لا نأسف للإزعاج

عندما يصبح «الفرح» جريمة

إسلام عفيفي
إسلام عفيفي


كرة القدم فى مصر أكبر من نتيجة، هى ذاكرة مشتركة، وصوت يخرج من الشرفات فى اللحظة نفسها، وطفل يتعلم لأول مرة معنى أن يشجع بلده، وأسرة تنسى خلافاتها طوال تسعين دقيقة، ومن يفسد هذه اللحظة باسم التحليل لا يمارس وعيًا كرويًا، بل يسلب الناس واحدة من أبسط حقوقهم.

فى مصر كرة القدم ليست مجرد لعبة، هى واحدة من المساحات القليلة التى لا تحتاج إلى دعوة كى تجمع الناس، مباراة واحدة للمنتخب قادرة على أن تعيد أفراد الأسرة إلى غرفة واحدة، وتُسكت خلافاتهم مؤقتًا، وتمنح الشارع كله نبضًا واحدًا، الأب الذى لا يتابع الدورى يجلس، والأم التى لا تحفظ أسماء اللاعبين تسأل عن النتيجة، والطفل يرتدى قميص المنتخب حبّا وانتماء.

هذه هى قيمة الكرة عند المصريين: أنها تصنع لحظة جماعية نادرة فى مجتمع أرهقته الضغوط، هدف واحد قد لا يحل أزمة، لكنه يفتح نافذة للفرح، وفوز واحد قد لا يغير واقعًا كاملًا، لكنه يمنح الملايين حقًا بسيطًا فى الاحتفال، ومع ذلك هناك من يتصرف وكأن هذه الفرحة جريمة يجب إفسادها فورًا.

بمجرد أن تنتهى المباراة تبدأ محاكمة كروية لا تنتهى، الجميع مدرب، والجميع خبير تكتيك، والجميع يعرف من كان يجب أن يلعب، ومن كان يجب أن يخرج، وكيف كان يجب أن تُبنى الهجمة، ولماذا تأخر التغيير ثلاث دقائق، لا أحد يكتفى بالنتيجة، ولا أحد يسمح للمباراة أن تكون مباراة، حتى الفوز أصبح يحتاج إلى دفاع، وكأن المنتخب مطالب بأن ينتصر، ويُمتع، ويُقنع، ويهيمن، ولا يخطئ، ولا يتوتر، ولا يمنح المنافس فرصة واحدة.

نحن بالفعل 120 مليون خبير كروي، وكل خبير يريد منتخبًا مطابقًا للصورة التى فى رأسه، جماهير الأندية تدخل بحساباتها، والمحللون يدخلون برغبتهم فى إثبات أنهم رأوا ما لم يره المدرب، ومواقع التواصل تدخل بحاجتها الدائمة إلى الغضب، وهكذا يتحول المنتخب من رمز يجمع الناس إلى ساحة جديدة لتصفية الحسابات.

النقد مهم، بل ضرورى، لا أحد يطالب بإلغاء العقل أو تبرير الأداء الضعيف، لكن النقد شىء، وتحويل كل مباراة إلى جنازة شىء آخر، النقد يبحث عن التطوير، أما التنغيص فيبحث عن هدم اللحظة نفسها، النقد يقول إن هناك أخطاء يجب علاجها، أما المبالغة فتقول إن الفوز لا قيمة له لأن الأداء لم يعجب هذا المحلل أو ذاك.

كرة القدم لا تُلعب فى الاستوديو، فى الاستوديو يمكن إيقاف الصورة، ورسم الأسهم، وإعادة اللقطة عشر مرات، وإعلان ما كان يجب أن يحدث، أما فى الملعب فالقرار يُتخذ فى ثانية، تحت ضغط، وأمام منافس يتحرك ويخطط ويقاوم، اللاعب ليس قطعة شطرنج، والمدرب لا يملك ريموت كنترول، والمباراة لا تسير وفق سيناريو مكتوب.

المنتخبات الكبرى نفسها تفوز أحيانًا بأداء متواضع، وتتأهل من مباراة لم تكن الأفضل فيها، وتخسر رغم السيطرة، هذه هى اللعبة، من يريد منطقًا كاملًا بلا أخطاء، فليبتعد عن كرة القدم؛ لأن سرها أصلًا أنها لا تطيع الحسابات دائمًا.

الأخطر أن هذا الضغط لا يبقى كلامًا، يصل إلى اللاعبين، لاعب يدخل الملعب وهو يعرف أن خطأ واحدًا قد يحوله من بطل إلى متهم، مدرب يعرف أن أى تغيير متأخر سيصبح دليلًا على الجهل، منتخب كامل يلعب وهو محاصر بتوقعات لا تنتهي، ثم نسأل: لماذا يبدو اللاعبون متوترين؟

والإجابة ببساطة: لأننا لا نترك لهم مساحة كى يكونوا بشرًا.

المنتخب لا يحتاج إلى صمت مطلق، لكنه يحتاج إلى عدل، يحتاج إلى جمهور يسانده قبل أن يجلده، ويناقش أداءه من دون أن يهينه، ويفهم أن اللاعب الذى أخطأ اليوم قد يصنع الفارق غدًا، يحتاج إلى أن يتحرر من تعصب الأندية، ومن المحاكمات السريعة، ومن فكرة أن كل مباراة اختبار نهائى للوطنية والكفاءة والكرامة.

كرة القدم فى مصر أكبر من نتيجة، هى ذاكرة مشتركة، وصوت يخرج من الشرفات فى اللحظة نفسها، وطفل يتعلم لأول مرة معنى أن يشجع بلده، وأسرة تنسى خلافاتها طوال تسعين دقيقة، ومن يفسد هذه اللحظة باسم التحليل لا يمارس وعيًا كرويًا، بل يسلب الناس واحدة من أبسط حقوقهم.

سيبوا المنتخب فى حاله، انتقدوه حين يستحق، لكن لا تخنقوه بالتوقعات، راقبوا أخطاءه، لكن لا تحولوا لاعبيه إلى خصوم، اختلفوا مع المدرب، لكن لا تتعاملوا مع كل قرار كأنه جريمة، واتركوا للناس وقتًا قصيرًا يفرحون فيه قبل أن تبدأوا فى شرح لماذا لا ينبغى لهم أن يفرحوا.

نحن لسنا 120 مليون مدرب، نحن 120 مليون مشجع، والمشجع الحقيقى لا يصفق فقط حين تكون الصورة كاملة، بل يعرف أن الطريق إلى الانتصار فيه أخطاء وتوتر ومعاناة.

المنتخب ليس ملكًا للمحللين، ولا لجماهير الأندية، ولا لمن يرفع صوته أكثر، المنتخب ملك الناس الذين يريدون لحظة فرح فاتركوها لهم.

اقرأ  أيضا: