كل يوم

عرق الفلاح و«الحياة الكريمة» (3-3)

منصور  كامل
منصور كامل


طرحنا فى الحلقة الماضية سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كان ما تحقق فى المبادرة الرئاسية «حياة كريمة» هو كل المنال، أم أننا نقف على أعتاب مرحلة جديدة تتطلب البناء على ما تم إنجازه؟ والإجابة تكمن فى طبيعة التحول ذاته.

لقد تغير وجه القرية المصرية بالفعل؛ ولكن هذا التحول البنيوى العظيم هو «الخطوة الأولى» فى رحلة الألف ميل؛ رحلة صناعة الاستقرار الحقيقى الذى يربط الإنسان بأرضه.. إن الضمانة الوحيدة لكى تدوم هذه التنمية هى أن تتحول هذه القرى من «مراكز استهلاك» للخدمات إلى «قلاع إنتاجية» نابضة بالحياة.

لقد آن الأوان لكى نطرح الرؤية الأهم: كيف نجعل من القرية المطورة بيئة جاذبة لفرص العمل؟ وكيف ننهى إلى الأبد ظاهرة الهجرة الداخلية التى أفرغت الريف من سواعده، وأثقلت كاهل العاصمة والمدن الكبرى، وهو ما بدأت الحكومة تعمل عليه بالتحول لنماذج الفرى المنتجة، فالقرية إذا أنتجت تحسن دخل قاطنيها وتحسنت معيشتهم.

عندما يجد الشاب الريفى فرصة عمل كريمة، بإنتاجية حقيقية، وتحت سقف بيت تتوفر فيه مقومات الآدمية، لن يفكر لحظة واحدة فى مغادرة أرضه وعائلته ليخاطر فى غياهب المدن المزدحمة.

المقومات الآن باتت جاهزة؛ فلدينا مجمعات خدمات زراعية متكاملة، وبنية تحتية من طرق وكهرباء واتصالات تقارب تلك الموجوده فى المدن. ما نحتاجه اليوم هو استثمار هذه البنية فى خلق نموذج «القرية المنتجة». يحتاج شباب القرى إلى تيسير القروض وإتاحة دراسات جدوى لمشروعات صغيرة ومتوسطة ترتبط ببيئتهم؛ كصناعات التعبئة والتغليف، وتصنيع المواد الغذائية، وإحياء الحرف التراثية واليدوية التى تميزت بها قرى مصر طوال تاريخها، فضلاً عن مشاريع التصنيع الزراعى القائم على تعظيم قيمة المحاصيل بدلاً من بيعها خاماً.

إن توفير الخدمات للفلاحين فى قراهم هى المحطة الأهم لحياته الكريمة، واستدامة توفير دخل مناسب من خلال فرص عمل حقيقية له ولأبنائه هى المؤشر لكى يظل يحيا كريماً. فعرق ك الفلاح الذى روى الأرض لآلاف السنين يستحق اليوم أن يثمر أملاً يزرعه فى قلوب أبنائه ليظلوا حراساً أوفياء لطمى هذا الوطن الطاهر، ولتظل القرية المصرية كما كانت دائماً.. سلة غذاء مصر، ومصدر قوتها الشامخ.