ماذا يحدث في المحيط الأطلسي؟.. دراسة تكشف سيناريوهات مقلقة للمناخ

المحيط الأطلسي
المحيط الأطلسي


في أعماق المحيط الأطلسي تعمل شبكة هائلة من التيارات البحرية منذ آلاف السنين على تنظيم مناخ الأرض ونقل الحرارة بين القارات، لكن هذه المنظومة الطبيعية، التي يصفها العلماء بـ"محرك المناخ العالمي"، أصبحت اليوم تحت المراقبة الدقيقة وسط تحذيرات من احتمال تعرضها لاضطرابات قد تغير شكل الطقس في أوروبا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، وتؤثر على حياة مئات الملايين حول العالم.

مسبار يرصد أسرار أعماق المحيط

كشف تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) أن مسبارا أصفر غير مأهول، بحجم الإنسان تقريبا، يجوب أعماق المياه قبالة سواحل غرينلاند ضمن مشروع علمي عالمي يهدف إلى مراقبة حركة المحيطات.

ويغوص الجهاز إلى أعماق كبيرة لقياس درجات الحرارة والضغط ونسبة الملوحة، ثم يعود إلى السطح لفترة قصيرة لإرسال البيانات عبر الأقمار الصناعية قبل أن يواصل رحلته، في إطار جهود العلماء لفهم كيفية تأثير المحيطات في مناخ الأرض.

اقرأ أيضا| عودة «كونتندر»| أكبر قرش أبيض مسجل يظهر مجددًا بعد اختفاء أشهر

ما هو تيار AMOC؟

يركز العلماء على مراقبة دورة الانقلاب المداري الأطلسي (AMOC)، وهي شبكة ضخمة من التيارات البحرية تعمل كحزام ناقل عملاق ينقل المياه الدافئة من المناطق الاستوائية إلى شمال المحيط الأطلسي، بينما تعود المياه الباردة والكثيفة عبر الأعماق إلى الجنوب.

ويعد هذا النظام مسؤولًا عن نقل ما يقارب بيتاواط واحد من الطاقة الحرارية شمالًا، وهي كمية تعادل نحو 50 ضعف إجمالي الطاقة التي يستهلكها البشر، ما يفسر اعتدال مناخ المملكة المتحدة وشمال غرب أوروبا مقارنة بمناطق أخرى تقع على خط العرض نفسه.

لماذا يثير هذا التيار القلق؟

يتفق الباحثون على أن ارتفاع حرارة الأرض يؤثر بالفعل في قوة هذا التيار، لكن الخلاف يدور حول سرعة هذا التراجع وحجم تداعياته.

ويحذر عدد من العلماء من ظهور مؤشرات مقلقة، أبرزها ما يعرف بـ"البقعة الباردة" في شمال المحيط الأطلسي، وهي منطقة تظهر على خرائط درجات الحرارة بلون أزرق وسط مياه أكثر دفئا، ويعتبرها بعض الباحثين علامة على تباطؤ التيار.

اقرأ أيضا| الصحة العالمية: خطر الإصابة بفيروس هانتا على البشر لا يزال منخفضاً

كيف يؤدي تغير المناخ إلى إضعافه؟

يعتمد دوران AMOC على غوص المياه الباردة والمالحة إلى أعماق المحيط في شمال الأطلسي.

لكن مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية يحدث الآتي:

يذوب الجليد بوتيرة أسرع.

تتدفق كميات كبيرة من المياه العذبة إلى المحيط.

تزداد معدلات الأمطار.

تصبح المياه أقل ملوحة وأخف وزنًا، فلا تغوص إلى الأعماق كما ينبغي.

ويؤدي ذلك إلى إبطاء حركة التيار، مما يقلل انتقال المياه المالحة من المناطق الاستوائية إلى الشمال، ويخلق حلقة متكررة تزيد من ضعف النظام مع مرور الوقت.

هل يقترب العالم من نقطة اللاعودة؟

يرى عالم المحيطات ستيفان رامستورف، من معهد بوتسدام لأبحاث تأثير المناخ، أن البيانات الحديثة والنماذج المناخية الجديدة جعلته أكثر قلقا من السابق.

فبعدما كان يعتبر توقف التيار بالكامل احتمالًا بعيدًا، بات يرى أن تجاوز ما يعرف بـ"نقطة التحول" أصبح احتمالًا يستحق القلق، إذ قد يؤدي بعدها النظام إلى مزيد من التدهور بشكل ذاتي يصعب إيقافه.

ماذا سيحدث إذا ضعف التيار بشدة؟

يحذر الباحثون من أن التأثير لن يقتصر على أوروبا، بل سيمتد إلى مناطق واسعة حول العالم.

ومن أبرز السيناريوهات المحتملة:

شتاء أكثر برودة وتقلبًا في المملكة المتحدة وشمال غرب أوروبا.

اضطراب أنماط الأمطار.

تأثر الرياح الموسمية في غرب أفريقيا.

تغير أحزمة الأمطار الاستوائية.

انخفاض إنتاج المحاصيل الزراعية.

تهديد مصادر رزق ملايين السكان في أفريقيا ومنطقة الأمازون.


هل يتوقف التيار بالكامل؟

رغم هذه المخاوف، يرى عدد من العلماء أن الأمر أكثر تعقيدًا.

ويشير أندرو واتسون، الباحث بجامعة إكستر، إلى أن الأرض تحتاج دائمًا إلى نقل الحرارة بعيدًا عن خط الاستواء، ولذلك قد يعيد النظام البحري تنظيم نفسه بدلًا من الانهيار الكامل.

ويؤكد أن نماذج المناخ الحالية لا تزال تواجه صعوبة في محاكاة التفاصيل الدقيقة لحركة المياه والدوامات البحرية، ما يجعل التنبؤ النهائي غير محسوم.

ماذا تقول الدراسات الرسمية؟

توصلت دراسة أجراها مكتب الأرصاد الجوية البريطاني إلى أن تيار AMOC مرشح للضعف خلال العقود المقبلة، لكنه على الأرجح لن يتوقف تمامًا خلال القرن الحالي.

كما خلص الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ (IPCC) إلى أن التيار سيواصل التراجع مع استمرار الاحترار العالمي، لكنه لا يتوقع انهياره الكامل قبل عام 2100، مع الإشارة إلى أن الأبحاث الحديثة تواصل تطوير فهم العلماء لهذا النظام.

ما الحل؟

يؤكد العلماء أن تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري يظل أفضل وسيلة لتخفيف الضغوط الواقعة على المحيطات، ورغم أن هذا الإجراء لن يجيب عن جميع الأسئلة المتعلقة بمستقبل تيار AMOC، فإنه قد يساهم في الحد من سرعة التغيرات، والحفاظ على أحد أهم الأنظمة الطبيعية المسؤولة عن استقرار مناخ كوكب الأرض.