هل جرّ ترامب الولايات المتحدة إلى حرب لا نهاية لها في إيران؟

 الرئيس الأمريكي دونالد ترامب
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب


شنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حربًا على إيران قبل نحو خمسة أشهر، متعهدًا بتحقيق نصر حاسم خلال أسابيع قليلة، ومؤكدًا أن العملية ستكون خاطفة وحاسمة، لكن مع امتداد أمد المواجهة وتزايد كلفتها العسكرية والسياسية، عادت الأسئلة لتلاحق إدارة ترامب بشأن مدى ابتعادها عن وعودها الانتخابية بإنهاء الحروب الأمريكية الطويلة وتجنب الانخراط في صراعات جديدة، في مشهد يعيد إلى الأذهان تجارب واشنطن المريرة في العراق وأفغانستان.

وبحسب  تقرير لجارديان أنه  في أوائل مارس، وبعد أسبوع من اندلاع الحرب، أعلن ترامب أنه لن يوافق إلا على "استسلام غير مشروط" من جانب الحكومة الإيرانية، وتعهد بتدمير جزء كبير من جيش طهران، ودعا إلى انتفاضة شعبية، وأشاد بإسقاط النظام الذي وصل إلى السلطة بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وبالطبع، تبين أن وعود ترامب الرنانة ما هي إلا حلقة أخرى في تاريخ طويل من الغطرسة الإمبريالية الأمريكية.

وعودٍ ترامب

تناقض ترامب مع وعودٍ عديدة قطعها على نفسه أمام الشعب الأمريكي المنهك بأنه لن يبدأ حروبًا جديدة خلال ولايته الرئاسية الثانية ، ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وفي خطاب فوزه ليلة الانتخابات من فلوريدا، قال ترامب بثقة للأمريكيين : "لن أبدأ حربًا. سأوقف الحروب" ،والآن، انهار وقف إطلاق النار الذي تفاوض عليه مع طهران، ويخاطر ترامب بجر الولايات المتحدة إلى حرب أخرى لا نهاية لها  في إيران .

وفي منتصف يونيو، توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى مذكرة تفاهم تضمنت إعادة فتح مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي في العالم قبل أن تغلقه إيران خلال الحرب، وكان هذا الاتفاق بمثابة تمديد لمدة 60 يومًا لوقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أوائل أبريل، ولكنه لم يُفضِ إلى إعادة فتح الممر المائي الحيوي لأن ترامب فرض حصارًا بحريًا على السفن الإيرانية في المنطقة ،وقال ترامب إن المذكرة "تحقق كل ما كنا نسعى لتحقيقه"، على الرغم من أنها أجلت أصعب المسائل ، بما في ذلك القيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني وسيطرة طهران المحتملة على مضيق هرمز إلى مفاوضات لاحقة.
 

اقرأ أ يضا :إيران: سنهاجم مصالح أمريكا وحلفائها إذا استهدفت المواقع النووية

مفاوضات لاحقة

كتب ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي عند إعلانه عن الاتفاق المؤقت الشهر الماضي: "يا سفن العالم، شغلوا محركاتكم! دعوا النفط يتدفق!" ،لكن لكل طرف تفسيرات متباينة للاتفاق، وانهار الاتفاق بعد أقل من شهر، وعلى مدى الأيام العشرة الماضية، دفعت الهجمات المتبادلة المنطقة مجدداً نحو حرب شاملة، أطلقت إيران النار على ناقلات نفط عبر المضيق قرب سواحل عُمان في الممر الجنوبي للمضيق، الذي شجع الجيش الأمريكي السفن على استخدامه لتجنب السيطرة الإيرانية، وشنّ البنتاجون موجات يومية من الغارات الجوية على ما وصفه بمراكز القيادة الإيرانية، ومواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وأنظمة الدفاع الجوي، وشبكات الاتصالات ، وفي الأيام الأخيرة، قصفت الولايات المتحدة أيضاً جسوراً في جنوب إيران، وهدد ترامب بتدمير محطات توليد الطاقة الإيرانية وغيرها من البنى التحتية المدنية، وهو ما قد يُعد جريمة حرب.

ردّت طهران بشن غارات صاروخية وطائرات مسيّرة على قواعد عسكرية أمريكية في أنحاء الشرق الأوسط، وهدّدت بتجديد الهجمات على البنية التحتية للطاقة لدى جيرانها في الخليج، وأعاد ترامب فرض الحصار على الملاحة الإيرانية، ما أدى إلى تباطؤ حركة الملاحة عبر مضيق هرمز بشكل ملحوظ. وبلغ سعر النفط أعلى مستوى له في شهر، متجاوزًا 90 دولارًا للبرميل، ما أدى مجددًا إلى اضطراب الاقتصاد العالمي، ويوم الجمعة، استهدفت صواريخ باليستية إيرانية قاعدة جوية في الأردن، ما أسفر عن مقتل جنديين أمريكيين، وفقدان ثالث في العمليات، وأعلن البنتاجون عن مقتل جندي آخر يوم السبت في شمال العراق، حيث توجد قواعد أمريكية. ومنذ بدء الحرب، قُتل 17 جنديًا أمريكيًا وأُصيب نحو 430 آخرين.

سبق و أن صرّح ترامب بأن قتل أي جندي أمريكي سيستدعي ردًا أمريكيًا واسع النطاق ضد إيران، وهذه طريقة أخرى حصر بها ترامب نفسه في دوامة لا تنتهي من القصف والتصعيد العسكري، فهو يفتقر إلى استراتيجية لتحويل التفوق العسكري الأمريكي إلى اتفاق سياسي دائم مع طهران، وقد تذبذب لأشهر بين إبرام اتفاق شامل والتهديد بإشعال حرب شاملة من جديد، وخلال معظم فترة النزاع، بدا أن نطاق المفاوضات  والسياسة الأمريكية العامة تجاه إيران ، يعتمد على تقلبات مزاج ترامب.

من جانبه، نجا النظام الإيراني من اغتيال قادته البارزين، وصمد أمام أسابيع من القصف المكثف الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل، وهما من أقوى جيوش العالم، ففي 28 فبراير/شباط، في الساعات الأولى من الصراع، أسفرت غارات جوية أمريكية إسرائيلية مشتركة عن مقتل المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، وأكثر من 30 مسؤولاً إيرانياً رفيع المستوى، وسرعان ما نصّبت القيادة المتبقية للنظام نجل خامنئي، مجتبى، مرشداً أعلى جديداً، ويحظى مجتبى بدعم جنرالات متشددين في الحرس الثوري الإسلامي، القوة العسكرية والاقتصادية الأقوى في البلاد.

خرج قادة إيران أكثر جرأةً ونفوذاً مما كانوا عليه قبل حرب ترامب المشؤومة، لقد أدركوا أن طهران تستطيع ابتزاز الاقتصاد العالمي باستخدام سلاحٍ أكثر فعاليةً بكثير من صواريخها وطائراتها المسيّرة و السيطرة على مضيق هرمز، الذي يسمح لإيران بتعطيل شحنات ليس فقط النفط والغاز المسال، بل أيضاً المنتجات الزراعية الأساسية كالأسمدة.

اقرأ أيضا :«وول ستريت جورنال»: ترامب يُقر اتفاقًا نوويًا مدنيًا مع السعودية

ورقة ضغط جديدة

وتمتلك إيران نفوذاً اقتصادياً أكبر يمكنها استخدامه إذا قرر ترامب استئناف حرب شاملة ، إذ يمكن لطهران الضغط على ميليشيا الحوثيين، حليفتها التي تسيطر على أجزاء واسعة من اليمن، لتعطيل الملاحة الدولية عبر البحر الأحمر، مما سيزيد من زعزعة استقرار إمدادات الطاقة العالمية، بعد الغزو الإسرائيلي لغزة عام 2023، بدأ الحوثيون بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة على السفن التي تبحر في مضيق باب المندب، حيث يقترب البحر الأحمر من المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون في اليمن ، وقد غيّرت شركات الشحن مسار مئات السفن حول جنوب أفريقا ،مما زاد من أقساط التأمين وأضاف آلاف الأميال إلى رحلة سفن الشحن بين آسيا وأوروبا.

لم يدخل الحوثيون الصراع بشكل كامل حتى الآن، لكنهم أعلنوا يوم الاثنين فرض حصار على موانئ وسفن السعودية، قد يُؤدي هذا إلى مزيد من الضغط على أسعار الطاقة، إذ تُصدّر السعودية ملايين البراميل من نفطها عبر البحر الأحمر، متجاوزةً بذلك إغلاق إيران لمضيق هرمز، ويمكن لطهران تعطيل أسواق الطاقة بطرق أخرى، كتوسيع نطاق هجماتها على البنية التحتية للنفط والغاز الطبيعي في دول الخليج المجاورة.

من المرجح أن تؤدي كل هذه السيناريوهات إلى ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد، وقد تتسبب في ركود عالمي ، ومع ذلك، لا يُبدي ترامب أي نية للتراجع عن حافة حرب أوسع مع إيران، والتي قد تشمل نشر قوات برية أمريكية وامتدادها إلى الدول المجاورة.