عاجل

عمر حسانين يكتب: «حروب التفاهة واللغة الخشبية»

الكاتب الصحفي عمر حسانين
الكاتب الصحفي عمر حسانين


 

«المؤامرةُ» واحدةٌ، تنفيذُها عبرَ حروبٍ عديدة، أبسطها «العسكرية»؛ لأن المواجهات فيها تكون عبر ساحات المعارك، لكنّ أخطرَها «العقلي»؛ لأنها تضرب القيم والمعتقدات في مقتل.. يستخدم فيها عدوك «مأجورين» من قومِك لتنفيذ أهدافه، يتسللون من جحورهم، يرفعون شعارات برّاقة كـ «الديمقراطية والحرية والشعبوية».. مواجهة هؤلاء وأخطارهم لن تكون إلا بثورة على «التفاهة والتافهون»، ثورة ثقافية تعلو فيها الفضيلة والحق والخير.

الدراسات التي أجرتها المؤسسات العلمية، نتائجُها مرعبة وخطيرة، واحدةٌ منها لمنصة «Statista» تشير إلى أن 60% من مستخدمي الإنترنت في الدول العربية يقضُون وقتهم على مقاطع ترفيهية سطحية، بينما في الدول المتقدمة 48% من المستخدمين يقضون وقتهم في تَعلُّم شيء جديد.. ذلك هو الفرق بين شعوب تُدمِن «النوم في العسل»، وغيرها يخطط للتقدم وسيادة العالم.

ومن هذه الثقوب تتسلل التفاهةُ إلى عُمق المجتمع، وتصبحُ السطحيةُ رمزَ النجاحِ، وصار لدينا جيلٌ كاملٌ من الشباب يرى في الشهرة السريعة هدفَه الأسمَى، بغض النظر عن الطريق الذي يسلكه من أجلها، وتَبدُّل السعي إلى الابتكارات والاختراعات إلى فِعل كل شيء وأي شيء من أجل الوصول لملايين المتابعين.. فتجد مَن يَتعرَّى، يبعثر أسرارَ بيته على الملأ، يَتَخنَّس فيرتدي ملابس النساء، يهدم كل فضيلة ويأتي بكل رذيلة. موجاتٌ من القبح كأنّها «تسونامي» تجرف كل جميل، وتُخلِّف خواءً ثقافيًّا وأخلاقيًّا.

و«التفاهة» صناعةٌ، لها علومُها المنفردةُ، عندما تعتاد مشاهدتها، فمؤكّد ستقبلها في كل شيء، وتكون النتائج شبيهة بها: قرارات تافهة، نقاشات تافهة وطموحات تافهة، فتصبح مثل «سوسة النخيل الحمراء»، تدمّر أنسجة المجتمع دون أن يلاحظها أحد؛ حتى ينهار فجأة؛ فتتكشَّف أسرارُ هذه الصناعة في كتاب أستاذ الفلسفة «آلان دونو» الذي يحمل اسم «نظام التفاهة»؛ إذ يكشف أن العالم يعيش مرحلة تاريخية غير مسبوقة يسيطر فيها التافهون، حققوا صعودًا غريبًا، وبرزت أذواق مُنحطَّة، وعمَّت موجات من التسطيح: أوهام «الكاريزما»، الفن الرخيص، التخريب لإعادة الإعمار، وتسليع الحياة العامة والجامعات.

الأغرب مما سبق أن التافهين - كما يقول «آلان دونو» - يسعون لتخليد أسمائهم بأي شكل من الأشكال، فلا يتردد بعضهم في أن يكون مثل «هيرو ستراتوس»، الذي أحرق معبد «أرتيمس» - إحدى عجائب الدنيا السبع - لمجرد رغبته في تخليد اسمه.. وهؤلاء لهم لغة، يصفها المؤلف بـ«اللغة الخشبية»؛ يرددون عبارات جوفاء مُحمَّلة بحقائق وتأكيدات، هي في أصلها مجرد «تحصيل حاصل»، محذِّرًا من التعاطي مع أمثال هؤلاء؛ لأن مثلهم كمثل «السوسة الحمراء».

الأشد غرابة - أننا الأمة العربية - ندرك تمام الإدراك حجم هذه «المؤامرات» وتفاصيلها، نثرثر حولها في المؤتمرات والمنتديات، ونضع توصيات بضرورة «اللُّحمَة» من أجل الحفاظ على هويتنا وتاريخنا وتراثنا وثرواتنا، ونحدد بالضبط الذين ينسجون الخيوط الخبيثة، والذين يَجرُّونها إلى داخل مجتمعاتنا، ونتحمس للمعركة أشد الحماس.. وبعد أن ننصرفَ من «القاعات المكيفة»، نَعُضّ على أذيال ثيابنا بأسناننا، ونُطلق أقدامنا مع الريح، لنلحقَ بحفل يرقص فيه «مخنس» يرتدي حمالة صدر حريمي، أو ننتقل إلى مؤتمر آخر نوقِّع فيه على مشروع ثقافي في بلدنا، ينفذه شخص على رأسه «يارمولكا»، بدعوى تنشيط السياحة.