تمثل إفريقيا لمصر عمقاً استراتيجياً لا يمكن الاستغناء عنه، فالارتباط بين مصر والقارة السمراء ليس مجرد خيار سياسى، بل واقع تفرضه الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة.
ولم تشهد العلاقات المصرية الإفريقية تطورًا إيجابيًا بهذا الشكل الكبير إلا فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى، لتشهد العلاقة بين الجانبين تحولا جذريا، وبعد أن كانت فاترة على مدى 40 عامًا تقريبًا تبدلت إلى علاقات وثيقة مبنية على التعاون والإخاء، والمتابع للمشهد السياسى وتطورات الأوضاع الإقليمية والدولية يلمس التحولات الجذرية والاستراتيجىة التى شهدتها العلاقات المصرية الإفريقية فى عهد الرئيس السيسى، حيث انتقلت من مرحلة الجمود أو الاكتفاء بالتمثيل الدبلوماسى التقليدى، إلى مرحلة الشراكة التنموية الشاملة، بعد أن قررت القيادة السياسية أن تكون العودة المصرية قوية إلى العمق الإفريقى، باعتبار ذلك أولوية شديدة الأهمية للأمن القومى المصرى.
أن قوة مصر وإقليميتها تبدأ من عمقها الإفريقى؛ فكلما كانت العلاقات السياسية والتنموية مع القارة قوية ومتشابكة، أصبحت الدولة المصرية أكثر قدرة على حماية أمنها القومى وتحقيق الطفرة الاقتصادية المنشودة.
لذلك لم يكن غريبا أن يقــوم الرئيس السيسى بما يقترب من 40 زيارة خارجية لدول إفريقية، تتنوع بين زيارات ثنائية ومشاركات فى قمم إقليمية، حيث شملت جولاته ما يزيد على 15 دولة إفريقية فى مختلف أرجاء القارة، مثل السودان، وإثيوبيا، وتنزانيا، ورواندا، وأوغندا، وكينيا، وغينيا، والسنغال، وكوت ديفوار، وزامبيا، وأنجولا، وموزمبيق.
وتتجاوز الزيارات الإفريقية 30% من إجمالى جولات الرئيس السيسى الخارجية، مما يعكس الأولوية المتقدمة التى تحظى بها القارة السمراء فى الأجندة المصرية، وقد حققت هذه الجولات الدبلوماسية مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية ملموسة، ويمكن تلخيص أبرز نتائجها فى استعادة الريادة السياسية المصرية بإفريقيا، ورئاسة الاتحاد الإفريقى، حيث أن تكللت هذه الجهود بتولى مصر رئاسة الاتحاد الإفريقى عام 2019، وقيادتها ملفات الإصلاح الهيكلى والمؤسسى داخل الاتحاد، بالإضافة إلى ترؤسها لتجمع الكوميسا االسوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقياب حتى تسليم الرئاسة لزامبيا عام 2023.
وأسفرت الزيارات عن توقيع عشرات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم لتعزيز التبادل التجارى، ومن أبرز النماذج العملية المشاركة المصرية فى بناء سد جوليوس نيريرى فى تنزانيا، بواسطة تحالف شركات مصرية (المقاولون العرب والسويدى إلكتريك)، الذى يعد نموذجاً ملهماً للتعاون الإفريقى- الإفريقى.
وعلى مستوى التنسيق الأمنى ومكافحة الإرهاب عملت مصر على نقل خبراتها فى مكافحة الفكر المتطرف وضبط الحدود، إلى جانب تفعيل التقارب المصرى المصرى القائم على الربط بين تحقيق الأمن وتحقيق التنمية المستدامة.
كما نجحت الدبلوماسية الرئاسية فى توضيح الرؤية المصرية وحشد التفهُّم والمساندة الإفريقية تجاه قضايا الأمن المائى المصرى، وتنسيق المواقف بشأن الأزمات فى دول الجوار مثل السودان وليبيا.
زيارات الرئيس السيسى أسهمت فى تفعيل دور الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية لتقديم الدعم الفنى، والمنح الطبية، والتعليمية، وتدريب الكوادر الإفريقية فى مختلف المجالات داخل المعاهد والمؤسسات المصرية.
اهتمام الرئيس السيسى بتنمية وتطوير العلاقات مع إفريقيا يعكس رؤيته نحو القارة السمراء باعتبارها الدائرة الأولى والأهم فى عقيدة الأمن القومى المصرى، كما ترتبط العلاقات بين الجانبين بمصالح حيوية مباشرة، فى مقدمتها الأمن المائى، حيث يمثل حوض نهر النيل الأولوية القصوى للأمن القومى المصرى، خاصة أن مصر تعتمد على النهر لتأمين أكثر من 95% من احتياجاتها المائية، وبالتالى فإن استقرار دول الحوض وتوطيد العلاقات معها مسألة وجودية لضمان التدفق الآمن للمياه وتجنب النزاعات.
كما يرتبط الأمن القومى المصرى ارتباطاً وثيقاً بمنطقة القرن الإفريقى وشرق إفريقيا، واستقرار هذه المناطق يضمن سلامة الملاحة البحرية فى البحر الأحمر وصولاً إلى مضيق باب المندب، وهو الممر الحيوى المؤدى إلى قناة السويس التى تشكل ركيزة أساسية للاقتصاد المصرى.
وتمثل دول الجوار الإفريقى خاصة السودان وليبيا وامتدادهما فى منطقة الساحل والصحراء خط الدفاع الأول لمنع تسلل الجماعات الإرهابية، ووقف شبكات تهريب السلاح والهجرة غير الشرعية.
الرؤية المصرية لإفريقيا تطورت من مجرد سوق تجارة إلى شراكة اقتصادية كاملة تحمل فرصاً واعدة، حيث تضم إفريقيا سوقًا شابة تتجاوز 1.3 مليار نسمة، من خلال اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية واتفاقية الكوميسا، بينما تمتلك المنتجات المصرية ميزة تنافسية كبرى للدخول إلى هذه الأسواق بدون رسوم جمركية.
وتتمتع القارة السمراء بالموارد الطبيعية والمعادن والأراضى الزراعية الخصبة، ويسهم التعاون مع دول القارة فى تأمين احتياجات الصناعة المصرية من المواد الخام مثل النحاس، والأخشاب، والنفط بأسعار تنافسية، كما أصبحت الدول الإفريقية ساحة مفتوحة لشركات المقاولات، والطاقة، والاتصالات المصرية، مثل المقاولون العرب، والسويدى إلكتريك، ومصر للطيران لتنفيذ مشروعات بنية تحتية عملاقة، مما يدعم الاقتصاد القومى ويوفر عوائد بالعملة الأجنبية.
لكل هذه الاعتبارات تتبنى مصر موقفًا يقوم على أن الأمن والتنمية وجهان لعملة واحدة، وينعكس ذلك فى مجالات التعاون التنموى المشترك، وفى مقدمتها نقل الخبرات وبناء القدرات، حيث تقدم مصر من خلال الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية آلاف المنح الدراسية والتدريبية للكوادر الإفريقية فى مجالات الحوكمة، والطب، والزراعة، والدفاع، والقضاء، مما يعزز القوة الناعمة لمصر.
كما تتبنى مصر وتدعم مشروعات تنموية عملاقة لربط القارة، مثل مشروع الربط الكهربائى بين مصر ودول القارة لتحويل مصر إلى مركز إقليمى لتبادل الطاقة، مثل طريق االقاهرة / كيب تاونب البرى الذى يربط شمال القارة بجنوبها لتسهيل حركة البضائع والأفراد، ومشروع ربط بحيرة فيكتوريا بالبحر المتوسط (ممر نافى) لتحويل نهر النيل إلى شريان نقل تجارى ومائى بين دول الحوض.
وتواصل مصر إرسال القوافل الطبية المصرية، وإنشاء مراكز الرعاية الصحية مثل مراكز غسيل الكلى ومستشفيات العيون فى عدة دول إفريقية، فضلاً عن المساعدات الإنسانية وقت الأزمات والجوائح.
اقرأ أيضا:

أشرف عبدالغني يكتب: أسعار الدواجن
د. خالد سعيد يكتب: تأهب إسرائيلي وسط تخوف أمريكي
عصام عطية يكتب: أبطال الهزيمة






