يوميات الاخبار

فى شهر الثورات ... دروس المصرى للعالم

د. عبد الواحد النبوى
د. عبد الواحد النبوى


يكتبها اليوم :د. عبد الواحد النبوى
 

كانت الهوية الوطنية المصرية التى تميزت عبر العصور، وصقلتها الحوادث والخطوب؛ فصارت فريدة فى تكوينها، منتجة للحضارة.

الثورات أكبر وأهم متغير فى حياة الشعوب؛ فهى بمثابة نقاط مفصلية، فى تاريخ أي أمة من الأمم، وتحفظ لنا صفحات التاريخ، ثورات فى الشرق والغرب، غيرت تاريخ العالم وليس تاريخ الأمة، التى قامت بها فقط، والأمثلة على ذلك كثيرة، ففى العصور القديمة حيث ثورة العبيد، وفى العصور الإسلامية ثورات العلويين، وفى العصور الحديثة الثورة الإنجليزية 1689، التى حولت بريطانيا إلى عصر الملكية الدستورية، والثورة الأمريكية 1775 -1783، والثورة الفرنسية 1789-1799، والثورة العربية الكبرى 1916 فى الجزيرة العربية، التى حررت العرب من حكم الدولة العثمانية، والثورة البلشفية 1917 التى أسقطت روسيا القيصرية وجاءت بالاتحاد السوفيتي، والثورة الصينية 1949، وثورة مارتن لوثر كينج، وهناك الكثير غيرها من الثورات التى لا يتسع المقام لذكرها.
أما شهر يوليو فقد خصه التاريخ بحدوث أهم وأكبر ثورات غيرت وجه الدنيا؛ ففى الولايات المتحدة، وبعد ثورة وحرب استقلال استمرت ما يقرب من تسع سنوات 1775-1783، أعلنت الولايات المتحدة فى 4 يوليو استقلالها، وفى باكستان قامت ثورتها فى 5 يوليو1977، بقيادة محمد ضياء الحق، وفى فرنسا اشتعلت أهم ثورات التاريخ فى 14 يوليو 1789، وتم اقتحام سجن الباستيل، ورفعت شعار «الحرية والمساواة والإخاء»، وفى العراق قامت ثورة 14 يوليو (تموز) 1958، التى ألغت الملكية وأعلنت قيام الجمهورية، ومثلها فى أفغانستان، سقطت الملكية وأعلن قيام الجمهورية بعد نشوب ثورة 17 يوليو 1973، وفى مصر قامت ثورة 23 يوليو 1952، التى لم تقف عند إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية، بل أحدثت ثورة اجتماعية واقتصادية، وانتشر تأثيرها فى شرق الأرض وغربها، واقتدت بها حركات التحرر فى العالم. وفى زماننا هذا جاء بيان 3 يوليو 2013، ليتوج نجاح ثورة 30 يونيو، وبدونه ما كان لهذه الثورة أن تصون مصر من مصير لم يكن يعلم مدى سوئه إلا الله.
ثورات يوليو فى العالم كثيرة، وهذه بعضها، ليكون القارئ على علم بما حدث فى هذا الشهر من تغيرات كبيرة وجذرية أصابت أمماً كثيرة.
أما ثورات الأمة المصرية منذ أقدم العصور، فيرصد لنا تاريخها، أن أبناءها قاموا بما يقارب الخمسين ثورة وانتفاضة أو أكثر، سجلتها المصادر التى بين أيدينا - وقد تقدم لنا الاكتشافات الأثرية فى قابل الأيام معلومات عن ثورات لم نقرأ عنها شيئا فى العصور القديمة - ولعل أولى تلك الثورات، الثورة التى حدثت فى نهاية عهد بيبى الثاني، عام 2184 قبل الميلادي، أى منذ 4200 عام أو يزيد، وهى ثورة وصفت بأنها اجتماعية دينية، أحدثت تغييرًا كبيرًا فى مسيرة الدولة المصرية، وصححت كثيرًا من الأخطاء التى ارتكبت، وتتابعت الثورات المختلفة العوامل والأسباب، وكانت آخر تلك الثورات «ثورة 30 يونيو 2013»، التى أنقذت مصر من جماعة ظلامية كانت تسعى لأخذها إلى طريق الهلاك واللاعودة.
قدسية أرض مصر
بحسابات السنين، يتضح أن المصرى يثور فى متوسط الأعوام كل 80 سنة تقريباً، لأسباب مختلفة وتداعيات متعددة، إلا أن التاريخ رصد لنا أن أكثر الثورات تأثيرًا وعددًا، كانت ضد قوى محتلة وغريبة عن أرض مصر، استغلت مرحلة ضعف مرت بها؛ فاحتلت أراضيها فترة من الزمن، ورغم ذلك لم تهنأ قوى الاحتلال خلالها بالأمن أو الاستقرار، فمنذ ظهور الهكسوس فى وادينا الطاهر عام 3600 قبل الميلاد، قام المصريون بالثورة ضدهم، حتى استطاع كاموس، ومن بعده أحمس، طردهم من بلادنا، وعندما تجرأ الفرس على بلادنا وغزوها بالتعاون مع خونة ومتآمرين، ثار المصريون ضدهم، أكثر من ثلاث مرات وطردوهم، ومثلهم البطالمة التى تعددت الثورات ضدهم، وكذلك الرومان. وفى العصور الحديثة عندما احتلت الحملة الفرنسية أرض مصر عام 1798، لم يمهلهم المصريون؛ فثاروا ضدهم فى القاهرة مرتين، وفى الأقاليم مرات عديدة، حتى تركوا البلاد عام1801، وعندما جاء الاحتلال البريطانى 1882، استمر الكفاح والثورة تلو الأخرى ضده، حتى أخرجته ثورة 23 يوليو 1952، لقد كانت أركان مصر تنتفض ضد أى قوة محتلة حتى تخرجه من أرضها الطيبة، وهو ما يؤكد قدسية الوطن لدى المصرى منذ أن استقر على ضفاف النيل. وفى كثير من تلك الحوادث كانت القوات المسلحة موجودة بجوار شعبها، رغم التآمر عليها، وإضعافها فى فترات قليلة عبر التاريخ، وطوال الكفاح ضد كل هؤلاء لم تنقص أرض مصر، ولم تفقد قدسيتها لدى المصريين.
الهوية خط أحمر
وعلى الجانب الآخر، كانت الهوية الوطنية المصرية التى تميزت عبر العصور، وصقلتها الحوادث والخطوب؛ فصارت فريدة فى تكوينها، منتجة للحضارة، بعيدة عن التعصب والتطرف، معتدلة المزاج، لا تعتدى ولا تحب أن يعتدى عليها أحد، تحترم الفوارق بين الأجناس، كريمة مضيافة، لا تخون ولا تحب أن يخونها أحد، كريمة الأخلاق، تهب لنجدة الغير، لا ترى صبغة لها غير الصبغة المصرية، ولا تقبل بغير المصرى فى إدارة شئون الوطن، بل ترفض وتثور، تحفظ قيم وتقاليد وعادات المصريين المتوارثة عبر الأجيال، وغير ذلك الكثير من معالم الهوية الوطنية المصرية، المركبة من ثوابت عديدة غير قابلة للتغيير أو التحول، منذ أقدم العصور وحتى يومنا الحالي، وعندما كان يتهددها الخطر عبر فترات التاريخ الحرجة، كان المصرى يخرج ثائراً دفاعاً عنها، ومصححاً لمسار اعوج وأصابه العطب، والأمثلة فى ذلك كثيرة.
عقيدة المصريين مصونة
أما عقيدة المصريين أحد أهم مكونات الهوية المصرية، فإن قدسيتها مهابة، وظلت مصونة عبر التاريخ، لم تعانى من الغلو أو التطرف، سواء كان ذلك قبل الرسالات السماوية أو بعدها، وما حاول أحد اختطافها إلا وخسر، وما خُير المصرى بين أمرين إلا اختار أيسرهما، واعتنق الوسطية فى عقيدته، فلم يتطرف يميناً أو يساراً، ولم يشارك فى أى انقسامات دينية نالت العقائد السماوية فى بلاد أخرى، ودافع عن روح العقيدة ومقاصدها التى أرادها الإله، وعندما شذ البعض أو أراد أن يأخذ العقيدة إلى التشدد والتطرف، ثار المصري، وكانت قواته المسلحة بجواره للحفاظ على عقيدته فى العصور القديمة، وفى العصر المسيحي، والعصور الإسلامية، وفى وقتنا الحاضر.. وآخر تلك الثورات ثورة 30 يونيو التى أنقذت عقيدة المصريين من الاختطاف وتغيير سماتها ونسقها المعتدل الوسطي، المحب لإعمار الأرض والعيش فى سلام مع جيرانه.
إن شعباً لديه تلك الثوابت، ومر بمثل تلك الحوادث الضخمة والكبيرة، ولم تتزلزل الأرض من تحت أقدامه، ولم يفقد أرضه، ولم يفقد هويته أو تتفكك، ولم تتغير طبيعة عقيدته السمحة الوسطية المحبة للخير، البعيدة عن الغلو والتطرف، بعد كل هذا.. هل يمكن أن يستسلم لأى حدث طارئ فى تاريخه، أو فكر شاذ لم يتجاوز حناجر أصحابه. إن رسائل المصرى فى شهر الثورات لكل العالم، أن أرض مصر مقدسة لا تمس ولا يعتدى عليها، وأن كل محاولة للاقتراب منها يضع من يحاول فى خانة العدو الذى يجب عليه أن يدفع الثمن غالياً كنتيجة لمحاولته، وإن دماءه مهدورة بسبب ذلك، فالحذر من التعرض لأرض مصر الطاهرة. وعلى نفس الخط، تأتى هوية مصر الوطنية فى نفس درجة القدسية، ونفس درجة اللون الأحمر، تلك الهوية التى دفع المصريون الكثير فى ثباتها والحفاظ عليها، ولن تسمح الأجيال مهما تعاقبت لأحد بإضعافها أو تفكيكها، ومهما تقلبت عليها الحوادث، فسوف تظل قوية وثابتة، فقد مر عليها الكثير من المؤامرات والحروب، وظلت عصية على التفكك والإضعاف، وعقيدة المصريين الدينية، تسير فى طريق الوسطية والاعتدال ونشر السلام والمحبة، وأن كل تطرف أو شرود مطرود وغير مقبول، وهذه رسالة من المصريين إلى كل المتربصين فى شهر الثورات.