هناك سؤال لا تستطيع كرة القدم أن تجيب عنه.
ليس: من سيفوز بكأس العالم؟ ولا: من سيحصد لقب الهداف؟ ولا حتى: من أفضل لاعب في التاريخ؟
السؤال الأصعب هو: متى يقرر الأساطير أن يرحلوا؟
الزمن لا يستأذن أحدًا.. يدخل البيوت بلا موعد، ويترك بصمته على الوجوه، ويثقل الخطوات، ويهمس لكل إنسان بأن لكل رحلة نهاية. لكنه، كلما اقترب من بعض البشر، تراجع خطوة إلى الخلف وكأنه يعرف أن المواجهة خاسرة.
منذ عشرين عامًا، والعالم يودع ميسي ورونالدو في كل موسم، ثم يكتشف أنه تسرع. فى كل بطولة يقال إن الدور انتهى، وإن الستار أوشك أن يسدل، ثم تبدأ المباريات، فيعود الرجلان وكأنهما لم يغادرا يومًا.
إنهما لا ينافسان اللاعبين فقط.. بل ينافسان الزمن نفسه.
جيل كامل كبر وهو يشاهد هذه الثنائية التى بدت مستحيلة، أحدهما يكتب الشعر بالكرة، والآخر ينحت المجد بالإرادة. وبين الموهبة التى تبدو هبة من السماء، والعمل الذى لا يعرف المستحيل، صنعت كرة القدم أعظم حكاية عرفها هذا العصر.
قد يأتي يوم يختفى فيه الرقمان 10 و7 من شاشات كأس العالم، وتستمر اللعبة كما استمرت دائمًا. لكن بعض الحكايات لا تنتهى بخروج أصحابها من الملعب، لأنها تصبح جزءًا من ذاكرة البشر ولهذا، ونحن نشاهد ميسي ورونالدو، لا نتابع مباراة كرة قدم فقط.. بل نشاهد الإنسان وهو يحاول أن ينتصر على أكثر خصومه عنادًا.. الزمن.
يقال إن كرة القدم لا تعرف الرحمة.. تصفق لك اليوم، ثم تتركك غدًا وحيدًا أمام ذكرياتك.. تمنحك المجد، ثم تستعيد منك كل شيء بالتدريج، السرعة أولا، ثم اللياقة، ثم القدرة على الاحتمال، حتى يأتى اليوم الذى يهزم فيه الجسد أحلام صاحبه وهكذا تسير الحياة مع الجميع.. إلا مع بعض الأساطير.
هؤلاء الذين يبدو أنهم وقّعوا اتفاقا سريا مع الزمن وقرروا أن النهاية ستكتب بأيديهم هم فقط عندما يسقطوا الأقلام من أيديهم طوعًا وليس غصبًا.
في كل أربع سنوات يظهر جيل جديد، وتولد أسماء جديدة، ويعتقد العالم أن الصفحة القديمة قد أغلقت أخيرًا.. ثم تبدأ البطولة، فنكتشف أن الرجلين اللذين رافقانا طوال عشرين عاما ما زالا هنا ليونيل ميسى وكريستيانو رونالدو كأنهما يرفضان مغادرة المسرح.
كأن الشغف الذى يسكنهما أكبر من العمر، وأقوى من الجسد، وأطول من السنوات التى مرت فوق أكتافهما.. بل والأدعى للتعجب انهما ليس «كمالة عدد» بل مازالوا نجوم الشباك والحماس يملأهما أكثر من أصغر شاب فى البطولة.
ميسي المتوج بكأس العالم 2022 في لقطة أيقونية لم ولن ينساها الجميع، ميسي الذي حصد كل الألقاب الممكنة، ولم يعد يملك شيئا يطارده أو يحلم به، دخل المونديال وكأنه جاء ليستمتع فقط
وهكذا قال بنفسه من قبل: «أود أن العب كرة القدم لمجرد اللعب والاستمتاع فقط دون أى مطالب أو ضغوط» لكنه لم يحتاج كثيراً ليذكر الجميع أن الأساطير لا تتقاعد عن العظمة.
ستة أهداف جعلته هداف البطولة بل وأصبح يقف وحيدا على قمة الهدافين التاريخيين لكأس العالم.
كل ذلك وهو على مشارف الأربعين عاما فكيف فعلتها أيها البرغوث الأرجنتيني.
ربما لن يعرف أحد الاجابة على ذلك السؤال إلا واحد فقط يسابقه وينافسه طول العمر.. كريستيانو رونالدو ذلك الرجل البالغ 41 عاما الذى يفترض أن يكون الآن ضيفا دائما على الاستوديوهات التحليلية، أو مدربا يراقب من المنطقة الفنية، أو نجما سابقا يروى الحكايات عن أمجاد الأمس إلا انه رفض الفكرة كلها وظل واعتقد سيظل ينافس ويحارب داخل العشب الأخضر الذى يمثل شغفه الوحيد فى الحياة.
فبعد بداية متعثرة وتعادل أثار الشكوك بين البرتغال وكاب فيردي في الافتتاح ، عاد فى المباراة الثانية بالطريقة التى اعتاد بها طوال عمره.
هدف بعد ست دقائق فقط، وأضاف هدفا اخر ايضا ليفتح رونالدو الطريق للفوز بخماسية على أوزبكستان أعادت البرتغال للحياة، وأعادت معه سؤالا قديما يتكرر منذ سنوات: متى سيتوقف هذان الرجلان؟
والإجابة حتى الآن مجهولة.
فربما يأتى اليوم الذى يغادر فيه ميسي ورونالدو الملاعب أخيرا، وربما تستمر كرة القدم بعدهما كما استمرت بعد كل أسطورة سبقت.. لكن المؤكد أن جيلا كاملا كان محظوظا لأنه عاش هذه الحكاية.
ولهذا لا نشاهد ميسى ورونالدو اليوم بحثا عن الأهداف فقط.. بل نشاهدهما لنرى إلى أي مدى يمكن للحلم أن يعيش.. وإلى أي مدى يستطيع الإنسان أن يقاوم الوقت عندما يحب ما يفعله إلى هذا الحد، فالعمر كان دائما مجرد رقم أما الشغف، فكان دائمًا هو القصة كلها.
جيل الذهب.. نجوم خطفوا العالم في مونديال 2026
مصر تُسرّع الخطى نحو إفريقيا.. العاصمة الجديدة ترسم ملامح دورة استثنائية
مصر تعزز هيمنتها الرياضية.. 195 ميدالية وخطة لصناعة أبطال الأولمبياد






