حكاية حجر باليرمو.. الوثيقة التي حفظت أسماء ملوك مصر منذ فجر التاريخ

الكتب والمخطوطات التاريخية
الكتب والمخطوطات التاريخية


قبل ظهور الكتب والمخطوطات التاريخية بآلاف السنين، نقش المصري القديم تاريخ ملوكه وأبرز أحداث دولته على لوح من البازلت الأسود، ليصبح ما يعرف اليوم بـ"حجر باليرمو"، أحد أهم الوثائق الأثرية التي أعادت كتابة تاريخ مصر القديمة وكشفت أسرار بدايات الحكم الفرعوني.

يعد حجر باليرمو واحدًا من أهم الكنوز الأثرية التي يحتضنها المتحف المصري بالتحرير، فهو ليس مجرد قطعة حجرية، بل سجل تاريخي فريد وثق أسماء ملوك مصر القديمة وأبرز الأحداث التي شهدتها البلاد منذ عصر ما قبل الأسرات وحتى منتصف الأسرة الخامسة، ليصبح مرجعًا رئيسيًا لعلماء المصريات في دراسة بدايات الحضارة المصرية.

اقرأ أيضا | سر حجر باليرمو.. أعياد المصريين «شكل تاني» منذ الفراعنة

وصُنعت أجزاء الحجر من البازلت الأسود شديد الصلابة، ويُعتقد أن موطنه الأصلي كان مدينة منف، العاصمة الأولى للدولة المصرية القديمة، حيث جرى نحته خلال عصر الأسرة الخامسة، في نحو عام 2350 قبل الميلاد، ليحفظ تاريخًا يمتد لأكثر من ثمانية قرون من الحكم.

وتبرز أهمية حجر باليرمو في أنه أقدم سجل ملكي معروف حتى الآن، إذ لم يكتفِ بذكر أسماء الملوك وتسلسلهم، بل وثق أهم الأحداث التي وقعت خلال سنوات حكم كل ملك، ومنها الاحتفالات الدينية، وعمليات تعداد الماشية التي كانت تعتمد عليها الدولة في فرض الضرائب، إلى جانب تسجيل عدد من المشروعات والطقوس الرسمية التي كانت تمثل ملامح الحياة السياسية والدينية من قبل.

ويكشف الجزء العلوي من الحجر عن صور لحكام عصر ما قبل الأسرات وهم يرتدون التيجان التي تميز مناطق نفوذهم، في دلالة على تطور فكرة السلطة قبل توحيد مصر على يد الملك نعرمر، وهو ما يمنح الباحثين رؤية أوضح لتطور الدولة المصرية في بداياتها.

ورغم أن أجزاء من النقوش تعرضت للتلف بفعل الزمن، فإن العلماء تمكنوا من قراءة جانب كبير من النصوص، التي تنتهي بذكر الملك نفراير كا رع، ثالث ملوك الأسرة الخامسة، وهو ما يرجح أن الحجر نُقش خلال فترة حكمه أو في عهد أحد خلفائه.

ويتكون حجر باليرمو الأصلي من عدة أجزاء موزعة بين متاحف العالم، إذ يحتفظ المتحف المصري بالقاهرة بخمسة أجزاء، بينما توجد أجزاء أخرى في متحف باليرمو بإيطاليا والمتحف البريطاني في لندن، وهو ما يجعل القطع المعروضة بالقاهرة من أهم المصادر الأصلية لدراسة التاريخ المصري القديم.

ويؤكد علماء الآثار أن حجر باليرمو يمثل نقطة تحول في دراسة الحضارة المصرية، لأنه وفر لأول مرة تسلسلًا زمنيًا موثقًا لأسماء الملوك والأحداث، وأسهم في مقارنة المعلومات الواردة على جدران المعابد والمقابر مع السجل الرسمي للدولة.

ولا يزال هذا الأثر الفريد يجذب اهتمام الباحثين والزائرين من مختلف أنحاء العالم، باعتباره شاهدًا على براعة المصري القديم في توثيق تاريخه، ورسالة خالدة تؤكد أن الحضارة المصرية كانت من أوائل الحضارات التي أدركت قيمة حفظ التاريخ وتسجيله للأجيال.