاصة وحشود الطلاب الذين يحتسون الويسكى أو غيره من المشروبات الكحولية. كان اقتصادًا نفطيًا ديناميكيًا تحت قيادة موالية للغرب، بدا وكأنه واحة استقرار بين العراق وأفغانستان. فى قصره، كان الشاه الإيرانى يقف ويتحدث بصوت عالٍ عن «الثورة البيضاء»، وعن التقدم، وعن العلمانية، وعن الاستقلال الاقتصادى.

لكنها لم تكن سوى وهم، كإناء متلألئ يحوى ماء عكرًا. بدت طهران فى عهد الشاه للمراقب الخارجى مدينة متقدمة؛ ففى شمالها أبراج زجاجية وقاعات رقص وفنادق فاخرة، ومجموعة من الفتيات يرتدين تنانير قصيرة يتدفقن فى شارع «بهلوي» المُخصص للمشاة.

أما فى جنوب المدينة، فى أحياء مثل: «شوشان ورى ونواب»، فقد عاش مئات الآلاف فى ظروف مزرية، فى غرف بلا تهوية، وأرصفة متصدعة، ومجارى صرف صحى مكشوفة تصطف على جانبى الأزقة.
حتى خارج طهران، فى قرى غرب إيران، مثل: «خرم آباد ومهران»، وكذلك فى منطقة «سيستان وبلوشستان شرقاً»، بدا وكأن أخبار «الثورة البيضاء» لم تصل إليهم إطلاقاً. لم تُبنَ مدارس، ولم تُزوَّد العيادات بالكوادر الطبية، وبدت الدولة بعيدة، بل وربما غير مبالية.

يقول عامل بناء فى إحدى مناطق طهران: «عشنا فى ظل القصر، ولكننا كنا دائمًا فى الظل. عندما احتفلوا بالخمر والشمبانيا، دفنتُ أختى لعدم وجود مال لشراء المضادات الحيوية». فُرضت التحديثات من أعلى بوتيرة متسارعة، ولكن دون أى أساس ثقافى. شعر الجيل الأكبر سنًا أن عالمه قد سُلب منه، بينما تُرك الجيل الأصغر بلا هوية متماسكة.

فى المساجد، آخر مكان متبقٍ حيث يمكن للمرء أن يتحدث بحرية نسبية، بدأت أصوات أخرى تُسمع. أصبح الدين، الذى أُقصى من الساحة العامة، ملاذًا ولغة احتجاج.

فى إيران فى سبعينيات القرن الماضى، تناولت الخطب الدينية موضوع «الشرف الضائع» للأمة الإيرانية. عبّرت هذه الأفكار خير تعبير عن تعاليم عالم الاجتماع والمفكر «على شريعتي»، أحد أبرز الأصوات فى إيران ما قبل الثورة.

أكد «شريعتي» أن مفتاح فهم الثورة لا يكمن فقط فى الفقر المادى، بل فى شعور الشعب بالاغتراب والإذلال اليومى فى مواجهة نخبة منفصلة عن الواقع، وبكلماته: «ليس الفقر فى حد ذاته ما سيؤدى إلى الحركة والتمرد... بل شعور الطبقات المُضطهدة بالإذلال هو ما يدفعها إلى العمل».

أحلام الشاه

وقف الشاه على مسرح التاريخ وأعلن بفخر: «أريد أن أجعل إيران واحدة من أكثر عشر دول تقدمًا فى العالم»، لكن فى الخفاء، كان المشهد يتصدع بالفعل. بالنسبة للكثيرين، كان مجرد ستار براق يخفى شرخًا فى الواقع، بين التقاليد والتقدم، بين الحقيقة والظاهر، وبين رؤية طوباوية وواقع مؤلم.

وهناك، فى الخفاء، كُتبت المأساة التالية. حلم الشاه بتحويل إيران إلى يابان الشرق الأوسط، لكنه فى الحقيقة مزّقها إلى نصفين، وخلق واقعًا يحمل فى طياته دعوة إلى ثورة عارمة.

عاشت العائلة المالكة فى عزلةٍ واضحة، تحوّلت على مرّ السنين إلى رمزٍ جليّ لحكمٍ أجنبيّ ومنعزل. وعلى رأس الهرمية وقف محمد رضا شاه بهلوى، الذى حمل لاحقًا لقب «ملك الملوك» (شاهنشاه).

إلا أن وصوله إلى العرش لم ينبع من رؤيةٍ إمبراطوريةٍ متماسكة، بل من ظروفٍ تاريخيةٍ فرضت عليه النظام الملكى قبل أوانه.. كان شابًا عديم الخبرة، يعتمد على قوى أجنبية فرضت عليه التعيين لضمان الاستقرار الرسمى. فى بداية عهده، لم يكن حاكماً قوياً ولم يشعر بالأمان فى منصبه.

حكم محمد رضا كملك حذر، ومتردد أحياناً، ساعياً إلى ترسيخ سلطته فى إيران فى مواجهة النخب القوية والجيش والسياسيين.. لم يتعزز موقف الشاه إلا لاحقًا، وبدأ بتركيز السلطة فى يديه.

وفى العقود اللاحقة، ولا سيما مع تحول إيران إلى «إمبراطورية نفطية» فى الستينيات والسبعينيات، تشكلت تدريجيًا مظاهر حداثة ملكية باذخة، قائمة على الثروة والاحتفالات والرموز الإمبراطورية على النمط الأوروبى. وكان تغيير الشاه لسياساته نتاجًا لثقة متزايدة بالنفس، وموارد اقتصادية هائلة، وصورة ذاتية لحاكم تاريخى ذى مصير خالد. وقد عمّق هذا التصور الفجوة والانفصال بينه وبين المجتمع الإيرانى.

سلسلة أخطاء

كان قصر «نيافاران» فى شمال طهران، المُحاط بحدائق مُنسقة وتماثيل غربية، بمثابة استعارة صارخة لمملكة فقدت صلتها بشعبها.

لم تكتفِ عائلة الشاه بالعيش برفاهية، بل تفاخرت بها دون أى خجل. أظهرت صور نُشرت فى مجلات غربية «الشاه فى عطلة تزلج فى سويسرا»، بينما كانت كلابه ملفوفة بمعاطف من الفرو وتأكل يوميًا قطعًا من اللحم النيء تكفى لإطعام شارع كامل فى جنوب طهران.

كان الفارق صارخًا، وكتب البعض عن مشاعرهم فى حينها. هكذا وصف العديد من الطلاب فى جامعات طهران فى أواخر عامى 1977 و1978 تجربتهم اليومية: طابور طويل للحصول على حساء خفيف فى الكافتيريا، ومواجهة أخبار الثراء الفاحش فى الأوساط الحكومية. تجاهل النظام هذه المعاناة وتبنى لغة أجنبية للرفاهية، كانت بمثابة تذكير دائم بالمسافة بينه وبين جيل الشباب، الذى لم يُنظر إليه كجزء من الجماعة.

بدت المملكة كأنها طروادة العصر الحديث، مُحصنة بالأسوار، غارقة فى نشوة السلطة، عمياء عن الخيول الواقفة عند البوابة. أصبح البلاط الملكى ناديًا مغلقًا، مُخصصًا لأفراد العائلات المرموقة، والمقربين الماليين، والخدم المخلصين، ولم يُدعَ أى شخص لا يستوفى هذه المعايير إلى حلبة الرقص.

بدأ دويّ الرعد الحقيقى يتردد بعيدًا فى الأفق. تُظهر التجربة التاريخية أن الثورات الكبرى لا تندلع فى يوم واحد، بل تُولد من سلسلة طويلة من الأخطاء، تنبع من هفواتٍ صغيرة على طول الطريق وانحرافات لم تُعالج فى حينها.

فى الواقع، حذر السفير الأمريكى ويليام سوليفان فى وقت مبكر من نوفمبر 1978: «تآكلت مكانة الشاه فى المجتمع الإيرانى بشكل كبير؛ فى الواقع، يبدو أن الجيش هو العامل الوحيد الذى لا يزال يوفر له الدعم وهكذا اتضح أنه خلف واجهة البريق والاحتفالات، بقيت مملكة عارية، حيث تعمل النخبة والجماهير فى عالمين منفصلين تمامًا تقريبًا».

بروز الخمينى

ها هو ذا رجل نحيل ملتحٍ، ذو جبهة عريضة وأنف مستقيم طويل، تشعّ هيئته بجرأة مكبوتة. عيناه الغائرتان تحت حاجبين كثيفين مقوّسين تُضفيان نظرة ثاقبة يكتنفها الغموض. تعبيره الجاد الجامد يُكمّل صورةً تحمل معها هالة روحانية استثنائية.

كان يُنظر إلى روح الله الخمينى على أنه شخصية انطوائية قاسية القلب، صلبة العزم، ثابتة لا تتزعزع ولا تندم.

كان إيمانه بمصيره ورسالته مطلقًا، ورفض أى انجذاب إلى المظاهر المادية أو الإيماءات العاطفية. لم يسعَ لإرضاء أحد أو إظهار المودة. لم تكن العلمانية أو التغريب العدو الوحيد فى نظره، بل أى نظام يستغل الضعفاء، وينهب المظلومين، ويفسد روح الأمة..

فى نظره، اتخذ هذا الصراع معنى كونياً للخير والشر، والنور والظلام، وعكس مفهوماً ثنائياً قديماً متجذراً فى التاريخ الإيرانى منذ عهد زرادشت. لم يُسمِّه الخمينى باسمه، لكنه استلهم منه المنطق القديم نفسه. فى عالمه، لم تكن هناك مناطق وسيطة، بل تمييز تام بين الحق والباطل، وبين الطهارة والنجاسة.

انتحار ديموجرافى

منذ البداية، مثّل حكم آيات الله كيانًا طفيليًا استولى على المجتمع الإيرانى. وقد تبنّى هذا النظام رؤيةً للعالم وقيمًا تتعارض تمامًا مع طبيعة الشعب الذى فرض نفسه عليه. ولعقود، تمكّن النظام من التشبث بالسلطة عبر العنف الوحشى وأساليب عملٍ متنوعة، كإنشاء «دولة ظل» (الحرس الثوري) تُسيطر على الاقتصاد والجيش، وبناء قوة إقليمية هائلة عبر وكلائها-حزب الله والحوثيين والميليشيات فى العراق.

لكن الطفيلى كاد أن يقضى على مضيفه. تكشف بيانات السكان فى إيران عن مجتمع يعيش حالة من اليأس العميق والوهن. فى نهاية عهد الشاه، كانت إيران دولة علمانية بمعدل خصوبة بلغ 6.5 طفل لكل امرأة. وبعد أقل من جيلين، فى عام 2023، انخفض هذا الرقم إلى 1.7 طفل، وهى أرقام مشابهة لتلك الموجودة فى أوروبا الغربية، حيث استغرقت هذه العملية قرونًا. فى كتابه «الحضارات تحتضر»، يجادل «ديفيد جولدمان» بأن الانخفاض الحاد فى الخصوبة هو عرض من أعراض اليأس الوجودى.

ويجادل بأن الناس يفعلون ذلك لأنهم توقفوا عن الإيمان بأن السياق الاجتماعى أو الثقافى أو الدينى الذى تُنسج فيه حياتهم جدير بالعيش فيه ومن أجله. ووفقًا لهذا الرأى، فإن توقف المواليد دليل على أن المجتمع الإيرانى قد فقد الرغبة فى الحياة. ونتيجة لذلك، حدثت عملية «انتحار ديموجرافى»، نشأت من فقدان الإيمان بالحياة، والتى قادها الفشل الذريع لـ «الثورة الإسلامية». 

آفة المخدرات

ومن المؤشرات الأخرى على يأس الشعب الإيرانى آفة المخدرات القوية. فمنذ بداية القرن العشرين، سجلت إيران أحد أعلى معدلات الاستخدام المنتظم للمواد الأفيونية (وخاصة الهيروين) فى العالم، حيث تشير تقديرات استطلاعات رأى مختلفة إلى أن النسبة تتراوح بين 2 و7 بالمائة من إجمالى السكان.

كان هذا اليأس هو ما أدى إلى اندلاع «الاحتجاجات الوطنية الإيرانية» أواخر عام 2025. خرج المواطنون إلى الشوارع وهم يدركون تمامًا أن النظام سيقتلهم بالرصاص. وشهدت فظائع المجزرة على أن الكثيرين ممن شاركوا فى المظاهرات ساروا إلى قلب النيران، مدركين أنهم لم يعد لديهم ما يخسرونه. إن هذا المستوى من الغضب واليأس هو سمة مُميزة لمجتمع قرر التخلص من هذا الطفيلى، حتى لو كان ذلك على حساب أرواح أفراده.

بينما تُكتب هذه السطور، لا يزال غبار الأحداث يتصاعد، ولم تتضح بعدُ كيفية انتهاء «نظام آية الله»، لكنّ الوجهة واضحة. آمل أن يُعلن، لمصلحة الشعب الإيرانى، عن نهاية عهد الإرهاب الذى فرضته الجمهورية الإسلامية فى أقرب وقت ممكن، وأن يكون ذلك بداية عهد جديد أفضل للإيرانيين، ولإسرائيل، وللمنطقة بأسرها.

 

المؤلف فى سطور:

 

بروفيسور عوزى رابى:

أستاذ متفرغ فى جامعة تل أبيب، شغل منصب رئيس قسم تاريخ الشرق الأوسط ورئيس مركز ديان لدراسات الشرق الأوسط فى جامعة تل أبيب.

من مؤلفاته: «زمن إيران»، و«اليمن: تشريح دولة فاشلة»، و«العودة إلى المستقبل: الشرق الأوسط فى ظل الربيع العربى».