يوميات الاخبار

«الأخبار».. الدار والمشوار

يوميات الاخبار
يوميات الاخبار


طوال المشوار، كنت أشعر اننى والمكان معًا، نقتسم حلمًا لم يكتمل، لكنه وُلد ليبقى وينمو، يخبو ضوؤه أحيانًا، ثم يلمع وميضه من جديد..


عند نقطة تراوح بين الوقوف على محيط الدائرة، أو أحد أقطارها، وربما الطموح لملامسة مركزها، خضت تجربتى منتميًا لـ «دار» أقرب للأسرة الكبيرة، حين ارتميت فى حضنها «الدافئ» كانت شابة أكملت الثامنة والعشرين، بينما أتممت عامى الثانى والعشرين.
بدأ المشوار الذى واكب العديد من التحولات فى الدار، والمهنة، والمجتمع، بل فى المنطقة، والعالم، بعضها عاصف، وأخرى انسابت فى هدوء، تحاكى ظاهرة المد والجزر، تفاعلت فى صياغة علاقتى بالدار، وجميع الدوائر الأوسع، فأثرت وتأثرت بسمات صبغت قرابة خمسة عقود من الزمان، الذى لم يكن أبدًا محايدًا، وبالتالى كاتب هذه السطور.
جسر بين الأجيال
مضى قطار الحياة، ينهب العمر، رسمت محطات الرحلة على الوجه تجاعيد، واكبت زحفًا سريعًا للشعر الأبيض، بينما الروح تقاوم، عبر مسيرة اتسمت بالسلاسة أحيانًا، وكآبة العقبات مرات، خلال هذه العقود يبطئ القطار، ويسرع، لكنه لم يتوقف أبدًا، ينعطف يمينًا أو يسارًا، إلا أن أبناء الدار -وبينهم العبد لله- كلهم حرص على الحفاظ على الهوية الإنسانية والمهنية لبيتهم الثانى، وأسرتهم الكبيرة.
انتميت لجيل من أبناء الدار، لعب إلى حد بعيد دور الجسر بين جيلين سبقاه، وجيلين وربما ثلاثة أعقبوه، والرابط بين الجميع روح الأسرة التى تترجم مفهوم الدار، وعلاقات تفاعل تضفى حيوية دائمة فى جنباتها، وعلى صفحات «الأخبار» الشقيقة الصغرى لـ «أخبار اليوم» التى استهلت بها الدار مسيرتها.. لعل تلك الحيوية تعود لشغف توارثته الأجيال فى التجديد والتطوير، ولم يقتصر الأمر على الاهتمام بالشكل، لكن المحتوى والمضمون، كان الوجهة التى لم ينقطع الرهان على استهدافها.
طوال المشوار، كنت أشعر أننى والمكان معًا، نقتسم حلمًا لم يكتمل، لكنه وُلد ليبقى وينمو، يخبو ضوؤه أحيانًا، ثم يلمع وميضه من جديد، تحيطه الغيوم لبعض الوقت، لكنها تنقشع وما تلبث الشمس تسطع مرة أخرى، لتعيد تشكيل مشهد أكثر إشراقًا، وكأنها تقدم اعتذارًا عن شىء ما، لم يكن يرضى أحدًا بالدار!
عصر الأستاذ موسى
شرفت بالعمل فى بداياتى مع أحد القامات الصحفية التى يندر مثيلها، الأستاذ موسى صبرى، وبالطبع يسهل تصنيفه سياسيًا وفكريًا، لكن ثمة مسحة ليبرالية كانت تدعم نجاحه فى قيادة سفينة الدار، رئيسًا لمجلس إدارتها، ورئيسًا لتحرير «الأخبار».
عندما استعيد ذكريات السنوات الأربع الأولى لوجودى فى «الدار»، يتأكد لى أنه لو كان ثمة قيادة أخرى صادفت هذه المرحلة فى حياتى المهنية، ربما كان مسارى قد ابتعد عما بلغته، فيما تلاها من محطات حاسمة فى مشوارى، ومن ثم ما أنجزته من ثمار.
دخلت الدار عبر مكتب الأستاذ موسى، وحين سألنى عن أى قسم أريد؟ أجبت بلا تردد: الإخراج الصحفى، وكان له رأى آخر، إلا أنه احترم رغبتى، ثم سرعان ما أتاح لى الجمع بين الإخراج والكتابة، حتى أن عمود «كل يوم» فى صفحة الرأى، انطلق باقتراح منى، وكان أن كلفنى قبلها بتحرير زاوية «مكتبة الأطفال» بملحق «آخر الأسبوع»، مواكبًا للمشاركة بتحليلات فى ملحق «العالم بين يديك»، ثم كان لى شرف المشاركة فى تطوير إخراج «الأخبار»، وأتساءل اليوم: هل كانت كل هذه الفرص تتاح لوافد جديد فى فترة قصيرة فى أى مؤسسة أخرى، وفى ظل قيادة بخلاف الأستاذ موسى؟
أحسب أنه كان من الصعب الرهان على هكذا سيناريو! مشوارى -وغيرى كُثر- لا ينفصل عن فلسفة الدار، وسياستها فى منح الفرصة لكل من يستحق، وكان ذلك أحد أسرار نجاحها.
فى سنوات التكوين
لعل القدر كان حانيًا معى حين صادفت عصرًا كان بين الأكثر بريقًا لـ «الأخبار»، إذ كان زاخرًا برموز إنسانية، وأيقونات مهنية، ساهمت فى أن تكون رافعة قوية، رائعة، للجيل الذى انتمى إليه، من الدفعات الأولى لخريجى كلية الإعلام الوليدة، وكان معظم هؤلاء الأساتذة من خريجى قسم الصحافة بآداب القاهرة، إذ اعتبرونا الامتداد الطبيعى لتجربتهم.
فى سنوات التكوين -إذا جاز التوصيف- كان من حظى أن أتعامل عن قرب، مع من كنت أنظر إليهم كقارئ، ثم دارس، كنجوم تزين سماءً بعيدة، لكن اقترابى منهم، وبتحفيز وتشجيع من معظمهم، تهاوت الحواجز، وحل بدلًا منها تقاليد الدار الراسخة فى التواصل بين الأجيال، مصحوبة بتقدير واحترام ومحبة، توفر بيئة مثالية لنقل الخبرات، وارتفاق الوافدين الجدد، فى الأسرة الكبيرة، التى تحتضن جميع أهل الدار، صغارًا وكبارًا، صحفيين وغيرهم، وهو ملمح يجسد عمليًا الرابطة الإنسانية بينهم، وكأنها طبقة من الغراء اللين غير المرئى، لكن كان له فعل السحر!
وبالتأكيد، فإن هذا لا يعنى أن الدار كانت بمثابة جنة يقطنها ملائكة، لكنها شهادة حق لمناخ عام، لا شك أن فيه استثناءات تؤكد بشرية سكانه، والكبار حقًا لقنونى درسًا بليغًا: لا تضن على قادم جديد بما تعرف، ولا تفرض عليه معاناة مررت بها، ولعلى هنا لا أنسى نصيحة ذهبية من أستاذى سعيد إسماعيل: «نصف التعلم فرجة»، فكم أفادتنى، ثم أفدت بها غيرى.
بين الأحلام والتكليفات
وتتدفق فى نهر «الدار» مياه كثيرة، ويتولى الأستاذ محمد بركات رئاسة التحرير، كلفنى بعد أسابيع بكتابة «يوميات الأخبار» وكان حلمًا قديمًا، طالما داعبنى، حتى تحقق بعد نحو ٢٥ عامًا، وبوفاة الأستاذ مجدى فهمى الذى كان يحرر زاوية «عالم الغد» كل ثلاثاء بالصفحة الأخيرة، تم تكليفى بكتابة الباب، فاقترحت اسمًا جديدًا، وحررته بعنوان «آفاق المستقبل» لنحو ٧ سنوات، ثم اختفى لأسباب ليس هنا موضع ذكرها!
وقبل ثورة يناير بأسبوع واحد، تم تكليف الصديق العزيز ياسر رزق -رحمه الله- برئاسة تحرير «الأخبار»، وبعدها بقليل أبلغنى أنه تم اختيارى، ضمن مجموعة من الزملاء، بالتناوب على كتابة عمود ثابت يومًا بعد يوم، وكانت تجربة جديدة وثرية، وبالطبع فإن خوضها بقدر ما كان ممتعًا، فإنه يمثل مسئولية ليست بالهينة.
فى العام ٢٠١٢ وقع تحول لم أكن أسعى إليه، أو أتوقعه، بتكليف الصديق أحمد سامح رئيس مجلس الإدارة، بخلافته فى موقع سكرتير عام تحرير المؤسسة، وكان الأمر مفاجأة تامة، اعتذرت عنها فى البداية، فثمة أعباء إدارية وتنظيمية تبتعد بى عما ألفته من مسئوليات فى الدار، لكن إصراره دفعنى لقبول التكليف لكن استمرارى مشروط برضائى عن أدائى أولًا.
قريبًا من الثقافة
بعد أقل من عامين، تم اختيارى رئيسًا لتحرير «كتاب اليوم»، لأشغل المقعد الذى بدأ يتولى ثانى اثنين أسسا الدار «مصطفى أمين» مسئوليته، وكان الأديب الكبير جمال الغيطانى أبرز من تولى مسئوليته، وللمرة الأولى لم يعد يربطنى بـ «الأخبار» إلا الكتابة فحسب، وكان أمرًا بالغ المشقة على نفسى، لكن عزائى أننى أعمل تحت المظلة الواسعة لـ «دار أخبار اليوم»، وأحمد الله أننى تمكنت مع كتيبة متميزة على محدودية أفرادها، من إصدار نحو ٧٠ عنوانًا خلال ثلاث سنوات نالت ثقة القراء، واستحسان النقاد.
كانت النقلة الأخيرة فى المشوار داخل الدار، عند عودة المرحوم ياسر رزق رئيسًا لمجلس إدارة المؤسسة، إذ كلفنى إلى جانب عملى بالإشراف على ثلاث قطاعات هى الثقافة، التوزيع، النقل، ثم إدارة قطاع الثقافة، فسنح لى التنسيق المباشر بين «كتاب اليوم» وقطاع الثقافة، بما كان له على الموقعين من نتائج طيبة، ولعل أهم ما تم إنجازه «رقمنة» القطاع، مما كان له عائد مباشر على مشاركة المؤسسة فى معرض القاهرة الدولى للكتاب.
■ ■ ■ 
تلك السطور مجرد حكاية من مئات الحكايات، يشوبها اختصار مُخل لأحداث حقبة طويلة من عمر الدار، ليبقى تعريف الدار متباينًا باختلاف موقع الحاكى، ومن ثم رؤيته وتقييمه، تبعًا لانتمائه لإصدار بعينه، أو أحد القطاعات الشقيقة -كما يحلو لنا أن نصفها- إلا أن أى حكاية، وكل الحكايات تظل فى مجموعها شهادات تكتسب أهميتها من إسهامها فى الحفاظ على ذاكرة المكان، فالمكان بـ «ناسه» الذين تشكل حيواتهم تاريخه، وترسم ملامحه ومحطاته ومفاصله، التى لا يقدر على عرضها إلا رواتها، وليس فقط من عايشوها، وظلت عالقة بذاكراتهم دون بوح أو تسجيل.
فى منتصف يونيو ١٩٥٢ كان بداية مشوار «الأخبار» فى حضن الدار، وفى منتصف يونيو ١٩٥٨ بدأ مشوار الحياة لصاحب هذه الشهادة شديدة الايجاز، وفى منتصف يونيو ١٩٨٠ كان اللقاء الجميل بين المشوارين، وفى منتصف يونيو ٢٠٢٦ بدأت «الأخبار» عامها الماسى، ولعل تلك المسافات البينية تمنحنا فرصة للتأمل لابد من اغتنامها، ففى كل لحظة فى هذه الرحلة، ثمة إضافة للمسيرة والمسار، سواء تعلق الأمر بإنسان أو معنى أو مبنى، لكن ما سر منتصف يونيو فى كل ذلك؟
لا أملك فى الختام سوى باقة زهور، أهديها لـ «الدار» وأبنائها الذين يحتضنون سويًا، أيامًا باقية صنعوها معًا، ربما تسهم فى كتابة سطور تاريخ أجيال آتية، يكون من حظها إطلالة على مئوية الدار فى ٢٠٥٢.