من حجر رشيد إلى مرسوم كانوب.. وثيقتان أعادتا للعالم لغة الفراعنة

حجر رشيد
حجر رشيد


في التاسع عشر من يوليو من كل عام، يستحضر العالم ذكرى اكتشاف حجر رشيد، الحدث الذي غيّر مسار علم المصريات ومهّد لفك رموز اللغة المصرية القديمة بعد قرون من الغموض.

لكن إلى جانب هذا الحجر الشهير، يحتفظ المتحف المصري بالتحرير بقطعة أثرية لا تقل أهمية، وهي لوحة مرسوم كانوب، التي شكلت دليلًا علميًا حاسمًا دعم جهود العلماء في قراءة النصوص الهيروغليفية، وحملت بين سطورها وثيقة سياسية ودينية وعلمية تُعد من أهم الوثائق التي خلفها العصر البطلمي.

 حجر رشيد.. بداية رحلة فك الشفرة

شكّل اكتشاف حجر رشيد عام 1799 نقطة تحول في دراسة الحضارة المصرية القديمة، بعدما احتوى على نص واحد كُتب بثلاثة خطوط هي الهيروغليفية والديموطيقية واليونانية القديمة، الأمر الذي مكّن العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون عام 1822 من فك رموز الكتابة الهيروغليفية، لتبدأ مرحلة جديدة من قراءة تاريخ مصر القديمة من خلال النقوش والمعابد والبرديات.

 مرسوم كانوب.. الشاهد الذي أكد نجاح شامبليون

ورغم الشهرة العالمية التي حظي بها حجر رشيد، فإن مرسوم كانوب يعد من أهم الوثائق التي دعمت نجاح العلماء في التأكد من صحة قراءة النصوص الهيروغليفية.

فالمرسوم، الذي يعود إلى عام 238 قبل الميلاد في عهد الملك بطليموس الثالث (إيرجيتيس الأول)، يحمل النص نفسه بثلاثة خطوط هي الهيروغليفية والديموطيقية واليونانية، وهو ما وفر مادة مقارنة إضافية عززت الثقة في المنهج العلمي الذي استخدمه شامبليون لفك اللغة المصرية القديمة.

 وثيقة ملكية من قلب العصر البطلمي

عُثر على لوحة مرسوم كانوب في منطقة كوم الحصن، وهي مصنوعة من الحجر الجيري، وتمثل مرسومًا أصدره مجمع الكهنة بمدينة كانوب لتسجيل مجموعة من القرارات الدينية والسياسية المهمة التي صدرت خلال حكم بطليموس الثالث.

ولا تقتصر أهمية اللوحة على كونها وثيقة أثرية، بل تعد سجلًا رسميًا يعكس طبيعة العلاقة بين الملك والكهنة، ودور المؤسسة الدينية في إدارة شؤون الدولة خلال العصر البطلمي.

 ثلاث لغات.. رسالة واحدة

مثل حجر رشيد، كُتب مرسوم كانوب بثلاثة خطوط مختلفة، لكل منها وظيفة محددة داخل المجتمع المصري آنذاك.
فالخط الهيروغليفي كان يستخدم في النقوش الدينية والرسمية داخل المعابد، بينما مثّل الخط الديموطيقي لغة الحياة اليومية والمعاملات، أما اللغة اليونانية فكانت لغة الإدارة والحكم في العصر البطلمي.

هذا التنوع اللغوي جعل من المرسوم مصدرًا بالغ الأهمية لعلماء المصريات، وأسهم في فهم تطور الكتابة واللغة في مصر القديمة.

 أول إصلاح للتقويم في التاريخ

لا تقتصر قيمة مرسوم كانوب على الجانب اللغوي فقط، بل يحمل بين نصوصه واحدًا من أقدم القرارات العلمية في التاريخ، إذ سجل اقتراحًا بإضافة يوم كبيس كل أربع سنوات إلى التقويم المصري، بهدف التوافق مع السنة الشمسية، وهو ما يعد من أقدم محاولات إصلاح التقويم المعروفة في العالم.

 تأليه أميرة وإنجازات ملك

كما يوثق المرسوم قرار الكهنة بتأليه الأميرة برنيكي، ابنة الملك بطليموس الثالث، بعد وفاتها، إلى جانب الإشادة بإنجازات الملك وزوجته في توفير الغذاء للشعب، واستعادة تماثيل الآلهة المصرية التي فُقدت خلال الحروب، بما يعكس الدور السياسي والديني الذي لعبه الملوك البطالمة في مصر.

 نسخ في جميع معابد مصر

ومن شدة أهمية القرارات التي تضمنها المرسوم، أوصى مجمع الكهنة بنقشه وإقامته داخل معابد مصر من الدرجات الأولى والثانية والثالثة، حتى يصل مضمونه إلى مختلف أنحاء البلاد، ليصبح وثيقة رسمية تعكس التوافق بين السلطة الحاكمة والمؤسسة الدينية.

 قطعة تروي تاريخ أمة

واليوم، يحتفظ المتحف المصري بالقاهرة بلوحة مرسوم كانوب ضمن مقتنياته المتميزة، لتظل شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ مصر، وعلى رحلة العلماء في فك رموز الحضارة المصرية القديمة، وليؤكد أن قصة قراءة الهيروغليفية لم تبدأ وتنتهِ عند حجر رشيد وحده، بل شارك فيها عدد من الوثائق الفريدة، كان مرسوم كانوب في مقدمتها، بوصفه أحد أهم المفاتيح التي ساعدت العالم على استعادة صوت مصر القديمة بعد صمت دام قرونًا.